قال الشيخ ﵀: «العامل هو ما عمل في غيره شيئًا من رفع، أو نصب، أو جر، أو جزم، على حسب اختلاف العوامل». وإنما كان كذلك لأن العامل لما وجد مؤثرًا في المعمول عملًا سمي عاملا. كما أن الفاعل لما وجد مؤثرًا في المفعول أثرًا سمي فاعلًا. ألا ترى أنك إذا قلت «قام زيد»، كان «قام» هو الرافع العامل للرفع. وإذا قلت «رأيت زيدًا»، كان «رأيت» هو الناصب العامل للنصب. وإذا قلت: «مررت بزيدٍ»، كانت الباء هي الجارة العاملة للجر. وإذا قلت: «لم يضرب»، كانت «لم» هي الجازمة العاملة للجزم.
فلذلك سميت العوامل عوامل. فلا تجد مرفوعًا إلا برافع، ولا منصوبًا إلا بناصب، ولا مجرورًا إلا بجار، ولا مجزومًا إلا بجازم. كما لا يكون محدث إلا بمحدث، ولا مؤثر إلا بمؤثر. فالله تعالى فاعل كل شيء وخالقه تعالى علوًا كبيرًا.
فإذا ثبت هذا فجملة العوامل أربعة أشياء. معنى، وفعل، وحرف، واسم. ثلاثة لفظية، وهي الأخيرة. وواحد معنوي وهو الأول. والمعنوي ضربان. أحدهما
[ ٢ / ٣٤٤ ]
من العوامل المعنوبة عامل الرفع في المبتدأ
عامل الرفع في المبتدأ. والآخر عامل الرفع في الفعل المضارع. فالمبتدأ قولك: زيد قائم، وعبد الله منطلق. فزيد ونحوه مرفوع، لابد له من رافع. وليس في اللفظ ما يرفعه من شيء قبله ولا بعده. فوجب أن يكون العامل معنويًا لا لفظيًا، وذلك المعنوي هو الابتداء، وذلك الابتداء هو الاهتمام، وذلك الاهتمام هو جعلك الشيء أولًا لثانٍ، يكون الثاني حديثًا عن الأول المجرد من العوامل اللفظية. فإذا قلت: زيد قائم، فزيد أول لثان، وذلك الثاني هو خبر عن الأول، وهو «زيد» المجرد عن العوامل اللفظية. فعلى هذا فقس كل مبتدأ.
وهذا هو العامل المعنوي. وقد دقت معرفته على قوم من البصريين والكوفيين فعبروا عنه بغير هذه العبارة. فقال أبو العباس المبرد: الرافع للمبتدأ هو التجرد من العوامل. فجعل التجرد هو الرافع. وهذا فيه بعض ما فيه، لأن التجرد من العوامل عدم العوامل، ولا يكون عدم الشيء موجبًا لعمله.
وقال الكوفيون إن الرفع للمبتدأ هو الخبر، والرافع للخبر هو المبتدأ.
وهذا أيضًا أعجب من الأول، لأنه لا يكون الشيء عاملًا ومعمولًا من جهة واحدة لما فيه من التضاد. والصحيح ما قدمنا ذكره. فاعتمد عليه في كل مبتدأ وخبر إذا طالبت نفسك بمعرفة الرافع تصب إن شاء الله تعالى. وفقك الله للصواب.
وجملته أربع صفات. أول لثانٍ محدث به عن الأول، مجرد عن العوامل اللفظية. والعوامل اللفظية أربعة. باب كان وأخواتها. وباب إن وأخواتها. وباب
[ ٢ / ٣٤٥ ]
من العوامل المعنوبة عامل الرفع في الفعل المستقبل
ظننت وأخواتها. وباب ما [الحجازية]. لأنه متى دخل واحد من هذه ارتفع حكم الابتداء. وصار الحكم والعمل لأحد هذه الأشياء الأربعة اللفظية.
فأما الرافع للخبر ففيه أقوال. أصحها أن الابتداء والمبتدأ جميعًا رفعا الخبر، فإذا قلت: زيد قائم، فزيد يرتفع بالابتداء، والابتداء وزيد جميعًا رفعا الخبر. والقول الثاني أن الابتداء وحده رفع المبتدأ والخبر جميعا. والقول الثالث أن الابتداء رفع المبتدأ وحده، والمبتدأ وحده رفع الخبر. والقول الرابع أن كلًا منهما رفع صاحبه.
والأصح القولان الأولان. ومثل هذا ما تقوله في الشرط والجزاء من قولك: إن تقم أقم. قال قوم: إن «إن» جزمت فعل الشرط وجواب الشرط جميعًا بنفسها. وقال آخرون: إن «إن» جزمت فعل الشرط، وإن فعل الشرط جزم الجواب. وقال آخرون: إن «إن» وفعل الشرط جميعًا جزما الجواب.
فهذه معرفة أحد العاملين المعنويين، وهو عامل المبتدأ.
والعامل الآخر المعنوي هو عامل الفعل المستقبل، الذي يعمل الرفع فيه أبدًا ما لم يكن معه ناصب أو جازم. وذلك قولك: هذا رجل يضحك، ورأيت رجلًا يضحك، ومررت برجل يضحك. فيضحك فعل مستقبل مرفوع ليس معه رافع قبله ولا بعده. فوجب أن يكون الرافع معنويًا، وذلك المعنوي هو وقوعه موقع الاسم، وذلك الاسم هو «ضاحك» / إذا قلت: هذا رجل ضاحك، [٦٤] ورأيت رجلًا ضاحكًا، ومررت برجلٍ ضاحكٍ.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
وكان ابن درستويه يقول في هذا وأشباهه إنه يرتفع لوقوعه بنفسه موقع الاسم، وينتصب لوقوعه مع غيره موقع الاسم، وينجزم إذا لم يقع بنفسه ولا مع غيره موقع الاسم.
وكان الكسائي يقول: الرافع للفعل المستقبل هو حرف المضارعة.
وليس هذا بشيء، لأن حرف المضارعة يوجد في الفعل وهو منصوب بالناصب ومجزوم بالجازم.
وكان بعض الكوفيين يقول: هو مرفوع لتجرده من الناصب والجازم. وهذا يجعل عدم العامل عاملًا، وهذا ليس بشيء.
وقال قوم من الكوفيين إن الرافع هو المضارعة. وهذا ليس بشيء. لأن المضارعة أوجبت له جملة الإعراب، لا إعرابًا مخصوصًا. وإنما اختص بنوع دون نوع بحسب العامل.
فهذه أقوال في الرافع للفعل المستقبل.
فإن قيل: ما العلة التي لأجلها كان الفعل المستقبل معربًا؟ . قيل: المضارعة للاسم.
فإن قيل: فمن أين ضارع الاسم؟ . فقل: بالنقل من العموم إلى الخصوص. فإن قيل: فكيف هذا النقل من العموم إلى الخصوص؟ . فقل: لأنك تقول: «زيد يقوم» فيصلح للزمانين، الحال والاستقبال، وهذا عموم. فإذا أردت إخلاصه للاستقبال أدخلت عليه السين أو سوف، فقلت سيقوم، أو سوف يقوم. كما تقول «رجل، أو غلام»، فيصلح لرجل معروف ولرجل مجهول،
[ ٢ / ٣٤٧ ]
العوامل اللفظية أفعال وأسماء وحروف
فإذا أردت إخلاصه لمعروف أدخلت الألف واللام للتعريف، فخلصته من الشركة بالحرف، كما خلصت الفعل من الشركة والإبهام بالحرف. فاعرف ذلك.
وقد قيل إن المضارعة بين الاسم والفعل إنما هي بدخول لام الابتداء عليه كدخولها على الاسم، فتقول: إن زيدًا ليقوم، كما تقول: إن زيدًا لقائم، ولا تقول: إن زيدًا لقام.
وقد قيل إن المضارعة بالجريان على اسم الفاعل في الحركات والسكنات وعدد الحروف. فإذا قلت: زيد يضرب، فهو بزنة ضارب - الذي هو اسم - في عدد حروفه وحركاته وسكناته. بخلاف الماضي الذي هو ضرب. فمن حيث أعمل اسم الفاعل لشبهه بالفعل، كذلك أعرب الفعل المستقبل لشبهه باسم الفاعل المعرب. وكل هذه مشابهات ومضارعات. وبالله التوفيق.
فإن قيل: فهل في العوامل عامل معنوي غير هذين الأصلين؟ . فقل: ليس هناك عامل معنوي يعمل رفعًا غير ما ذكرناه، وقد ذكرنا الخلاف فيه، فاعرفه. وبالله التوفيق.
***
فصل
وأما العوامل اللفظية فثلاثة. الأفعال والحروف والأسماء.
فأما الأفعال فكلها عاملة، لأنها إنما وضعت لذلك، لرفع فاعل لابد لها
[ ٢ / ٣٤٨ ]
الأفعال العاملة ثمانية أنواع
النوع الأول كان وأخواتها وما حمل عليها
منه، وتنصب مفعولًا إن اقتضته، على حسب ما يأتي بيانه، [إن شاء الله تعالى]. وجملتها ثمانية أنواع. منها نوع يرفع الاسم وينصب الخبر. وذلك ثلاثة عشر فعلًا مع ما حمل عليها. وهي: كان وأصبح وأمسى وأضحى وظل وبات وصار وما زال وما انفك وما فتيء وما دام وما برح وليس. وإنما كانت هذه عاملة لأنها أفعال، متصرفة بالوجوه الخمسة، كان ويكون وسيكون وكن ولا تكن. فعملت كما تعمل الأفعال الحقيقية. وإنما قدمناها على الأفعال الحقيقية لأنها من العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر. والمبتدأ أول، فكما يجب أن يبتدأ به فكذلك يجب أن يبتدأ بذكر عامله. فإذا قلت: كان زيد قائمًا، فزيد اسم مرفوع بكان ارتفاع المسند إليه، وقائمًا منصوب بكان في موضع الخبر للك الاسم الذي عمل فيه «كان». وقول الناس «اسم كان وخبر كان» اتساع، لأن الفعل لا يخبر عنه، وإنما هو خبر عن الاسم المرفوع بها. والاسم ليس هو اسمًا لها في الحقيقة، وإنما نسب إليها من حيث كان مرتفعًا بها. فهذا مجاز، والحقيقة ما ذكرناه.
و«كان» هي أم الأفعال، لأن كل شيء داخل تحت الكون. وإنما أتي بكان لما أريد من الدلالة على الزمان دون الحدث، لأن الحدث مستفاد من خبرها. وإنما قولك: كان زيد قائمًا، بمنزلة قولك: زيد قائم أمس، فهي
[ ٢ / ٣٤٩ ]
[٦٥] مجردة من الحدث دالة على الزمان حسب. ولهذا لم / يستعمل لها مصدر ما دامت [ناقصة] ناصبة للخبر، لا يجوز: كان زيد قائمًا كونًا، لأن خبرها قد أغنى عن مصدرها. فلذلك كانت ناقصة. وإنما يستعمل هذا المصدر في التامة التي بمعنى وقع وحدث، فتقول: كان زيد كونًا، كما تقول: حدث حدوثًا، ووقع وقوعًا.
وأخوات كان متواخية على ما رتبت في المقدمة.
فأصبح وأمسى أختان، لأنهما لطرفي النهار.
وأضحى وظل أختان، لأنهما لصدر النهار.
وبات وصار أختان، لاعتلال أعينهما.
وما زال وما انفك وما فتئ وما برح وما دام أخوات، للزوم «ما» لها. و«ليس» منفردة لأنها لا تتصرف. وقد ذكرت مع الأفعال التي لا تنصرف وهو فعل مشكل.
قال أبو بكر [رحمها لله]: أقمت أربعين سنة أقول إن «ليس» فعل تقليدًا. وكان أبو علي يعتقد فيها الفعلية تارة، والحرفية أخرى. ومذهب سيبويه [﵀] الفعلية للأدلة المعروفة، من اتصال الضمير بها، واستتاره فيها، وتفسيرها للفعل في مثل: أزيدًا لست مثله، فزيدًا منصوب باضمار فعل دل عليه «ليس»، كأنه قال: أخالفت زيدًا لست مثله. فلولا أنها فعل لما فسرت فعلًا.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
والذي حمل عليها: جعل وطفق وكرب وأخذ وكاد وعسى. يحكم أبدًا على مواضع أخبار أسماء هذه الأفعال بالنصب وإن لم يكن في لفظه غالبًا. أعني أنك تقول: جعل زيد يتحدث، وطفق يتحدث، وكرب يتحدث، وأخذ يتحدث، وكاد يتحدث. فيتحدث في جميع هذا في موضع نصب، كما كان إذا وقع بعد كان وأخواتها، لأن هذه الأفعال مشبهة بها. لأنها إنما أتي بها لمقاربة الفعل، فإذا دخلت على مبتدأ وخبر لزم خبرها الفعلية كما قال سبحانه (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجن)، أي طفقا خاصفين عليهما من ورق الجنة، إلا أن النصب لا يظهر في الغالب.
وإنما قلنا في الغالب احترازًا من مثل:
* وما كدت آيبا *
وأصله وما كدت أؤوب. وكذا: «عسى الغوبر أبؤسا»، أي عسى الغوير
[ ٢ / ٣٥١ ]
أن يبأس.
و«عسى» من بين هذه الأفعال تدخل على خبرها «أن» مثل قوله سبحانه: (فعسى الله أن يأتي بالفتح). و(عسى ربكم أن يرحمكم). وإنما خالفت أخواتها لأن معناها الطمع والترجي، وهذا المعنى يكون فيما يستقبل، و«أن» تصرف الفعل إلى معنى الاستقبال. وليس كذلك معنى «كاد» وأخواتها لأنها بمعنى الحال ومقاربة الفعل فلم يحتج في أخبارها إلى أن. وعليه قولهم: «كاد النعام يطير».
فإن رأيت «أن» في أخبار هذه الأفعال فإنما هي مشبهة بعسى. وإذا رأيتها محذوفة من خبر عسى فإن عسى مشبهة بكاد وأخواتها للتقارب الذي بينهما. فمثال مجيء «أن» في «كاد» قول الشاعر:
* قد كاد من طول البلى أن يمصحا *
ومثال الحذف من «عسى» قول الآخر:
[ ٢ / ٣٥٢ ]
عسى الكرب الذي أمست فيه يكون وراءه فرج قريب
فهذا وجه مخالفة هذه الأفعال لكان وأخواتها. لأن كان وأخواتها لا تدخل أن في أخبارها، لا يجوز: كان زيد أن يقوم. وكذلك أصبح وباقي أخواتها الثلاثة عشر. لأن هذه الثلاثة عشر تكون أخبارها مفردة، وهو الأصل، فيظهر النصب، مثل: كان زيدٌ قائمًا. وتكون جملة وشرطًا وظرفًا فيكون النصب مقدرًا. فمثال الخبر بالجملة من المبتدأ وخبره: كان زيد وجهه حسن. ومثال الفعل والفاعل: كان زيد يحسن وجهه. ومثال الشرط: كان زيدٌ إن وصيته قبل. ومثال الظرف: كان زيد في الدار، أي مستقرًا في الدار. وجميع ذلك يجوز في كان وأخواتها كيفما تصرفت، مثل كان زيد قائمًا، ويكون قائمًا، وسيكون قائمًا، وكن قائمًا، ولا تكن قائمًا.
وكذلك الباقي في الأكثر تتصرف هذا التصرف إلا «ليس». وقد ذكرت. فإن قدر في جميع هذه الأفعال ضمير الشأن والقصة كان الخبر جملة لا مفردًا، مثل: كان زيد قائم، تقديره كان الأمر زيد قائم. فموضع هذه الجملة نصب، ولا عائد فيها، لأنها هي ضمير الشأن والقصة في المعنى فلا تحتاج إلى عائد.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
وأكثر ما يستعمل ضمير الشأن [والقصة] عند تفخيم الأخبار وتعظيمها مثل قوله:
إذا مت كان الناس صنفان، شامت وآخر مثنٍ بالذي كنت أصنع
ومثل قوله:
هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها وليس منها شفاء الداء مبذول
/ فشفاء الداء مبتدأ، ومبذول خبر الابتداء، و«منها» متعلق بمبذول تعلق المعمول، والجملة في موضع نصب خبر اسم ليس المقدر بالشأن والأمر ونحوه. ولأخبار هذه الأفعال أحكام كثيرة. منها أنه يجوز تأخيرها وتوسيطها، وتقديمها إلا ما لزم أوله ما. مثال الأول: أصبح زيد مسرورًا، ومسرورًا أصبح زيد، وأصبح مسرورًا زيد. ومثال ما لا يجوز ما لزم أوله «ما» في مثل ما دام، لا يجوز قولك: قائمًا ما دام زيد، لأن «ما» قد لزمت صدر الكلام، وهي مشبهة بما النافية التي لها صدر الكلام.
ومنها أن أخبارها إذا كانت استفهامًا لم تكن إلا مقدمة، مثل: كيف كان زيد، لأن الاستفهام له صدر الكلام، فموضع «كيف» نصب، ولا يجوز:
[ ٢ / ٣٥٤ ]
النوع الثاني (علم) وأخواتها
كان زيد كيف. وكذلك: من كان زيد، وما كان زيد، وأين كان زيد، ونحوه من جميع أسماء الاستفهام.
فأما تقديم خبر ليس عليها فلا يجوز، لأنها لا تتصرف. وقد أجاز بعضهم ذلك، وهو ضعيف. ولا خلاف في جواز تقديم خبرها على اسمها مثل: ليس قائمًا زيد، إلا أنه لا يتقدم عليها في نفسها.
***
وأما قولنا: «ومنها نوع ثان ينصب المبتدأ والخبر جميعًا، ولا يجوز الاقتصار على أحد المفعولين. وذلك أربعة عشر فعلًا [وهي]: علمت، ورأيت، ووجدت، وظننت، وحسبت، وخلت، وزعمت، ونبئت، وأنبئت، وأريت، وأعلمت، وحدثت، وأخبرت، وخبرت. كل هذه إذا وقعت أولًا وليس بعدها حرف استفهام، ولا لام ابتداء، ولا شيء يمنع من العمل في اللفظ، فإنها تنصب الاسمين، هي وما تصرف منها، نحو: علمت زيدًا قائمًا. وإن وقعت وسطًا بين الاسمين جاز وجهان، الإعمال والإلغاء، والإعمال أجود. تقول: زيدًا علمت قائمًا، وزيد علمت قائم.
وإن وقعت أخيرًا جاز أيضًا وجهان، أجودهما الإلغاء. تقول: زيد قائم علمت، وزيدًا قائمًا علمت. وكذلك الباقي.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
وكل ما جاز أن يقع خبرًا لكان وأخواتها من مفرد وجملة وشرط وظرف جاز أن يقع مفعولًا ثانيًا لهذه الأفعال. وكلها لا يجوز الاقتصار فيها على أحد المفعولين، ويجوز تركهما جميعًا، ولا يجوز ترك أحدهما.
قال الشيخ: وجملة الأمر أن هذه الأربعة عشر فعلًا متواخية. ثلاثة للعلم، وهي: علمت ورأيت ووجدت. وثلاثة للشك، وهي: ظننت وحسبت وخلت. وواحد متردد بينهما، وهو زعمت. والسبعة الباقية مبنية لما لم يسم فاعله، لأنها كانت متعدية إلى ثلاثة لما كانت مبنية للفاعل من نحو: نبأت وأنبأت، فلما نقلت إلى ما لم يسم فاعله صار المفعول الأول فاعلًا، فبقي المفعولان الباقيان على أصلهما منصوبين.
وإذا كان كذلك، فكل هذه الأفعال إذا وقعت أولًا وليس بعدها حرف استفهام، ولا لام ابتداء، فإنها تنصب الاسمين جميعًا هي وما تصرف منها، مثل: علمت زيدًا قائمًا. وإنما نصبتهما لأنه ليس بعد الفعل والفاعل إلا المفعول المنصوب، وهي تقتضي مفعولين فتنصبهما إذا لم يمنعها من ذلك مانع [من ألف استفهام أو لام ابتداء]. فإن دخل عليها مانع من حرف استفهام أو لام ابتداء بطل عملها لفظًا وثبت تقديرًا. مثاله مع الاستفهام: قد علمت أزيد قائم. ولا يجوز: قد علمت أزيدًا قائمًا، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ومثال لام الابتداء: قد علمت لزيد قائم. ولا يجوز: قد علمت لزيدًا قائمًا، لأن لام الابتداء لا يعمل فيها ما قبلها.
وكذلك لو دخل عليها ضمير الشأن والقصة ارتفعت الجملة، فقلت: قد علمته زيد قائم. ولا يجوز: قد علمته زيدًا قائمًا، والهاء هاء الشأن. لأن ضمير الشأن والقصة لا يفسر إلا بجملة.
فإن جعلت الهاء ضمير مصدر أو ضمير زمان أو مكان فلا إشكال في نصب
[ ٢ / ٣٥٦ ]
الجملة. كأنك قلت: قد علمت علمًا زيدًا قائمًا. وكذلك بقية هذه الأفعال حكمها هذا الحكم.
فإن توسطت هذه الأفعال كلها بين هذين الاسمين كنت مخيرًا بين نصبهما ورفعهما. ونصبهما أجود لقرب الفعل من رتبته. مثال نصبهما: زيدًا علمت قائمًا. فزيد مفعول أول، وقائم مفعول ثان، وعلمت عمل فيهما. ومثال رفعهما: زيد علمت قائم. فزيد مبتدأ، وقائم الخبر، وعلمت ملغي. وإنما ألغي لأنه جعل في تأويل الظرف، كأنه قال: زيد في علمي قائم.
وكذلك إذا قلت: زيد ظننت منطلق، أي زيد في ظني منطلق. فكما أن الظرف هنا لا يعمل / شيئًا فكذلك الجملة الواقعة موقعه في هذا، وفي [٦٧] جميع هذه الأفعال.
فإن وقعت هذه الأفعال كلها أخيرًا جاز أيضًا وجهان، أجودهما الإلغاء لبعد الفعل عن رتبته. مثال الإلغاء: زيد منطلق علمت، أي زيد منطلق في علمي. ومثال الأعمال: زيدًا منطلقًا علمت. وكذلك الباقي.
ولما كان أصل هذين المفعولين من المبتدأ والخبر لم يجز حذف أحدهما والاقتصار على الآخر. كما لا يجوز الاقتصار على المبتدأ دون الآخر، ولا على الخبر دون المبتدأ، كذلك لا يجوز في علمت زيدًا منطلقًا «علمت زيدًا»، ولا «علمت منطلقًا» وأنت تريد علم القلب. فإن أردت علم المعرفة جاز، لأن علم المعرفة يتعدي إلى مفعول واحد، قال الله سبحانه (لا تعلمونهم الله يعلمهم) أي لا تعرفونهم الله يعرفهم.
وكذلك الظن إن كان بمعنى الشك تعدى إلى مفعولين، ولم يجز الاقتصار على أحدهما كفعل العلم، لأن الظن تغليب القلب على أحد مجوزين ظاهري
[ ٢ / ٣٥٧ ]
التجويز، فكان حكمه كحكمه في التعدي.
وإن كان بمعنى التهمة تعدى إلى [مفعول] واحد، تقول: ظننت زيدًا، بمعنى اتهمت زيدًا. وعلى هذا قوله سبحانه (وما هو على الغيب بظنين)، فيمن قرأ بالظاء، أي بمتهم، فعيل بمعنى مفعول. وفيه ضمير مستتر قام مقام ما لم يسم فاعله. ومن قرأ بالضاد فظاهره ومعناه سواء، لأن معناه «ببخيل». ولا يصح أن يكون بمعنى مفعول كقراءة من قرأ بالظاء، لأن فعله لا يتعدى بنفسه، تقول: ضننت بالشيء، إذا بخلت به. فاعرفه [والله أعلم].
وكذلك «رأيت» إن كانت من رؤية القلب تعدت إلى اثنين، وإن كانت من رؤية العين تعدت إلى واحد. فمن الأول قوله سبحانه (إنهم يرونه بعيدًا ونراه قريبًا). ومن الثاني قوله [تعالى]: (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون). فينظرون في موضع الحال.
وكذلك ما جاء من هذه الأفعال يحتمل معنيين وفيت كل معنى ما يستحقه ولما كانت هذه الأفعال كلها داخلة على المبتدأ والخبر جاز أن يكون المفعول
[ ٢ / ٣٥٨ ]
الثاني مفردًا وجملة وظرفًا، كما يكون خبر المبتدأ مفردًا وجملة وظرفًا. فإذا كان مفردًا كان الإعراب ظاهرًا. وإذا كان جملة وظرفًا كان الإعراب مقدرًا مثال المفرد: ظننت زيدًا قائمًا. ومثال الجملة من المبتدأ والخبر: ظننت زيدًا أبوه عالم. فأبوه مبتدأ، وعالم خبره والجملة في موضع نصب مفعولًا ثانيًا لظننت.
وكذلك الجملة من الفعل والفاعل، مثل: ظننت زيدًا يعلم. وكذلك الجملة من الشرط والجزاء، مثل: ظننت زيدًا إن يعلم يتقدم.
ومثال الظروف: ظننت زيدًا عندك، أو: في دارك. فهذا الظرف وشبهه يتعلق باستقرار محذوف على ما أصلنا. وكذلك الحكم في باقي هذه الأفعال. ومتى أدخلت «أن» على هذه الأفعال فتحتها وسدت مسد المفعولين، مثل: ظننت أن عمرًا قائم، وعلمت أن زيدًا قائم. فإن أدخلت اللام في الخبر كسرت «إن» فقلت: علمت إن زيدًا لقائم. لأن لام الابتداء لو كانت أولًا لمنعت الفعل أن يعمل فيما بعدها. وكذلك إذا دخلت في خبر إن منعت الفعل من أن يعمل في إن وعلقته عن العمل إلا في التقدير. فإن أدخلت «ان» في المفعول الثاني نظرت، فإن كان المفعول الأول عينًا كسرت «ان»، وإن كان معنى فتحت «ان». فمثال العين: ظننت زيدًا إنه قائم. ومثال المعنى: ظننت أمر زيد أنه قائم. لأن المفتوحة منسبكة انسباك المصدر، والمعنى ظننت أمر زيدٍ قيامًا، فلو فتحتها مع العين لفسد المعنى.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
النوع الثالث (أعطى) وأخواتها
فإن أدخلت اللام كسرت مع العين وغير العين. فاعرف ذلك.
***
[ثم قال الشيخ:] وأما قولنا: «ومنها نوع ثالث يتعدى إلى اثنين أيضًا فينصبهما. ويجوز الاقتصار على أحدهما. وهو كل ما ما كان المفعول الثاني فيه غير الأول، مثل أعطيت زيدًا درهمًا، وكسوت خالدًا ثوبًا، وآتيت عمرًا مالًا، وأوليته خيرًا. ويلحق بهذا استغفرت الله ذنبًا، واخترت الرجال زيدًا. ولا تلغى هذه الأفعال عن العمل تقدمت معمولاتها أو توسطت أو تأخرت».
قال الشيخ ﵀: فإن جملة الأمر أن هذا النوع لا يخلو من ثلاثة أقسام. إما أن يكون في أصله متعديًا إلى اثنين، مثل: كسوت زيدًا جبة. أو يكون في أصله متعديًا إلى واحد ثم دخلت الهمزة فعدته إلى آخر، مثل: أعطيت زيدًا [٦٨] درهمًا، أصله من عطوت زيدًا، يقال عطوت / إذا تناولت، وعطوته، إذا ناولته، ثم أدخلت الهمزة فعديته إلى مفعول آخر على حد ضربت زيدًا، وأضربت زيدًا عمرًا، أي جعلته يضربه. وكذلك أعطيت زيدًا درهمًا، زيد معطى، وهو آخذ للدرهم.
ومنها ما يتعدى إلى واحد وإلى آخر بحرف جر، ثم اتسع في حرف الجر بالحذف فتسلط الفعل على ذلك المفعول فنصبه، مثل: استغفرت الله ذنبًا، واخترت الرجال عمرًا، أي من الرجال، ومن ذنب. قال الله تعالى (واختار موسى قومه سبعين رجلًا). وقال الشاعر:
[ ٢ / ٣٦٠ ]
استغفر الله ذنبًا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل
وقال الآخر:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب
أي أمرتك بالخير. وأما قول الشاعر:
أستغفر الله غفار الذنوب لما قدمت من عمل لم يرضه الله
فإن المفعول الثاني «من عمل» في موضع نصب متعلق باستغفر تعلق المفعول به. وإن جعلت «من» متعلقة بقدمت لا باستغفر كان «لما قدمت» في موضع المفعول الثاني.
فإذا كان كذلك فكل هذه الأقسام تتساوى في عمل الفعل في المفعولين.
وإذا تساوت في العمل فيهما فإنها تعمل فيهما على كل وجه، متقدمة عليهما، أو متوسطة بينهما، أو متأخرة عنهما. مثل الأول: أعطيت زيدًا درهمًا. ومثال الثاني: زيدًا أعطيت درهمًا. ومثال الثالث: زيدًا درهمًا أعطيت. وإنما لم يجز الإلغاء في هذا كله كما جاز فيما تقدم لأنه ليس يبقى بعد الإلغاء كلام تام، لأن زيدًا ليس بالدرهم، ولا الدرهم بزيدٍ. وإنما تلغى إذا بقي ماله معنى، وليس
[ ٢ / ٣٦١ ]
لهذا معنى، [فلذلك لم يجز]. ومن ها هنا ساغ الاقتصار على أحد المفعولين. أما على الأول فتقول: أعطيت زيدًا، وأما على الثاني فتقول: أعطيت درهمًا، لأنه لما لم يلزم الجمع بينهما قبل دخول العامل عليهما لم يلزم الجمع بينهما بعد دخول العامل عليهما لزوم ما أصله المبتدأ والخبر. وقد يجوز حذفهما جميعًا، فتقول: أعطيت. فمتى حذفتهما جميعًا فهو غاية في الإبهام. ومتى ذكرتهما جميعًا فهو غاية في البيان. ومتى اقتصرت على أحدهما فهو توسط في البيان. وذلك كله بحسب ما تدل عليه القرائن. وفي كتاب الله سبحانه (إنا أعطيناك الكوثر)، فالمفعولان مذكوران. وفيه (وآتينا داود زبورا)، فالمفعولان أيضا مذكوران. وفيه (وارزقوهم فيها واكسوهم). فاحد مفعولي الكسوة والرزق محذوف، أي اكسوهم مما تلبسون وارزقوهم مما تتناولون. وفيه (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا) فأحد المفعولين محذوف تقديره استغفروه ذنوبكم. وفيه (واستغفره إنه كان توابًا)، على هذا الحكم أيضًا. فأما قوله تعالى (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا)، فيؤت ههنا فيه ذكر مفعوليه جميعًا، لأن المفعول الأول كان منصوبًا ولكنه قام مقام الفاعل
[ ٢ / ٣٦٢ ]
النوع الرابع (أعلم) وأخواتها
فارتفع واستتر، والأصل: ومن آتاه الله الحكمة فقد آتاه خيرًا كثيرًا. فاعرف ذلك وقس عليه [النظير] فإنه باب كثير المقال.
***
[ثم قال الشيخ]: «ومنها نوع رابع، يتعدى إلى ثلاثة [مفعولين] فينصبهما، وهي سبعة أفعال: أعلم، وأرى، ونبأ، وأنبأ، وأخبر، وخبر، وحدث. تقول: أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا، وكذلك الباقي. وهي عاملة أبدًا تقدمت مفعولاتها أو توسطت أو تأخرت. ويقع موقع المفعول الثالث كل ما جاز أن يقع موقع المفعول الثاني من مفعولي «ظننت وأخواتها»، مثل أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا، وأعلمت زيدًا عمرًا قام أبوه، وأعلمت زيدًا عمرًا أبوه قائم، وأعلمت زيدًا عمرًا في الدار. وكذلك الباقي».
قال الشيخ ﵀: وجملة الأمر أن هذه السبعة أصلها مما يتعدى إلى اثنين. فلما دخلت الهمزة في أعلم وأنبأ وأرى وأخبر والتضعيف في نبأ وخبر وحدث عدته إلى آخر فصار يتعدى إلى ثلاثة، ولما تعدى إلى ثلاثة لم يجز أن تلغى هذه الأفعال عن العمل، لأنه لو ألغيت عن العمل في حال توسطها أو تأخرها لبقيت الأسماء لا معنى لذكرها، ولا فائدة في اجتماعها. ألا ترى أنك لو قلت / [٦٩] «زيد عمرو قائم» لم يكن كلامًا، لأن الأول ليس بالثاني، ولا الثاني بالأول.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
وشرط الفعل الملغي عن العمل أن يكون للأسماء بعد إلغائه معنى يتحصل، وهذا معدوم [ههنا]، فلذلك وجب إعمال هذه الأفعال على كل حال تقدمت أو توسطت أو تأخرت.
فأما المفعولان الأخيران فعلى أحكام المفعولين الأولين في باب «ظننت»، لأنهما اللذان كانا مفعولين لباب «علمت»، ولا يجوز الاقتصار على الثالث دون الثاني، ولا على الثاني دون الثالث.
فأما الأول ففيه خلاف، فمن الناس من يجيز الاقتصار عليه ويحذف المفعولين جميعًا كما جاز حذفهما جميعًا في باب «علمت». ومن الناس من لا يجيز الاقتصار عليه ويوجب الإتيان بالمفعولين الباقيين معه، وهو المذهب [الصحيح]. وعليه قولهم: أعلم الله النبي الصلاة خمسًا، فأعلم يقتضي معلما ومعلما وشيئًا أعلم. فالفائدة متعلقة بالجملة الثانية. فلذلك كان الأجود الإتيان بالمفعولات الثلاثة.
فإما «أن» فلا تدخل في هذا الباب على المفعول الأول، لا يجوز أعلمت أن زيدًا عمرو قائم، لأنها لا تسد مسد الثلاثة المفعولات، ولأن الأسماء التي في خبره غير مؤتلفة المعنى، ألا ترى أن خبر «أن» هو اسمها في المعنى. فإذا لم يجز أن تدخل على المفعول الأول جاز أن تدخل على المفعول الثاني. وإذا
[ ٢ / ٣٦٤ ]
النوع الخامس ما ينصب مفعولا واحد
دخلت كانت مفتوحة كقولك: أعلمت زيدًا أن عمرًا قائم، فسدت باسمها وخبرها مسد المفعولين الباقيين. فإن دخلت على المفعول الثالث كانت مكسورة مثل: أعلمت زيدًا عمرًا إنه قائم، كما كانت في باب «علمت». لأنه موضع يقع فيه المفرد والجملة.
والكلام في باقي هذه الأفعال كالكلام في «أعلمت» لاشتراك الكل في التعدي إلى ثلاثة مفعولين. ويجوز أن تعديها إلى مصادرها المخصوصة بها مثل: أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا إعلامًا، فلا خلاف أن «إعلامًا» مصدر منصوب بأعلم. فإن قلت: أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا علمًا. ففيه خلاف. منهم من يقول انتصابه باضمار فعل آخر كأنه قال: فعلم علمًا، لأن العلم مصدر لفعل ثلاثي، والإعلام مصدر لفعل رباعي، فلم يجر مجراه. ومنهم من يقول: تجريه في النصب مجراه وتجعله مصدرًا قد حذفت زوائده، كما قال الشاعر:
[أكفرًا بعد رد الموت عني] وبعد عطائك المائة الرتاعا
أي بعد إعطائك.
***
[ثم قال الشيخ ﵀] وأما قولنا: «ومنها نوع خامس يتعدى إلى مفعول واحد فينصبه، وهي أفعال الحواس الخمس وما جرى مجراها، مثل: أبصرت زيدًا، وشممت الريحان. وذقت الطعام، ولمست الثوب، وسمعت القراءة، ولا تلغى [هذه الأفعال] عن العمل تقدم معمولها أو تأخر».
فجملة الأمر أن هذا النوع الخامس المتعدي إلى واحد إنما تعدى إلى واحد
[ ٢ / ٣٦٥ ]
لأن معناه لا يقتضي إلا واحدًا. ألا ترى أن الإبصار يقتضي مبصرًا، والشم يقتضي مشمومًا، والذوق يقتضي مذوقًا، واللمس يقتضي ملموسًا، والسمع يقتضي مسموعًا. ولما اقتضى مسموعًا لم يجز أن يقال سمعت زيدًا، لأن زيدًا ليس مما يسمع فتحتاج أن تقول: سمعت قراءة زيدٍ، لأن القراءة مسموعة.
فإن قيل: فإن الله تعالى يقول: (هل يسمعونكم إذ تدعون)، فقد عداه إلى الكاف والميم التي هي للمخاطبين، وليسوا بمسموعين.
قيل: فيه وجهان، أحدهما أنه على حذف مضاف، كأنه قال: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعون، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والوجه الثاني: أن الظرف من قوله «إذ تدعون» لما كان مضافًا إلى «تدعون» كان فيه ما يسد ذلك المسد من المفعول المسموع.
وأما قوله سبحانه (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم). فلا إشكال فيه، لأن مفعول «لا يسمعوا» هو «دعاءكم»، ومفعول «لو سمعوا» محذوف، أي: ولو سمعوا دعاءكم ما استجابوا لكم. لأن هذه الأفعال كلها تتعدى إلى مفعول واحد ويجوز أن يحذف ذلك المفعول اختصارًا، وخاصة إذا دل الدليل عليه.
وهذه الأفعال مع جوار حذف مفعولاتها لا يجوز إلغاؤها عن العمل لأنه لا يستقل بالمفرد كلام. ولو قلت: الطعام ذقت، على طريق الإلغاء لم يجز حتى تبرز/ الضمير فتقول «ذقته». فإن جعلته خبر الابتداء وقدرت الهاء فقلت: [٧٠] الطعام ذقت، فما ألغيت [ذقت] لأنك قد أعملته في ضمير الطعام. فإن
[ ٢ / ٣٦٦ ]
النوع السادس ما يتعدى بو اسطة
قلت الطعام ذيق، فليس هناك مفعول منصوب، إنما هناك ضمير مفعول قام مقام الفاعل، مرفوع، كأنك قلت: «الطعام ذيق هو»، بمنزلة الطعام مذوق. ولو أتيت باسم الفاعل عوض «ذقت» خبرًا عن «الطعام» لم يجز أن تقول: الطعام ذائقه، حتى تبرز الضمير فتقول: الطعام ذائقه أنا، لأن اسم الفاعل قد جرى على غير من هو له فصار خبرًا عن الطعام، والفعل للمتكلم فوجب إبراز الضمير، وأن تقول: الطعام ذائقه أنا.
وكذلك بقية [هذه] المسائل إذا رتبتها هذا الترتيب كان حكمها هذا الحكم، مثل: زيد أبصرته، وزيد مبصره أنا، [وزيد أبصر]، وزيد مبصر. والريحان شممته، والريحان شامه أنا، والريحان شم، لمالم يسم فاعله، والريحان مشموم. والثوب لمسته، والثوب لامسه أنا، والثوب ملموس، والثوب لمس. والقراءة سمعتها، والقراءة سامعها أنا، والقراءة مسموعة، والقراءة سمعت. فاعرفه.
وكل ما يأتي من معاني هذه الأفعال [التي] للحواس الخمس يجري مجراها إذا كان في معناها.
***
فأما قولنا: «ومنها نوع سادس يتعدى بواسطة من حرف جر أو غيره،
[ ٢ / ٣٦٧ ]
مثل: مررت بزيد، ونزلت على عمرو. فهذا مفعول مجرور في لفظه، منصوب في تقديره. يدلك على ذلك أنه يجوز أن تعطف عليه بالمنصوب والمجرور فتقول: مررت بزيد وعمرو وعمرًا. ويلحق بهذا ما يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف جر، مثل: شكرت زيدًا، وشكرت له. وكلته، وكلت له. ووزنته، ووزنت له. ورجعته ورجعت إليه».
قال الشيخ ﵀: وجملة الأمر أن الفعل يتعدى تارة بنفسه، وتارة بغيره، بحسب قوته وضعفه ودلالة وضعه. فالمتعدي بنفسه قد تقدم ذكره. والذي يتعدى بواسطة، فجملة الوسائط ثلاث. واسطة مقدمة في أول الفعل كالهمزة من قولك: قام زيد، وأقمت زيدًا، وخرج عمرو، وأخرجته. وواسطة في وسط [الفعل]، وهو التضعيف، مثل فرح زيد، وفرحته أنا، وحزن زيد، وحزنته. وواسطة من بعده كحروف الجر. نحو مررت بزيد، ونزلت على عمرو. كل واحد من هذه يعدي الفعل، إلا أن تعديته بحرف جر تعدية إضافة، فلذلك كان مجرورًا. وتعديته بالهمزة أو التضعيف تعدية بنية، فلذلك كان كان المعمول منصوبًا. ولذلك لا يجوز أن تجمع بين الهمزة وحرف الجر، لا يجوز: أمررت بزيد، ولا: أنزلت على عمرو، إلا أن تأتي بكلام يقتضيه فتقول: أمررت فلانًا بزيدٍ، وأنزلت فلانًا على عمرو. فإن حذفت ذلك وأنت تريده لم يمتنع.
وكذلك إذا حذفت الجار والمجرور، وبقيت المنصوب لم يمتنع، فقلت: أمررت زيدًا. فأما الجمع بين الهمزة والتضعيف فلا يجوز بحال لأن الهمزة تقتضي وزن «أفعل»، والتضعيف يقتضي وزن «فعل» فلا يجتمعان لاختلاف البناءين:
فقد ظهر لك بهذا أن الجار والمجرور في «مررت بزيد» في موضع نصب
[ ٢ / ٣٦٨ ]
لأنه في مقابلة «أمررت زيدًا»، أي جعلته يمر بغيره. وإذا كان في مقابلته فقد صارت حروف الجر بمنزلة الجزء من الاسم تارة بحكم الإضافة، وبمنزلة الجزء من الفعل تارة بحكم النصب مع الهمزة. فلذلك جاز الجر والنصب في قولك: مررت بزيدٍ وعمروٍ، وعمرًا. فإن بنيت الفعل لما لم يسم فاعله قلت: مر بزيد وعمرو، وإن شئت نصبت فقلت: مر بزيد وعمرًا، لأن المرفوع في بناء ما لم يسم فاعله منصوب في المعنى إذ كان أصله أن يكون مفعولًا. ومثله: نزلت على عمرو وخالدٍ وخالدًا، ونزل على عمروٍ وخالدٍ وخالدًا.
فأما الفعل الملحق بهذا وهو شكرت زيدًا وشكرت له فموقوف على السماع وفيه مذهبان. من الناس من يقول إن الأصل الجر، ثم حذف الجار فتعدى الفعل فنصب. ومنهم من يقول: هما لغتان بمعنى واحد، لغة قوم يعدون هذا الفعل بواسطة، ولغة لآخرين يعدونه بنفسه. وفي كتاب الله تعالى الأمران. [قال الله تعالى]: (أن اشكر لي ولوالديك)، وقال في موضع آخر: (واشكروا لي ولا تكفرون)، وقال تعالى: (وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون)، أي كالوا لهم، ووزنوا لهم. فأما قوله [﷾]: (فأوف لنا الكيل)، فلا يصح أن يكون «لنا» متعلقًا بالكيل، على حد «كل لنا» لأن الكيل مصدر، والمصدر لا يتقدم عليه ما كان في صلته. وإنما «لنا» متعلق بأوف تعلق المفعول به، أو تعلق الصفة بموصوف محذوف، أي: أوف إيفاءً لنا، أو تعلق الأحوال،
[ ٢ / ٣٦٩ ]
النوع السابع المبني لما لم يسم فاعله
أي: متممًا لنا. أو تكون اللام زائدة على حد (ردف لكم). فاعرف ذلك.
وأما قولنا: «ومنها نوع سابع يبنى لما لم يسم فاعله، وهو ما كان من صحيح الأفعال أوله مضمومًا، وما قبل آخره مكسورًا مع الماضي ومفتوحًا مع المستقبل، مثل: قد علم زيد قائمًا، وأعطي زيد درهمًا، وأعلم زيد عمرًا قائمًا، وأبصر زيد، ونزل على عمرو».
[قال الشيخ ﵀]: لجملة الأمر أن الأصل في هذا الباب أن يكون مبنيًا للفاعل لأنه البيان التام، وإنما يعدل عنه إلى هذا الباب لأحد خمسة أشياء. إما للمخافة من ذكر الفاعل، وإما لجلالته، وإما لخساسته، وإما للجهالة به، وإما للاختصار والإيجاز. فالمخافة من مثل قولك: قتل فلان، فلا تذكر قاتله مخافة أن تؤخذ عليك بذلك شهادة أو لطخة أو غير ذلك. والجلالة من مثل قولك: قتل الجليل، وقاتله خسيس. أو قتل الخسيس، وقاتله جليل. أو قتل فلان، وأنت غير عارف بمن قتله. أو لا يكون قصدك شيئًا من ذلك كله وإنما هو اختصار، كما تقول: قيل كذا وكذا، وأنت تعلم قائله.
وهذا الاختصار يشتمل على ثلاثة أشياء. حذف الفاعل، وإقامة المفعول مقامه، ونقل الفاعل من صيغة إلى صيغة. فلما حذفت الفاعل وأقمت المفعول مقامه فقد وجب أن تكون مفعولات هذا الباب أنقص رتبة مما يتعدى إليه الفعل المتعدي، لأنه قد قام المفعول مقام الفاعل. فيصير باب «ضرب» المتعدى في باب «ضرب» غير متعد. ويصير باب «أعطيت» يتعدى إلى مفعول واحد، وباب «أعلمت» يتعدى إلى اثنين. وباب ما لا يتعدى لا يجوز دخوله في هذا الباب من نحو «قام» و«قعد» لأنه لم يبق معه ما يقوم مقام الفاعل. فإن عديته
[ ٢ / ٣٧٠ ]
بحرف جر جاز. وقد ذكر.
وصيغة هذا الفعل، لا يخلو من أن يكون ثلاثيًا، أو زائدًا على الثلاثي. فإن كان ثلاثيًا صحيحًا ضم أوله وكسر ما قبل آخره، مثل: ضرب. وإن زاد على الثلاثة - من رباعي أو خماسي بزيادة، أو سداسي بزيادة - ضم الأول وكسر ما قبل الآخر، مثل: أعطي، وانطلق به، واستخرج المال.
وهكذا الفعل إذا كان مضاعفًا إلا أن الكسرة تزول لأجل الإدغام، مثل: قد شد ومد، وقد كان أصله شدد ومدد. وقد اشتد عليه، أصله: اشتدد [عليه]. وإذا كان معتلًا لم يخل الاعتلال أن يكون من أوله أو من وسطه أو من آخره. فإن كان من أوله مثل: وعد ووزن، جاز فيه وجهان: وعد وأعد، ووزن وأزن. وقد قرئ بالأمرين جميعًا (وإذا الرسل أقتت) و(وقتت). فحجة من قرأ بالواو تمسكه بالأصل، وحجة من همز استثقال الضمة على الواو فقلبها همزة.
والمعتل العين مثل قال وباع، ونحو شاء وجاء وخاف وطاب وغاض، فهذا في بنات الواو منه ثلاثة أعمال، حذف الضمة من أوله، ونقل الكسرة من عينه إلى فائه، وقلب الواو ياء لانكسار ما قبلها. وذلك قولك: قيل، وسيء. أصله قول، حذفت الضمة من القاف، ونقلت إليها كسرة الواو، ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، فصار قيل. وفي هذه الحركة ثلاث لغات. إخلاص الكسرة كقراءة الجماعة. وأما الكسائي ومن تابعه فإنهم يشمون الكسرة صوت الضمة
[ ٢ / ٣٧١ ]
حرصًا على البيان. واللغة الثالثة إخلاص الضم، وهو أن يقول القائل: قول القول، وبوع المتاع، وأنشد ابن الأعرابي:
ليت وما ينفع ليت ليت ليت زمانًا بوع فاشتريت
[ويروي:
ليت وما بنفع نفسًا ليت ليت شبابًا بوع فاشتريت]
وهذا ترجع فيه الياء من «قيل» إلى أصلها، وترجع الياء من «بيع» إلى غير أصلها.
فإن قيل: فهل الضم فيمن أشم مدخل على الكسر أم الكسر مدخل على الضم؟
قيل: الضم مدخل على الكسر، لأن الضم الأصل وقد ذهب بالجملة وخلفته الكسرة حتى صار بوزن فيل وديك / ونحوه من الأسماء، وبطل حكم الضم. فمن أشم فإنما أشم الكسرة الضم الذي كان حذف ليدل على بيان الأصل الذي كان قبل دخول الكسرة.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
وإن كان الفعل معتل اللام مثل: دعا وغزا، فليس فيه إذا بني لما لم يسم فاعله إلا قلب الألف ياء لانكسار ما قبلها، فتقول: دعي وغزي، [وكان أصله دعو وغزو] ولكنها انقلبت ياء لانكسار ما قبلها، فكان فيه عملان، إعادة الألف إلى الواو، ثم قلب الواو ياء. ولو كان من ذوات الياء مثل: رمى وجرى لكان فيه عمل واحد، وهو إعادة الألف إلى الياء لانكسار ما قبلها.
فهذا كلام في تغيير أفعال هذا الباب. وكل ما كان منه مضاعفًا فإنه يبقى حاله مضاعفًا، مثل: قد شد الثوب، ومد الحبل. أصله مدد وشدد، ولكنه سكن فأدغم لاجتماع المثلين.
وجملة الأشياء التي تقوم مقام الفاعل عند عدم المفعول أربعة. المفعول بحرف جر، والظرف المتمكن من الزمان، والظرف المتمكن من المكان، والمصدر المخصص.
مثال المفعول بحرف الجر: سير بزيد، وحير على عمرو، ووشيء به.
الجار والمجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل، ولذلك لا يجوز تقديمه على الفعل، لا تقول: بزيد سير، وأنت قد أقمته مقام الفاعل لأن الفاعل لا يتقدم على فعله. فإن قلت: بزيد سير السير، جاز تقديمه لأنه هنا في موضع نصب. وإذا كان في موضع نصب كان مفعولًا والمفعول يجوز تقديمه.
ومثال الظرف المتمكن من الزمان: سير يومان، وليلتان، وشهران، وسنتان. وما أشبه ذلك. ومثال الظرف المتمكن من المكان سير فرسخان، وبريدان، وميلان ونحوه
[ ٢ / ٣٧٣ ]
من ظروف الأمكنة المستقرة. فإن كان مثل «عند» لم يجز إقامته مقام الفاعل لكونه غير متمكن.
ومثال المصدر المخصص سير سير شديد، ومر مرور حسن، وجير جور عظيم.
فإن اجتمعت هذه المسائل الأربع في مسألة واحدة مثل: سير بزيد يومين فرسخين سيرًا شديدًا، كنت مخيرًا أيها شئت أقمته مقام الفاعل وتركت الباقي منصوبًا على حاله. فإن أقمت «بزيد» قلت: سير بزيد فرسخين يومين سيرًا شديدًا، فالجار والمجرور في موضع رفع قائمًا مقام الفاعل، و«يومين» منصوب نصب ظرف الزمان، و«فرسخين» منصوب نصب ظرف المكان، و«سيرًا شديدًا» منصوب نصب المصدر. فلك أن تأتي بها كلها بعد «سير»، ولك أن تأتي بها كلها قبل «سير». فأما الذي أقمته مقام الفاعل فليس لك أن تقدمه على «سير». فإن أقمت «اليومين» مقام الفاعل رفعتهما بالألف ونصبت ما سواهما. وإن أقمت «الفرسخين» مقام الفاعل رفعتهما بالألف ونصبت ما سواهما. وإن أقمت «سيرًا شديدًا» مقام الفاعل رفعتهما ونصبت ما سواهما. فهذه أربعة أوجه. فإن قلت: سيرت زيدًا، فعديته بالتضعيف ونصبت زيدًا، فليس إلا وجه واحد وهو إقامة زيد دون اليومين والفرسخين والمصدر لأنه مفعول به صريح، ولا يقام مع المفعول به الصريح الذي قد تعدى الفعل إليه بنفسه غيره. فأما قراءة من قرأ (ويخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورا) فالذي قام مقام الفاعل المفعول
[ ٢ / ٣٧٤ ]
به لا مصدر ولا مفعول بحرف جر، والتقدير: ويخرج له عمله يوم القيامة مكتوبًا، فكتابًا ينتصب على الحال الواقعة موقع «مكتوب»، فلذلك لا يجوز أن تقام الحال مقام الفاعل.
فإن قيل: فأين المفعول الذي أقيم مقام الفاعل فيمن قرأ (ونخرج) مذكور؟ قيل: قد كان محذوفًا في قراءة الجماعة (ونخرج له يوم القيامة كتابًا)، أي: نخرج له عمله مكتوبًا، لأن المفعول فضله، والفضلات تحذف فالذي أقيم مقام الفاعل فيمن قرأ (ويخرج) هو ذلك المفعول الذي كان منصوبًا محذوفًا.
وأما قراءة من قرأ (ليجزى قومًا بما كانوا يكسبون) فإنها مشكلة جدًا، لأنه أقام المصدر مقام الفاعل مع وجود المفعول به وهو القوم. والتقدير ليجزى الجزاء قومًا. وقد جاء في الشعر من هذا قول القائل:
فلو ولدت قفيرة حرو كلبٍ لسب بذلك الجرو الكلابا
أي لسب السب. وحقه أن يرفع «الكلاب»، ولكنه قد حمل «الكلاب» [٧٣] على أنه منصوب بـ «ولدت»، ويكون «جرو كلب» نداء، كأنه قال: ولو ولدت قفيرة الكلاب يا جرو كلب لسب السب بذلك الجرو. وليس من الأصل المقدم لأنه لا يقام مع وجود المفعول به الصريح مصدر ولا غيره.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
فإذا ثبت هذا فإن جميع هذه الأفعال السبعة التي تقدم ذكرها تتعدى من استيفائها ما تتعدى إليه إلى المصدر، وإلى الظرف من الزمان، وإلى الظرف من المكان، وإلى الحال، وإلى المفعول له، وإلى المفعول معه. تقول فيما يتعدى إلى اثنين ولا يجوز الاقتصار على أحدهما: علمت زيدًا قائمًا علمًا يوم الجمعة عند فلان ضاحكًا تأملًا مني وجعفرًا. فهذه الثمانية كلها منصوبة بعلمت. وكذلك لو أدخلتها في باب «أعطيت زيدًا درهمًا»، أو ما كان في معناها لكانت أيضًا ثمانية، وكانت كلها منصوبة بأعطيت. وكذلك لو أدخلتها في باب «أعملت» المتعدي إلى ثلاثة لكانت تسعة، وكانت كلها منصوبة بأعلمت. ولو أدخلتها على باب «أبصرت» وشبهه من أفعال الحواس الخمس المتعدية إلى واحد لكانت سبعة، وكانت كلها منصوبة بأبصرت. ولو أدخلتها في باب ما لا يتعدى مثل قام وانطلق وحسن وتدحرج وما أشبه ذلك لكانت ستة منصوبة بذلك الفعل الذي لا يتعدى، لأن كل فعل يتعدى أو لا يتعدى فإنه يتعدى إلى هذه [الستة] الأشياء لدلالته عليها من جهة اللفظ والمعنى بحسب ما قدمناه.
فإن أدخلت الاستثناء - مع هذه [الستة] الأشياء - الذي يكون ما بعده منصوبًا كان الفعل الذي يتعدى إلى ثلاثة أشياء مع هذه الأشياء السبعة يتعدى
[ ٢ / ٣٧٦ ]
النوع الثامن الأفعال الجامدة (عسى وليس ونعم وبئس وحبذا وفعل التعجب)
إلى عشرة منصوبات مثل: أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا إعلامًا يوم الجمعة عند فلان ضاحكًا تفهيمًا له وجعفرًا إلا أخاك.
فهذه مقاييس هذه الأفعال في العمل وكلها لا تخلو من الفاعل ظاهرًا كان أو مضمرًا، لأن الفاعل لابد منه من حيث كان عمدة. وقد تخلو من المفعول من حيث كان فضله. والفعل لا ينفك من الفاعل، وقد ينفك من المفعول. فاضبط هذه الأصول.
[ثم قال الشيخ ﵀]: وأما قولنا: «ومنها نوع ثامن لا يتصرف بمستقبل ولا أمر ولا نهي ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول ولا فعل ما لم يسم فاعله. وذلك ستة أفعال وهي: نعم، وبئس، وحبذا، وعسى، وليس، وفعل التعجب. وفعل التعجب ينصب المتعجب منه أبدًا إن كان على صيغة ما أفعل، مثل: ما أحسن زيدًا، وما أطول عمرًا، إذا أردت الطول لا الطول. وإذا كان على صيغة أفعل به كان مجرورًا مثل: أحسن بزيد، وأجمل بعمرو. وأفعال الألوان، والخلق الثابتة، والزائدة على الثلاثة لا يتعجب منها إلا بأشد أو أبين أو أكشف [أو أكثر] أو أظهر ونحوه. وتكون مصادرها مضافة إلى المتعجب منه مثل: ما أشد سواد الثوب. ولا يجوز أن يقال: ما أسود الثوب، ونحوه. وليس وعسى يدخلان في باب كان غالبًا، إلا أن عسى يكون خبرها فعلًا مستقبلًا معه أن غالبًا مثل (عسى ربكم أن يرحمكم). ونعم وبئس إذا
[ ٢ / ٣٧٧ ]
وقع بعدهما معرفتان كانت المعرفتان مرفوعتين، وكانت المعرفة الأولى باللام التي للجنس، أو بالمضاف إلى ذلك، مثل: نعم العبد عبد الله، وبئس الغلام فلان. وإن كان أحدهما نكرة والآخر معرفة نصبت النكرة ورفعت المعرفة مثل: نعم عبدًا عبد الله، وبئس غلامًا غلام فلان. فإن كان فاعلهما مؤنثًا جاز تذكير الفعل وتأنيثه خلافًا للأفعال مثل: نعمت الجارية جاريتك، ونعم الجارية جاريتك. وفي كل واحد منها أربغ لغات: نعم ونعم ونعم ونعم.
وحبذا ترتفع بعدها المعرفة وتنتصب النكرة على التمييز إن كانت جنسًا، أو على الحال إن كانت مشتقة مثل: حبذا رجلًا زيد، وحبذا قائمًا زيد. وكذلك المؤنث: حبذا امرأة هند، وحبذا قائمة هند.
ولا تعمل هذه الأفعال الستة في مصدر ولا ظرف ولا جميع ما ذكرناه لعدم تصرفها في نفسها فلم تتصرف في معمولها. ولا يتقدم معمولها عليها».
قال الشيخ ﵀: وجملة الأمر أن هذا الفصل هو آخر العوامل اللفظية من الأفعال لأنه لما ذكرنا الأفعال المتصرفة العاملة/ ذكرنا الأفعال التي هي غير متصرفة. وهي مع كونها غير متصرفة عاملة فيها دخلت عليها على ما ما يأتي بيانه [إن شاء الله تعالى]. وإنما منعت هذه الستة وما كان في معناها من التصرف لأنها جعلت أنفس المعاني، لأن ما عداها من الأفعال المتصرفة ليست بأنفس المعاني، وإنما هي دلائل عليها والعمل لغيرها. وهذه هي نفس العمل. لأنك إذا قلت في التعجب ما أحسن زيدًا، فهذا هو نفس التعجب، وهو نفس العمل الذي يقصد بالتعجب بخلاف قولك تعجبت من زيد، لأن هذا إخبار عن وقوع التعجب
[ ٢ / ٣٧٨ ]
منك، وليس هو نفس التعجب. وكذلك: نعم الرجل زيد، هو نفس المدح. وكذلك: بئس الرجل عمرو، هو نفس الذم. وكذلك: حبذا زيد، هو نفس المدح المقرب من القلب. وكذلك: عسى زيد أن يفعل، هو نفس الطمع والرجاء. وكذلك: ليس زيد قائمًا، هو نفس نفي الحال المشبهة بما.
فلما كانت هذه الأفعال بهذه القضية سلبت التصرف إيذانا بهذا المعنى، ولما سلبت التصرف ألزمت أحكامًا مخصوصة يجب حفظها حتى تؤدى على القضية التي تجب لها.
فأما فعل التعجب فله صيغتان تقيس عليهما. إحداهما «ما أفعل»، والأخرى «أفعل به»، فإذا قلت في «ما أفعل»: ما أحسن زيدًا، فـ «ما» اسم تام بمعنى شيء، غير موصول، تقديره «شيء»، وهو عند سيبويه في موضع رفع بالابتداء والعامل فيه الابتداء. و«أحسن زيدًا» جملة من فعل وفاعل ومفعول. فالفعل «أحسن»، وهو غير متصرف أبدًا بمستقبل ولا غيره. والفاعل مضمر لا يظهر في واحد ولا تثنية ولا جمع، ولا مع تذكير ولا مع تأنيث، ولا في حال من الأحوال. لأن التعجب باب إبهام، وهو يكون لما خفي سببه وخرج عن نظائره. فكلما أبهم ما يتعلق به كان أدل على معناه، وأفخم لشأنه. ولذلك استعمل فيه
[ ٢ / ٣٧٩ ]
«ما» دون «شيء»، لأن «شيئًا» اسم معرب متمكن يثنى ويجمع، و«ما» ليس فيها شيء من ذلك سوى الاسمية حسب. و«زيدًا» مفعول «أحسن» منصوب به، وكان في الأصل قبل دخول الهمزة حسن زيد، فلما نقلته إلى أحسن [بالهمزة] وجعلت الفعل لغيره خرج منصوبًا على جهة المفعول به. وتقديره لو ظهر - وإن كان لم يظهر [قط]- شيء حسن زيدًا، إلا أنك لو أظهرت هذا الكلام لم يكن تعجبًا دالًا على ما دل عليه ما أحسن زيدًا، لأن هذه الصيغة موضوعة لهذا المعنى.
ومن هذا يروى أن ابنة أبي الأسود الدؤلي كانت في يوم شديد الحر حاضرة مع أبيها فقالت: يا أبت ما أشد الحر، فقال لها: إذا كانت الصقعاء من فوقك والرمضاء من تحتك، فقالت: يا أبه، إنما أردت أن الحر شديد، فقال: فقولي إذن: ما أشد الحر. فنبهها على غلطها وأعلمها اللفظ الذي يتعجب به، لأنها أخرجت كلامها مخرج الكلام الذي يستفهم به.
ومن شرط فعل التعجب أن يكون مما تصح فيه الزيادة والنقصان مثل الحسن والعقل والفضل والنبل والقول والطول لا الطول، ولا أفعال الخلق الثابتة ولا الألوان ولا الأفعال الزائدة على الثلاثة. فإذا احتجت إلى التعجب من خلقة ثابتة أو من فعل زائد على الثلاثة من نحو: دحرج وسرهف واحمر واسود، وأحول وأعرج وأعور، ونحوه، فإنك تأتي بفعل ثلاثي مثل: أشد وأبين وأكشف
[ ٢ / ٣٨٠ ]
وأظهر، ونحوه فيعمل في مصادر هذه الأفعال الزائدة، وتضيف هذه المصادر إلى التعجب منه فتقول: ما أشد دحرجته، وما أبين احمراره، وما أكشف حوله، وما أشد سواد الثوب. ولا يقال: ما أسود الثوب، لأن فعله مما يزيد على الثلاثة مثل: أسود.
وإن كان فعل التعجب [مما] يتعدى إلى مفعولين كان في هذا الباب يتعدى إلى واحد وإلى آخر بحرف جر، مثل: ما أبصر زيدًا لعمرو، وما أ'لم زيدًا بالشيء. لأنا قد أصلنا أن فعل التعجب لا يتعدى إلا إلى واحد ولا ينصب مصدرًا، لا يجوز ما أحسن زيدًا إحسانًا، لأنه لا يتصرف فلا يؤكد، ولذلك لا يتقدم مفعوله عليه، ولا على «ما»، ولا يفصل بينه وبين فعل التعجب بظرف ولا غيره عند كثير من النحويين، مثل: ما أحسن عندك زيدًا، والصواب ما أحسن زيدًا عندك. كل هذا لأنه قد ألزم طريقة واحدة من ترك التصرف وجرى مجرى المثل.
وأما الصيغة الأخرى وهي صيغة أفعل به مثل: أكرم بزيد وأحسن بعمرو. فلفظه / لفظ الأمر وليس بأمر، إنما هو خبر في المعنى. فإذا قلت: أكرم بزيد، إنما هو بمنزلة كرم زيد جدًا، و«أكرم» فعل يحتاج إلى فاعل، وفاعله عند المحققين هو الجار والمجرور، أعني «بزيد»، لأن الجار والمجرور قد جاء فاعلًا في مثل: (كفى بالله حسيبًا)، أي كفى الله حسيبا. وفي مثل: ما جاءني من أحد، أي: ما جاءني أحد، وكذلك الجار والمجرور هنا فاعل، ولكن الباء
[ ٢ / ٣٨١ ]
زيادة تلزم ولا يجوز حذفها، لأنها وضعت دلالة على هذا المعنى، كما خصت «ما» باللزوم دون غيرها. وقد كان أبو اسحاق وغيره يعتقد أن الفاعل في «أكرم بزيد» مستتر لا يظهر، وأن الجار والمجرور في موضع نصب. وإنما جعل الفاعل هنا مستترًا كما كان في «أحسن» مستترًا. وليس هذا مشبها لذلك، لأنه في كونه في «أحسن» مستترًا راجع على «ما» الذي هو مبتدأ، وليس هو كذلك في «أحسن»، لأنه لا يأمر المخاطب بشيء فيكون خطابًا له. ولو كان خطابًا لمأمور لخرج عن معنى التعجب وصار بمنزلة أكرم زيدًا، وليس هذا المعنى ذلك المعنى. فهذا تفسير الصيغتين المختصتين بالتعجب.
وأما نعم وبئس فإنهما فعلان فيهما أربع لغات فتح الأول وكسر الثاني، وكسرهما معًا، وكسر الأول وتسكين الثاني، وفتح الأول وتسكين الثاني. وهذا أصل في كل فعل أو اسم كان عينه أو لامه حرفًا من حروف الحلق. فالفعل مثل: شهد وشهد وشهد وشهد. والاسم مثل: فخذ وفخذ وفخذ. وقد غلب على هذا الباب كسر الأول وتسكين الثاني مثل: نعم الرجل فلان، وبئس الرجل فلان. وهذا من الفروع التي غلبت على الأصول في الاستعمال، كالواو في القسم هي بدل من الباء، وقد غلبت استعمالها على الباء. فلا تنكر غلبة الفروع على الأصول.
وإذا ثبت أنهما فعلان، وأن الدليل على فعليتهما بناؤهما على الفتح من غير عارض عرض لهما، وأن علامة التأنيث تلحقهما على حد لحوقها الفعل، فإن فاعلهما على ضربين يكون ظاهرًا، ويكون مقدرًا مفسرًا. فإذا كان ظاهرًا كان معرفة، وإذا كان معرفة كانت تلك المعرفة بالألف واللام التي للجنس
[ ٢ / ٣٨٢ ]
أو بالإضافة إلى ما فيه ألف ولام الجنس. مثال الأول: نعم العبد زيد. ومثال الثاني: نعم صاحب العبد زيد. ومثال الذي فاعله مستتر: نعم رجلًا زيد، وبئس رجلًا زيد. أي: نعم الرجل رجلًا، وبئس الرجل رجلًا. فإن كانت النكرة المنصوبة المفسرة مضافة كان الفاعل المقدر مضافًا مثل: نعم غلام رجل زيد، أي نعم غلام الرجل غلام رجل زيد.
وجميع ما ذكرناه من بعد هذا كله يحتاج إلى مرفوع آخر يبين به، وهو المقصود بالمدح والذم، مثل: نعم الرجل زيد، فزيد يرتفع من وجهين. أحدهما أن يكون مبتدأ، ونعم الرجل خبرًا له مقدمًا عليه. وإذا كان خبرًا له احتاج إلى عائد من الجملة، وإذا احتاج إلى عائد كان ذلك العائد معنويًا، وذلك المعنوي هو الرجل الدال على الجنس الذي قد دخل تحته زيد وغيره. فهذا وجه.
والوجه الآخر أن يكون زيد خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: هو زيد. فالكلام على هذا جملتان. وعلى ما تقدم [ذكره] جملة واحدة. ولا موضع لهاتين الجملتين من الإعراب. ولها فيما تقدم موضع من الإعراب. والكلام في تقدير الجملتين أمدح، لأنه يستحب في المدح التطويل والتكثير بالجمل.
وأما حبذا فإنها مجراة مجرى «نعم» في احتياجها إلى اسمين، فاعل ومقصود. ففاعلها «ذا» الذي هو اسم الإشارة، وقد جعل مع «حب» كالشيء الواحد. ولما جعلا كالشيء الواحد غلب بعض أصحابنا عليهما معنى الإسمية، لأنه لما اجتمع فعل واسم وقد صيرا كالكلمة الواحدة وكان الاسم أقوى من الفعل غلب حكم الإسمية. ولما غلب حكم الإسمية جعلا جميعًا كالشيء الواحد في موضع المبتدأ، وخبره الاسم الأخير المقصود بالمدح من قولك: حبذا زيد.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
ومن أصحابنا من غلب عليهما حكم الفعلية لأن حب عمل في «ذا» الرفع كما يعمل كل فعل في فاعله، وللبداية به أيضًا فكان بالتغليب أولى، وإذا كان بتغليب الفعلية أولى كان الاسم الأخير فاعل حبذا. والكلام كله على هذا الوجه فعل وفاعل، وعلى الذي قبله مبتدأ وخبر. وفيهما من بعد ذلك وجهان آخران، أن تكون «حب» على حالها فعلًا، و«ذا» على حالها اسمًا لا يغلب أحدهما على الآخر. فيكون الاسم الأخير إما مبتدأ، وإما خبر مبتدأ، على حد نعم الرجل زيد.
وأصل حب حبب، ببائين، بوزن فعل، بدليل قولهم: حببت، فسكن وأدغم، لأن فعل قد كثر في باب نعم [وبئس]، وعليه حمل قوله تعالى (كبرت كلمة تخرج من أفواههم)، أي كبرت الكلمة كلمة كلمة تخرج من أفواههم، فالكلمة الأولى فاعلة، والكلمة الثانية تمييز، والكلمة الثالثة المقصودة بالذم مرفوعة بالابتداء. و«تخرج من أفواههم» جملة في موضع رفع نعت لها، كأنه قال: كلمة خارجة من أفواههم.
وإذا وقع الاسم بعد حبذا منصوبًا نظر فإن كان جنسًا، مثل: حبذا رجلًا، وحبذا امرأة، قيل هو تمييز مقدر بمن. ومتى كان المنصوب مشتقًا مثل: حبذا
[ ٢ / ٣٨٤ ]
قائمًا زيد، وحبذا قائمة هند، قيل هو حال مقدر بفي. فاعرف الفرق بين النصبين.
وهذه الأفعال التي لا تتصرف لا تعمل في مصدر لعدم تصرفها في نفسها.
وكذلك لا تعمل عند بعضهم في ظرف. وكذلك لا يتقدم شيء من معمولاتها عليها. كل ذلك لأنها أفعال غير متصرفة. إلا أنه قد ثبت لك من هذه الجملة كونها عاملة في الفاعل وفي التمييز وفي الحال. [فقس على ذلك تصب إن شاء الله تعالى].
***
[ ٢ / ٣٨٥ ]
الحروف العاملة
الأسماء العاملة
فصل
ثم قال: وأما الحروف العاملة فقد ذكرت في فصل الحروف، وهي سبعة أربعون حرفًا. فلا فائدة في إعادتها هنا لأنه قد أجمل الكلام عليها فيما تقدم إجمالًا أغنى عن إعادتها. وهي الستة الناصبة للاسم الرافعة للخبر، والتسعة الناصبة للفعل المستقبل، والثمانية عشر التي تجر الاسم، والخمسة التي تجزم الفعل المستقبل، والسبعة التي تنصب المنادى المضاف والاسم الطويل والنكرة التي ليست مقصودة، وما الحجازية، ولا العاملة في النكرة العامة.
***
[قال الشيخ ﵀]: وأما الأسماء العاملة فثلاثة أنواع. نوع منها مشتق من فعل فهو يعمل بحسب الاشتقاق. وجملة الأسماء المشتقة خمسة. أسماء الفاعلين وأسماء المفعولين، والصفات المشبهة، والمصادر المقدرة بأن والفعل،
[ ٢ / ٣٨٦ ]
أسماء الفاعلين
وأسماء الأفعال الفصل إلى آخره.
قال الشيخ ﵀: وجملة الأمر أن أقوى الأسماء العوامل أسماء الفاعلين
[ ٢ / ٣٨٧ ]
أسماء المفعولين
الجارية على الأفعال، لأنها جرت على الأفعال المستقبلة في حركاتها وسكناتها، ووجبت بوجوبها، فوجب إعمالها، ووجب أن يكون حكمها حكمها في التعدى.
فما كان من الأفعال يتعدى إلى مفعول واحد كان اسم الفاعل متعديًا إلى ذلك الواحد، مثل: هذا ضارب زيدًا، بمنزلة هذا يضرب زيدًا. وما كان منها يتعدى إلى اثنين لا يجوز الاقتصار على أحد المفعولين كان أيضًا كذلك في اسم الفاعل، من نحو: هذا عالم زيدًا قائمًا، كما تقول: هذا يعلم زيدًا قائمًا. وكذلك إذا جاز الاقتصار على أحدهما مثل: هذا معط زيدًا درهمًا، كما تقول: هذا يعطي زيدًا درهمًا. وما كان يتعدي إلى ثلاثة فكذلك أيضًا، مثل: هذا معلم زيدًا عمرًا قائمًا، كما تقول: هذا يعلم زيدًا عمرًا قائمًا.
[وكذلك ما يتعدى بحرف جر مثل: هذا مار بزيد، كما تقول: هذا يمر بزيد] وكذلك ما يتعدى تارة بحرف جر وتارة بغير حرف جر، مثل: هذا شاكر زيدًا، وشاكر لزيد. كما تقول: هذا يشكر زيدًا، ويشكر لزيد. فقد بان لك كيف تعمل أسماء الفاعلين.
وأسماء المفعولين تجري هذا المجرى، كما يعمل فعل ما لم يسم فاعله. إلا أنها تنقص أبدًا عن حكم اسم الفاعل أن اسم الفاعل إن كان متعديًا إلى واحد لم يتعد اسم المفعول إلى واحد، وإن كان اسم الفاعل يتعدى إلى اثنين كان اسم المفعول يتعدى إلى واحد، وإن تعدى اسم الفاعل إلى ثلاثة تعدى اسم المفعول إلى اثنين. فعلى هذا تقول: هذا ضارب زيدًا، وزيد مضروب. وهذا عالم زيدًا قائمًا، وزيد معلوم قائمًا. وهذا معلم زيدًا عمرًا قائمًا، وزيد معلم عمرًا قائمًا. فقس على هذا فهذا أصله، [فاعرفه تصب إن شاء الله تعالى].
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وينبغي أن تعرف ما ينقص به اسم الفاعل واسم المفعول عن الفعل في العمل. وجملته أربعة أشياء. منها أن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان لما مضى، [والفعل يعمل على كل حال]. ومنها أنه لا يعمل أو يعتمد على شيء قبله. والاعتماد أن يكون خبرًا لمبتدأ، أو صفة لموصوف، أو صلة لموصول، أو حالًا لذي حال، أو معتمدًا على ألف الاستفهام / أو «ما» النافية. فمثال الاعتماد على المبتدأ قد مثل من قولك: هذا ضارب زيدًا. ومثال اعتماده في الصفة: نظرت رجلًا ضاربًا زيدًا. ومثال اعتماده في الصلة: نظرت الضارب زيدًا. ومثال الحال: نظرت زيدًا ضاربًا عمرًا. ومثال الهمزة: أضارب زيدٌ عمرًا، فضارب رفع بالابتداء، وزيد فاعل، وعمرو مفعول به. كأنك قلت: أيضرب زيد عمرًا، لأن الاستفهام يطلب الفعل. فقد سد الفاعل في هذه المسألة مسد خبر المبتدأ. وكذلك في النفي: ما ضارب زيدٌ ع مرًا، على هذا التفسير. فإن جعلت «ضاربًا خبرًا مقدمًا لـ «زيد» كان في ضمير يرجع إلى «زيد» وتثنيه وتجمعه، وكان من الاعتماد الأول. وليس فيه ضمير إذا رفعته بالابتداء، وجعلت «زيدًا» مرفوعًا به، ولذلك لا تثنيه ولا تجمعه. والنقصان الثالث أن اسم الفاعل إذا أجرى على غير من هو له برز الضمير، بخلاف الفعل، كقولك: زيد هنا ضاربها هو. فزيد مبتدأ، وهند مبتدأ ثان، وضاربها خبر عن هند. وليس الفعل لهند، وإنما هو لزيد، فقد جرى على غير من هو له فبرز الضمير. ولو كان فعلًا لم يبرز، مثل: زيد هند يضربها، لأن في
[ ٢ / ٣٨٩ ]
الفعل دلالة قوية على الضمير، وهو حرف المضارعة الذي يدل على المذكر تارة وعلى المؤنث تارة.
والنقصان الرابع أن الألف في مثل: «الضاربان»، والواو في «الضاربون»، والياء في «الضاربين» حروف، والفاعل مضمر، بخلاف «يضربان» و«يضربون» الذي هو نفس الضمير، وهو الفاعل، وليس ثم شيء مستتر، ولذلك كان الفعل بضميره جملة، ولم يكن اسم الفاعل جملة. فاعرف ذلك. وإذا ثبت أن اسم الفاعل والمفعول عاملان لما فيهما من معنى الفعل. فإنه يجوز في معمولهما وجهان، النصب والجر. فالنصب معنى الفعلية، والجر بمعنى الإسمية وهو بالإضافة. فلذلك يجوز أبدًا: هذا ضارب زيدًا، وضارب زيد، تحذف التنوين تخفيفًا [وتجر]. وعليه القراءتان المعروفتان [في قوله سبحانه]: (هل هن كاشفات ضره)، و(كاشفات ضره)، و(ممسكات رحمته)، و(ممسكات رحمته). ومثله: (والله متم نوره)، (ومتم نوره)، و(بالغ أمره)، و(بالغ أمره).
ولو كان اسم الفاعل لما مضى لكان وجهًا واحدًا، وهو الجر [بالإضافة].
[ ٢ / ٣٩٠ ]
الصفات المشبهة
وعليه قوله سبحانه: (فالق الإصباح وجاعل الليل سكنًا). لأن هذا لما مضى بدلالة من قرأ: (وجعل الليل سكنًا)، ولأن بعده: (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها). فعلى هذا لا يكون «سكنًا» منصوبًا بـ «جاعل» هذا، ولكنه منصوب بإضمار فعل [دل عليه هذا]، أي جعله سكنًا.
فإن قيل: فلم لا يعمل إذا كان لما مضى وهو مذهب الكسائي، والدليل عليه قوله سبحانه (وكلبهم باسط ذراعيه)، وهذا لما مضى؟
قيل: لا دليل له في الآية لأن هذه حكاية حال كانت فأخبر عنها، وأقرب على حالها. وكذلك لا دليل له فيما حكي عن العرب من قولهم: هو مار بعمرو أمس، لأن هذا إعمال في الجار والمجرور، فلم يقع به اعتداد
***
الفصل الثالث من الأسماء العاملة، وهي الصفات المشبهة [بأسماء الفاعلين] مثل حسن وجه وشديد.
قال الشيخ ﵀: إنما عملت هذه لمشابهتها لأسماء الفاعلين من جهة التثنية والجمع والتذكير والتأنيث، وأن الكل صفات. فلما كان عملها بحكم المشابهة لها،
[ ٢ / ٣٩١ ]
أسماء الأفعال
نقصت هي أيضًا عن أسماء الفاعلين في عملها عن الفعل. ونقصانها من جهات، إحداها: أنها تعمل في السبب دون الأجنبي، وأسماء الفاعلين تعمل في السبب والأجنبي، تقول: زيد حسن وجهه، وحسن وجهًا، وأنت تعني وجه المذكور الذي هو زيد. ولا يجوز: زيد حسن وجه عمرو. وذلك جائز في اسم الفاعل، مثل: زيد ضارب وجه عمرو، ووجه نفسه.
وجهة ثانية أنه لا يتقدم معمولها عليها، لا يجوز: زيد وجهًا حسن، ولا: هو ثوبًا نظيف، ونحوه. ويجوز ذلك مع اسم الفاعل.
وجهة ثالثة أن هذه الصفات لا يأتي فيها معنى الاستقبال، بل تكون للحال [دون الاستقبال]، لأنها ليست جارية على الفعل.
[٧٨] / وجهة رابعة أن المنصوب في هذه الصفات إنما هو على جهة التشبيه، لا أنه فعل به شيء، بخلاف منصوب اسم الفاعل. ولذلك كان المنصوب في هذا [الباب] هو المرفوع في المعنى، وهو المقصود بالصفة. ولذلك لا يفصل بينه وبين المعمول بأجنبي. وقد تقدم ما يجوز في الصفات المشبهة من الوجوه الكثيرة في فصل الجر. لكن بالجملة أنها متى نصبت فبمعنى الاشتقاق من الفعلية، ومتى جرت فبحكم الإسمية. وهي في الحالين لا تخلو من عمل.
الفصل الرابع من الأسماء الفاعلة أسماء الأفعال، مثل: نزال وتراك، تعمل كما تعمل الأفعال، لأنها أسماء لها فعملت عملها. إلا أنها تنقص عن الأفعال بأربعة أشياء. لا يتقدم معمولها عليها، لا يجوز في: نزال زيدًا، زيدًا نزال. ويجوز ذلك مع الفعل. وتكون مفردة أبدًا في التثنية والجمع، مثل: نزال يا زيدان، ونزال يا زيدون، ونزال يا هند ويا هندان، ونزال يا هندات، بخلاف الفعل.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
المصدر المقدر بأن والفعل
ولا تجاب بالفاء الناصبة، لا يجوز: نزال فأكرمك. ويجوز ذلك مع الفعل كقولك: انزل فأكرمك. ولا يؤمر بها الغائب، لا يقال: نزال وتراك، إلا لمن تخاطبه. ومع الفعل يجوز مع المخاطب ومع الغائب من قولك: انزل، ولينزل فلان.
والعلة في امتناع جميع ما ذكرناه كون أسماء الأفعال أسماء فضعفت عن رتبة الأفعال.
***
الفصل الخامس من الأسماء العاملة المشتقة المصدر المقدر بأن والفعل.
[قال الشيخ ﵀]: إنما عمل المصدر المقدر بأن والفعل لأنه إذا كان الفعل - الذي هو [فرع] مشتق من المصدر يعمل، فالمصدر الذي [هو] أصله أولى بالعمل. وإنما نقص عنه من جهة الاسمية.
وجملة الأمر أن المصدر في عمله على ثلاثة أوجه: التنوين والإضافة والألف واللام. فمتى نون ظهر عمله رفعًا ونصبًا، مثل: يعجبني علم زيد خبرك. أي: أن علم زيد خبرك. وفي كتاب الله سبحانه: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيمًا ذا مقربة)، فـ «يتيمًا» منصوب بـ «إطعام» الذي هو مصدر مقدر «بأن والفعل»، أي: أو أن أطعم يتيمًا. ومثله في أحد الوجوه [قوله سبحانه]: (قد أنزل الله إليكم ذكرًا رسولًا)، أي: أن ذكر رسولًا. ومثله:
[ ٢ / ٣٩٣ ]
(ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقًا من السموات والأرض شيئًا)، أي: أن رزقهم شيئًا.
ومتى حذف التنوين أضيف، وكانت إضافته حقيقية. فيضاف تارة إلى الفاعل، وتارة إلى المفعول. مثاله: يعجبني علم زيد خبرك، وعلم خبرك زيد. ولو كان «العلم» مصدر فعل ما لم يسم فاعله لما احتجت إلى مفعول، مثل: يعجبني علم خبرك، أي: أن علم خبرك. وهذا كثير في كتاب الله سبحانه، أعني إضافة المصدر تارة إلى الفاعل، وتارة إلى المفعول، ومثل: (ولولا دفاع الله الناس)، فهذا مضاف إلى الفاعل، و«الناس» مفعول. ومثل: (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير)، فهذا مضاف إلى المفعول، أي: من أن دعا الخير.
ومثل: (وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة). ونحوه.
ومتى دخلت الألف واللام على المصدر كان حكمه حكم المنون. وظهر إعراب الفاعل والمفعول به، مثل: يعجبني العلم زيد خبرك، وبطل الجر. لأنك لا تجمع بين الألف واللام والإضافة في باب المصدر، لأن إضافته حقيقية. فهذه ثلاثة أوجه تجوز أبدًا في إعمال المصدر، أعني إثبات التنوين، والإضافة، وإدخال الألف واللام. فقس عليه فإنه كثير واسع.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
ولما كانت المصادر أسماء، والأسماء ليس من حقها أن تعمل إلا لضرب من الشبه، نقصت أيضًا المصادر في عملها، فلم يجز تقديم شيء من معمولاتها عليها لأنها من صلاتها، والصلة لا تتقدم على الموصول. لا يجوز في «يعجبني علم زيد خبرك»: يعجبني خبرك علم زيد، ولا: خبرك يعجبني علم زيد، وما أشبه ذلك.
وتنقص أيضًا أنها لا تعمل إذا أضمرت، لا يجوز أن تقول: مروري بزيد حسن، وهو بعمرو قبيح، وأنت تريد: ومروري بعمرو قبيح.
وتنقص أيضًا أنه لا يضمر فيها الفاعل، كما يضمر في أسماء الفاعلين لأنها كأسماء الأجناس من نحو: الزيت والتراب. / فكما لا تتضمن أسماء الأجناس الضمائر، فكذلك المصادر لا يجوز أن تقول: زيد ضرب عمرًا، فتضمر في «ضرب» ضمير زيد، كما تقول: زيد ضارب عمرًا، [فتشمر في «ضارب» ضمير زيد].
وتنقص عن الأفعال [أيضًا] أنه لا يفصل بينها وبين معمولها بأجنبي، ويجوز ذلك مع الفعل، مثل: ضربت وضربني زيدًا، ولا يجوز ذلك مع المصدر
[ ٢ / ٣٩٥ ]
مثل: هذا ضربي وضربك زيدًا، وأنت تريد أن «زيدًا» منصوب بـ «ضربي» الأول. وغير ذلك من الفروق التي يطول شرحها، وقد ذكرنا ما تحتاج إليه منها.
ويدل على أن هذه المصادر تجري مجرى أفعالها في التعدي أن ما تعدى منها إلى واحد تعدى [المصدر] إلى واحد، وما تعدى إلى اثنين، أو ثلاثة، أو بحرف جر، فعلى هذه القضية. مثال الواحد: ضرب زيدٍ عمرًا يعجبني، ومثال الاثنين: علم زيد عمرًا قائمًا يعجبني، ومثال الثلاثة: إعلام زيد عمرًا بكرًا قائمًا يعجبني. ومثال المتعدي بحرف جر: مرورك بزيد يعجبني. وكذلك كل المصادر من كل فعل يتعدى أو لا يتعدى. ولكنه كله مقدر بأن والفعل. وذلك الفعل إن شئت قدرته ماضيًا، وإن شئت قدرته مستقبلًا، وإن شئت قدرته أمرًا. لأن المصدر ينسبك من جميع ذلك. فاعرف ذلك، واعرف النقصانات [والتفصيلات] والمخالفات، وأنه لا يجوز أن ينعت المصدر ولا يتبع بتابع من التوابع إلا بعد تمامه بصلته. لا يجوز أن تقول: يعجبني ضربك الشديد زيدًا، لأن «الشديد» من نعت المصدر، والمصدر لا ينعت قبل أن يتم معموله. والصواب: يعجبني ضربك زيدًا الشديد. وكذلك العطف كله، والبدل كله، والتأكيد كله. لا يجوز شيء منه إلا بعد التمام. والإشارة تغني عن الإطالة في الأمثلة. والكلام على المصدر ينبغي أن يتقدم على الكلام على الصفة المشبهة بأسماء الفاعلين، لأن عمل المصدر أقوى من عمل الصفة. ولكنه وقع على غير ما
[ ٢ / ٣٩٦ ]
رتب في المقدمة، لأن القصد في المقدمة تسهيل البيان على القاري وأوردها ها هنا على قضية الترجمة، فلا فائدة في إعادة الكلام على شيء من ذلك إلا ما لم يمض أصله.
***
في ذلك أن ما كان من الصفات المشبهة بأسماء الفاعلين بوزن أفعل من كذا - لفظًا أو تقديرًا - فإنه لا يرفع الظاهر، وإنما يرفع المضمر، وينصب التمييز لا غير، ويجر بحكم الإضافة فيما تصح فيه الإضافة. مثال ذلك: زيد خير منك، فزيد مبتدأ، وخير منك الخبر، وفاعل «خير» مضمر مستتر فيه، مرفوع به، يرجع على «زيد». و«منك» جار ومجرور متعلق بخير كتعلقه بأفعل في قولك: زيد أفضل منك. فهذا عمله في المضمر الرفع، وفي الجار والمجرور النصب. فإن قلت: زيد خير منك أبا، وخير أبا منك، فهو الناصب للتمييز. فإن رفعت هذا السبب وقلت: زيد خير منك أبوه، على أن يكون «أبوه» فاعل «خير»، كما يكون «الوجه» في قولك: زيد حسن وجهه، لم يجز لأن «أفعل» لا يرفع الظاهر، وإنما يرفع المضمر. وإنما لم يرفع الظاهر لأنه نقص عن حكم الصفة في التثنية والجمع والتأنيث، الذي يجوز كله في الصفة. فلما نقص ذلك بطل حكم رفعه للظاهر وقصر على المضمر.
والعلة التي لأجلها امتنع «أفعل» من التثنية والجمع والتأنيث أن «أفعل» متضمن معنى الفعل والمصدر. إذا قلت: زيد أفضل منك، أو خير منك، فمعناه زيد يزيد فضله عليك. فيزيد فعل، وفضله مصدر، وكل منهما لا يجوز
[ ٢ / ٣٩٧ ]
تثنيته ولا جمعه ولا تأنيثه. فكذلك ما تضمن معناهما ووقع موقعهما. فلذلك قلت: الزيدان أفضل منك، والزيدون أفضل منك، وفلان خير منك، والفلانان خير منك، والفلانون خير منك.
فلذلك بطل مثل: زيد خير منك أبوه، إلا أن تقدر تقديرًا آخر فتجعل «الأب» مبتدأ ثانيًا، و«خير منك»، خبرًا له مقدمًا عليه. فالمسألة جائزة إلا أن فاعل «خير» على هذا التقدير مضمر فيه يرجع على «الأب». وعلى هذا التقدير لا يصح أن تفصل بين «خير» و«منك» بـ «الأب»، لا يجوز: زيد خير أبوه منك، لأنك قد فصلت بين «خير» وبين «منك» بـ «الأب» الذي رفع بالابتداء، فكان لذلك أجنبيًا. وقد أصلنا أنه لا يجوز أن تفصل في هذه الصفات بينها وبين معمولها بأجنبي. فاعرف هذه الأصول [وابن عليها المسائل]. فإن الاعتقادات والتقديرات تفسدها تارة وتصلحها أخرى. ألا ترى أن قولك: زيد خير منك أبوه، إن اعتقدت أنه مرفوع بخير لم يجز لأن «أفعل» لا يرفع الظاهر. وإن اعتقدت أنه مبتدأ - وهو على حاله بعد «منك» - جازت المسألة. وإن قدمته قبل «منك»، واعتقدت أنه مبتدأ أو فاعل لم يجز واحد منهما. لأنك إن اعتقدت أنه فاعل فـ «أفعل» لا يرفع الظاهر. وإن اعتقدت أنه مبتدأ، و«خير» خبره، والجملة خبر «زيد»، كنت فاصلا بين «خبر» و«منك» بأجنبي، فبطلت. وجوازها قد ذكر.
ويجوز وجه آخر وهو أن تقدم «الأب» إلى جانب «زيد»، فتقول: زيد أبوه خير منك. فـ «زيد» مرفوع بالابتداء، و«أبوه» مبتدأ ثان، و«خير منك» خبر «الأب»، والعائد من الجملة إلى «زيد» الهاء في «أبيه»، والعائد إلى «الأب» من «خير» الضمير الذي في «خير». فالإخبار عن الأب بمشتق
[ ٢ / ٣٩٨ ]
مفرد. والإخبار عن زيد بجملة. فاعرف ذلك.
***
فأما المسألتان المذكورتان في المقدمة فإحداهما: ما رأيت رجلًا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد. فإن «الكحل» في هذه المسألة يجري عندهم مجرى المضمر، وإن كان ظاهرًا، لأن العين بالكحل حسنت، فصار بمنزلة الحسن المنسوب إليها في نفسها. هذه طريقة القوم في الاحتجاج لرفع «أفعل» في هذه المسألة وشبهها للظاهر، وهو تنزيل المظهر منزلة المضمر، بخلاف «الأب» وغيره من الأسماء.
ومنهم من يقول: العلة في ذلك أنه لا تخلو هذه المسألة من رفع «الكحل» بـ «أحسن»، أو من رفعه بالابتداء، فتقول: ما رأيت رجلًا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد فترفعهما جميعًا. [وإذا رفعتهما جميعًا] لم يخل أن تقدم «الكحل» قبل «منه» أو بعد «منه». فإن قدمته قبل «منه» كنت فاصلًا بين «أفعل» وما يتعلق به بأجنبي. وإن قدمت «منه» على «الكحل» فقلت: ما رأيت رجلًا أحسن في عينه منه الكحل في عين زيد، كنت مضمرًا قبل الذكر، لأن الهاء في «منه» عائدة على «الكحل». فلما بطل رفع «الكحل» بالابتداء مقدمًا على «منه»، ومؤخرًا بعد «منه»، لم يبق إلا التوسع ورفع «الكحل» بنفس «أحسن» فلا يكون فيه فصل ولا إضمار قبل الذكر. لأن كلا من «الكحل»
[ ٢ / ٣٩٩ ]
ومن «منه» معمول له - يعني لأحسن. فصار الوجه الأضعف الأدنى عند امتناع الأصلين المقدمين قويًا، فلذلك جازت المسألة، لأن المسألة إذا كان لها وجهان قوي وضعيف، وعرض ما يبطل القوي، قوي الضعيف فجاز، وصار لا يجوز غيره. ألا ترى أن صفة النكرة أحسن من الحال منها وأقوي، وأن الحال من النكرة ضعيف جدًا. فإذا عرض من التقديم ما يبطل كونه الصفة جائزة مع جواز تقديم الحال صار الضعيف قويًا، فلذلك قوي: جاءني رجل ضاحك، وضعف: جاءني رجل ضاحكًا. فإن قدمت «ضاحكا»، الذي كان ضعيفًا نصبته فقلت: جاءني ضاحكًا رجل، ولم يجز رفعه وهو صفة. فقد صار الضعيف قويًا لما عرض في القوى ما يبطل كونه صفة. فكذلك مسألتنا.
وكذلك المسألة الأخرى «ما من أيام أحب إلى الله فيه الصوم منه في عشر ذي الحجة»، الكلام عليها كالكلام على مسألة الكحل. لو رفعت «الصوم» بالابتداء و«أحب» على أنه خبر لم يجز، سواء قدمت «منه» على «الصوم» أو أخرته بعده،
[ ٢ / ٤٠٠ ]
لأن تأخيره يؤدي إلى الفصل بين «أحب» وما يتعلق به بأجنبي، وهو «الصوم». وتقديمه مما يؤدي إلى الإضمار قبل الذكر، لأنه عائد على «الصوم». ولما بطل ذلك ارتفع «الصوم» بأحب. فـ «ما» حرف نفي، لا تخلو من أن تكون حجازية أو تميمية. و«من أيام» في موضع رفع بـ «ما» على الحجازية، أو بالابتداء على التميمية لأن «من» زائدة، تقديره: ما أيام أحب. و«أحب» أن جعلته صفة لأيام جاز، وكانت الفتحة في «أحب» علامة الجر، وكان خبر «ما» أو الابتداء محذوفًا للطول. لأن جميع ما بعد «أحب» متعلق بأحب تعلق المعمولات به، أو بما يتعلق به كأنه قال: ما من أيام أحب إلى الله من كذا وكذا.
فهذا بيان هاتين المسألتين اللتين في فصل الصفة المشبهة باسم الفاعل.
[ ٢ / ٤٠١ ]
الظروف العاملة لوقوعها موقع المشتق
وقد انقضى الكلام على الأسماء العاملة بمعنى الاشتقاق من الفعل، وهو أحد / الأنواع الثلاثة من الأسماء العاملة.
***
والنوع الثاني ما يعمل بمعنى الفعل وليس بمشتق، وإنما هو واقع موقع المشتق. وذلك كل ظرف وقع صفة أو صلة أو حالًا أو خبرًا فإنه يعمل في الأحوال النصب. مثال ذلك: زيد عندك ضاحكًا. فـ «عندك» عمل في «ضاحك» النصب، لأنه وقع موقع المشتق. فالأصل: زيد مستقر عندك، حذفت الاستقرار وأنبت «عندك» منابه، ونقلت الضمير الذي كان في الاستقرار إلى هذا الظرف الذي قام مقامه. وصارت الحال التي هي «ضاحكًا» حالًا من ذلك المضمر المستتر في الظرف. وذلك المضمر مرفوع بالظرف، لأن العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال.
فإذا ثبت هذا كان العامل في الحال معنويًا. وإذا كان معنويًا لم يجز أن تتقدم على «عندك». لا يجوز زيد ضاحكًا عندك. وإذا لم يجز هذا وسطًا فأحرى أن لا يجوز مقدمًا. لا يجوز: ضاحكًا زيد عندك، لتقديمه أيضًا على العامل المعنوي. فإذا رفعت «ضاحكًا» صار هو الخبر، وصار الظرف معمولًا لهذا الخبر، وبطل ذلك الاستقرار المقدر وجاز حينئذ أن تأتي بضاحك، إن شئت أولًا قلت: ضاحك زيد عندك، وإن شئت وسطًا قلت: زيد ضاحك عندك، وإن شئت أخيرًا قلت: زيد عندك ضاحك. لأن ضاحكًا الآن عامل في الظرف، وليس بمعمول له. فمتى نصبته كان الظرف عاملًا. ومتى رفعته كان الظرف معمولًا.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
الأسماء العاملة عمل الحروف وهي الأسماء المضافة
فكما اختلف اللفظ فكذلك اختلف المعنى. لأنك إذا رفعت «ضاحكًا» فالاعتماد في الخبرية عليه. وإذا نصبته فالاعتماد في الخبرية على الظرف.
ومن الأسماء العاملة في الأحوال وليست بمشتقة أسماء الإشارة، مثل هذا زيد ضاحكًا، وهذه هند ضاحكة. و«هذا» إنما عمل لأنه وقع موقع الفعل. وذلك الفعل يقدر تارة خبرًا، وتارة يقدر أمرًا. فإذا قدرته خبرًا فكأنك قلت أشير إليه ضاحكًا. وإذا قدرته أمرًا كان التقدير: أشر إليه ضاحكًا. وكذلك إن أعملت ها التنبيه قدرتها على أحد هذين التقديرين، إما أنبه، وإما نبه. هذا كله تقدير المعنى العامل، وليس بشيء يظهر في اللفظ.
وإذا كان معنويًا لم يجز للحال أن تتقدم عليه. فلا يجوز: ضاحكًا هذا زيد. فإن رفعت «ضاحكًا» جاز تقديمه، لأن خبر المبتدأ يجوز تقديمه عليه. فتقول: هذا زيد ضاحك، وضاحك هذا زيد. وقد تقدم تفسير هذه المسألة في أسماء الإشارة من فصل الأسماء.
***
النوع الثالث من الأسماء العاملة وهو ما ليس بمشتق ولا واقعًا موقع المشتق. فهذا النوع لا يكون ناصبًا وإنما يكون جارًا. وذلك الأسماء المضافة
[ ٢ / ٤٠٣ ]
مسائل منثورة
إضافة ملك أو إضافة جنس. فإضافة الملك هي المقدرة باللام مثل: هذا غلام زيد. وإضافة الجنس هي المقدرة بمن مثل: هذا ثوب خز. فهذان مجروران بمعنى الحرف المقدر الذي قد ناب عنه المضاف. وإذا كان عاملًا فهو أيضًا عامل معنوي. وإذا كان معنويًا لم يجز أن يتقدم شيء من معمول المضاف إليه على المضاف، ولا على المضاف إليه. تقول: أنت مثل ضارب زيدًا، ولا يجوز: أنت زيدًا مثل ضارب، لأنه لا يتقدم معمول المضاف إليه على المضاف. وكذلك لا يجوز: أنت مثل زيدًا ضارب، لأنه لا يفصل بين المضاف والمضاف إليه بمعمول المضاف إليه.
فأما «أنت زيدًا غير ضارب»، ففيها خلاف، منهم من لا يجيزها، كما لا يجيزها مع «مثل» لاشتراكهما في الإضافة. ومنهم من يجيزها لأن «غيرًا» بمعنى «لا»، وأنت لو قلت: أنت زيدًا لا ضارب، لجازت بلا خلاف. فكذلك أجريت «غيرًا» مجرى «لا».
فهذه جملة الأسماء العاملة على اختلاف أنواعها، مشتقها، والواقع موقع المشتق، والواقع موقع حرف الجر مقدر معها. وهي الثلاثة الأنواع التي تقدم ذكرها. وقد تم بذلك هذا الفصل الثامن.
***
وقد تأتي في العوامل المعنوية مسائل مشكلة تحتاج إلى لطف نظر. مثل قراءة من قرأ (كلا إنها لظى نزاعة للشوى). فنزاعة منتصبة على الحال وليس ههنا عامل مشتق، ولا واقع موقع المشتق. ولكن «لظى» وإن كانت علمًا
[ ٢ / ٤٠٤ ]
من أسماء جهنم ففيها معنى التلظي، وذلك [المعنى] هو العامل في الحال. كأنها تتلظى نزاعة [للشوى]، أو / تتوقد نزاعة [للشوى]. [٨٢]
ومنها قراءة من قرأ (هؤلاء بناتي هن أطهرلكم)، بنصب الراء [من أطهر]. فـ «هؤلاء» مبتدأ، و«بناتي» الخبر، و«هن» تأكيد للمضمر، و«أطهر» منصوب على الحال. والعامل في الحال المعنى المقدر في «بناتي». لأن «بناتي» ها هنا واقع موقع شريفات أو مقدمات. وذلك المعنى هو الناصب لأطهر على قراءة من نصب.
مسئلة من هذا الباب: قوله تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر). فالبحر يمده جملة من مبتدأ وخبر في موضع الحال. وإذا كانت في موضع الحال احتاج إلى صاحب الحال، وإلى عامل في الحال. وليس معك عامل إلا متأول، وذلك المتأول أن «أقلامًا» وإن كن جامدات فإنها وقعت ها هنا موقع «كاتباتٍ» أو «جاريات»، وإذا
[ ٢ / ٤٠٥ ]
وقعت موقع «كاتبات» أو «جاريات» فقد تحملت الضمير، وصار فيها معنى الاشتقاق، فعملت في موضع الجملة الحالية النصب.
فأما من نصب «البحر» فلا إشكال فيه لأن الواو عاطفة [للبحر] على «ما في الأرض». [فاعرفه، وبالله التوفيق].
[ ٢ / ٤٠٦ ]