الفصل الثاني: وهو فصل الفعل
وأما قولنا: «الفعل ما دل على حدث وزمان محصل، مثل فعل ويفعل وسيفل. وإنما لقب هذا النوع فعلًا لأنه لفظ توزن به جميع الأفعال، ويعبر عنها به، قال الله سبحانه: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)».
فإن هذا حد الفعل المتصرف، لا يخرج فعل من الأفعال عنه. لأن الأفعال إنما دخلت الكلام لتدل على الزمان والحدث دلالة إفادة، وهي بخلاف الأسماء التي تدل دلالة إشارة. ودلالة الأسماء دلالة واحدة، وهي ذات المسمى. ودلالة الأفعال دلالتان، دلالة الزمان ودلالة الحدث. فدلالة الزمان من نفس الصيغة، ودلالة الحدث من نفس اللفظ.
وإنما لقب فعلًا ليفرق بينه وبين المصدر الذي هو الحدث، وهو اسم الفعل. لأن المصدر يأتي على أوزان كثيرة مقيس وغير مقيس. والأفعال تأتي على أوزان محصورة مقيسة، قد جملت في فصل الفعل. وكلها يجمعها لفظ «فعل»، لأن «فعل» فعل ثلاثي. [والثلاثي] هو أصل الرباعي وما زاد. ولذلك قلت لك إنه لفظ توزن به جميع الأفعال ويعبر به عنها، كما قال سبحانه: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)، أي وهم يسألون عما يفعلون. فقد دخل
[ ١ / ١٩٣ ]
قسمته
الفعل الماضي وأوزانه
تحت «يفعل» و«يفعلون» كل فعل يدل على حدث من سائر الأحداث كلها على اختلاف أنواعها.
وأما قولنا: «وقسمة الأفعال ثلاثة: ماضٍ، ومستقبل ولا ماض ولا مستقبل، وهو الحال».
فإن الدليل على كونها ثلاثة السماع والقياس. فالسماع قوله تعالى: (له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك). والقياس أنا وجدنا في كلامهم حرفًا لنفي المستقبل مثل «لا» و«لن»، وحرفًا لنفي الماضي مثل «لما» و«لم»، وحرفًا لنفي الحال مثل «ما». فدل على أن الأفعال ثلاثة، كما أن الحروف الدالة على ذلك ثلاثة. فهذا يرد قول من قال إن الأفعال قسمان: ماض ومستقبل، لاعتقاده أن فعل الحال لا يثبت. وليس عدم ثباته مما يوجب رفعه بالجملة، لأنه هو الأصل الذي نشأ عنه الماضي، وتبقى عنه المستقبل فكيف يكون الأصل مطرحًا.
وأما قولنا: «أما الماضي فهو ما كان مبنيًا على الفتح من غير عارض عرض له. وجملته عشرون مثالًا، مثل: كتب، وعلم وظرف. ومثل: قرطس وأعلم وعلم، وناظر. ومثل: تقرطس، وتعلم، وتناظر. ومثل: انطلق واقتدر واحمر، واحمار، واستخرج، واغدودن، واجلوذ، واسحنكك واحرنبي، واحرنجم. والعشرون هو [فعل] ما لم يسم فاعله في جميع ذلك، يضم أوله ويكسر ما قبل آخره، سوى المضاعف لامه والمعتل العين».
[ ١ / ١٩٤ ]
فإن هذه جملة مختصرة في أوزان الأفعال. والذي مثل بها كلها ماض، لأن الماضي ما كان مبنيًا على الفتح، وكلها مبنية على الفتح من غير عارض عرض لها. وإنما بنيت في الأصل لاستحقاقها البناء. لأن الأفعال تدل على المعاني المختلفة بصيغ مختلفة، فأغنى اختلاف صيغها عن إعرابها. وبنيت على حركة لمضارعتها [الفعل] المستقبل من حيث كانت [تقع] خبرًا، وصفة، [وصلة]، وحالًا، وشرطًا وجزاء، كما تقع الأفعال المستقبلة. مثل: [قولك]: زيد كتب، وهذا رجل كتب، وهذا الذي كتب، وهذا زيد كتب، وإن كتب كتبت. كما تقول: زيد يكتب، وهذا رجل يكتب، وهذا الذي يكتب، وهذا زيد يكتب، وإن يكتب أكتب. وأعطي الفتحة في جميع هذه الأوزان كلها للخفة.
وجميع هذه الأوزان لا تخلو من أن تكون ثلاثية، أو رباعية بزيادة، أو غير زيادة، أو خماسية بزيادة، أو سداسية بزيادة. ولا زيادة لهم على ذلك، لأنه ليس لهم فعل سباعي.
[ ١ / ١٩٥ ]
فالثلاثي هو الأصل، وله ثلاثة أوزان. ولذلك بديء بها. وهي: كتب بوزن فعل. وعلم بوزن فعل. وظرف بوزن فعل.
والرباعية هي الثانية، ولذلك ثني بها. فالأصل منها قرطس، حروفها كلها أصول كدحرج وسرهف، بوزن فعلل. وأعلم وعلم وناظر رباعية كلها بزيادة. فأعلم بوزن أفعل وعلم بوزن فعل، إحدى العينين زائدة. وناظر بوزن فاعل، الألف زائدة.
[٢٧] والخماسي بزيادة واحدة [مثل] تقرطس بوزن تفعلل. وتعلم بوزن تفعل. وتناظر [بزيادتين] بوزن تفاعل. وهذه خماسية بزيادة وزيادتين ليس إحداهما ألف وصل. وانطلق واقتدر واحمر خماسية بزيادتين احداهما ألف وصل. فانطلق بوزن انفعل، واقتدر بوزن افتعل، واحمر بوزن افعل. واحمار سداسي بثلاث زوائد بوزن افعال. واستخرج سداسي بثلاث زوائد بوزن استفعل. والباقي سداسية بزوائدها فاغدودن بوزن افعوعل. واجلوذ بوزن افعول. واسحنكك بوزن افعنلل، ملحق باحرنجم، واحرنبى بوزن افعنلى ملحق به أيضًا.
والعشرون هو جميع هذه الأفعال إذا بنيت لما لم يسم فاعله، ضم أولها
[ ١ / ١٩٦ ]
أحكام آخر الفعل الماضي
وكسر ما قبل آخرها. مثل: كتب، وقرطس به، وتقرطس به، ومثل انطلق به، ومثل استخرج به. وكذلك الباقي.
ومعنى قولنا «سوى المضاعف لامه والمعتل العين» أن المضاعف لا يكسر ما قبل آخره في هذه الأمثلة المجردة من الضمير المتصل بها. مثل: «قد شد زيد»، أصله «شدد» ولكن الكسرة ذهبت لأجل الإدغام. وكذلك «قد احمر به»، أصله «احمرر»، فزالت الكسرة لأجل الإدغام، والمعتل العين لا تظهر فيه الكسرة أيضًا مثل: بيع المتاع، أصله «بيع المتاع»، فنقلت الكسرة من العين إلى الفاء [للثقل] بعد حذف الضمة من النباء.
فهذا معنى قولنا: «سوى المضاعف لامه والمعتل العين».
[قال الشيخ ﵀]: وأما قولنا: «وجميع ذلك آخره مفتوح لا يجوز تسكينه في حال الوصل إلا مع ضمير المتكلم والمخاطب ونون جماعة النساء. ولا يجوز ضمه إلا مع واو الجمع، سوى المعتل بالألف. ولا يجوز كسره بحال، إلا إذا تصلت به تاء التأنيث ولقيها ساكن، فإن تلك التاء تكسر. ولا يجوز أن تدخله نون بحال، من نحو: ضربونه».
فإن هذه جملة مختصرة في أحكام أواخر الفعل الماضي. فآخره أبدًا مفتوح للعلة التي ذكرنا وهي الخفة. وإنما يكون مفتوحًا إذا كان صحيحًا. فإن كان معتلًا بالألف كان ساكنًا، مثل: دعا وغزا ورمى وجرى. وجميع هذه الأوزان لا تتحرك، لأن الألف لا تتحرك، لأنها لو حركت لعادت إلى أصلها، ولو
[ ١ / ١٩٧ ]
عادت إلى أصلها لثقلت، فلذلك قلبت ألفًا وبقيت ساكنة. وما عدا ذلك من الصحيح والمعتل بالياء فلا يكون إلا مفتوحًا، مثل: عمي وشجي وكتب وعلم، للعلة المذكورة.
فإن اتصل بجميع ذلك تاء المتكلم وأخواته، وضمير المخاطب وأخواته، ونون جماعة النساء، لم يكن إلا مسكن الآخر، صحيحًا كان أو معتلًا. مثال الصحيح: كتبت وعلمت، ومثال المعتل: دعوت وسعيت وقضيت.
وقد مضت العلة في وجوب السكون فيما تقدم - لما سألت ذكرها - وهي لئلا يجمع بين أربع متحركات لوازم. إذ كان الضمير لازمًا وحركته لازمة فخفف بتسكين ما قبله.
فإن لم يكن شيء من هذه الضمائر كان مفتوحًا، ولا يجوز ضمه إلا مع واو الجمع مثل: كتبوا وعلموا، لأن الواو تطالب أن يكون ما قبلها من جنسها فلذلك انضم. فإذا زالت الواو وعدت إلى الواحد عادت الفتحة.
[قال الشيخ ﵀] ومعنى قولنا: «سوى المعتل بالألف» أن المعتل بالألف لا يضم ما قبل الواو فيه بل يكون ما قبلها مفتوحًا، مثل: دعوا ورموا، بقيت الفتحة لتدل على الألف المحذوفة، فوزنه في اللفظ «فعوا»، وهو في الأصل «فعلوا» مثل دعووا، ولكنه أصل لا يستعمل للثقل.
[ ١ / ١٩٨ ]
ولا يجوز كسر الفعل الماضي بحال. فإن دخلت عليه ياء المتكلم - التي من شأنها أن يكون ما قبلها مكسورًا - ألحقت نون الوقاية ليسلم الفعل من الكسر، فرقًا بينه وبين الاسم، فقلت: كتبني وعلمني، وكذلك الباقي.
وإن اتصل بالفعل الماضي تاء التأنيث وبعدها همزة وصل، فإنك تكسرها لالتقاء الساكنين، فتقول: كتبت المرأة. فهذه كسرة عارضة لا يعتد بها، ولذلك لا يعتد بها القاريء في إشمام ولا روم في مثل: (قالت امرأة العزيز) (ولقد استهزيء) لا على من كسر ولا على من ضم، لأن الحركتين عارضتان. فالكسرة لالتقاء الساكنين، والضمة للإتباع في (ولقد استهزيء)، اتبعت [الدال] ضمة التاء من (استهزيء). وعلى هذا (قل ادعوا)، و(قل انظروا).
ولا يجوز أن تدخله نون بحال من نحو: ضربونه. لأن النون إنما هي في الأفعال المستقبلة المعربة عوض من الضمة التي كانت في الواحد. والماضي لا معرب ولا مرفوع، فدخول النون فيه من أقبح اللحن وأسقطه. كما أن كسر الفعل الماضي في قولهم: «من كلمك يا هند» و«خاطبك» من أقبح اللحن أيضًا، لأن الفعل الماضي مبني على الفتح. وكما أن ضم الفعل الماضي في قول العامة «من ضربه» و«من كلمه» من أقبح اللحن [أيضا] للعلة
[ ١ / ١٩٩ ]
المستقبل والحال
[٢٨ [المذكورة. وكما أن / التسكين في الوصل من أقبح اللحن أيضًا في نحو «من ضرب زيدًا»، لأن الفعل الماضي مبني على الفتح لا يجوز تسكينه في [حال] الوصل. وإنما يسكن إذا عرض ما ذكرناه، أو عرض الوقف، وما عداه فلحن. فاعرف ذلك فإنه أصل عظيم، والعامة يتهافتون في اللحن فيه. وفقك الله للصواب.
***
وأما قولنا: «وأما الفعل المستقبل والحال فهما سواء في اللفظ. وهو ما كان أولهما همزة متكلم، أو نون جماعة أو واحد معظم، أو تاء مخاطب أو مؤنث، أو ياء غائب مثل: أنا أفعل، نحن نفعل، أنت تفعل، هى تفعل، هو يفعل. وهذه حروف المضارعة. وحرف المضارعة من كل فعل ثلاثي، أو خماسي بالزيادة، أو سداسي بالزيادة، مفتوح أبدًا، ومن كل فعل رباعي مضموم أبدًا، إلا إذا بني جميع ذلك لما لم يسم فاعله فكله يضم. وحرف الإعراب منه مرفوع أبدا ما لم يكن معه ناصب ولا جازم ولا نون تأكيد ولا نون جماعة نساء، وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى».
[ ١ / ٢٠٠ ]
فإن هذه جملة مختصرة خاصة في معرفة إعراب الفعل المستقبل، وأحكامه من أوله وآخره.
ولا إشكال في كونها على لفظ واحد، لأن الأصل هو فعل الحال. يصلح اللفظ إذا قلت «هو يكتب»، و«يحسب» أن يكون في الحال وأن يكون في ثاني الحال. والحقيقة هي الحال، لأنها [هي] الكائنة أولًا. وهي تدل بمجردها على حقيقتها، ولا تدل على الاستقبال إلا بقرينة من السين أو سوف.
وهذان الفعلان لا يخلوان من أن يكون في أولهما أحد الأربعة الأشياء المذكورة، الهمزة والنون والتاء والياء، على ما فصل. وبهذه الحروف صار هذا الفعل مضارعًا للاسم، لأنه صلح لمعنيين، وسيأتي بيانه [إن شاء الله تعالى]. ولما كانت حروف المضارعة تكون مفتوحة في موضع، ومضمومة في موضع، والخطأ فيهما كثير، وجب ذكر الأصل. فكل فعل ثلاثي مثل: كتب وعلم وظرف، ونحوه، فحرف المضارعة من مستقبله مفتوح، همزة كان أو نونًا أو تاء أو ياء. مثل: أكتب ونكتب وتكتب ويكتب. وكذلك الحكم من كل [فعل] خماسي، مثل: يتقرطس، ويتناظر ونحوه.
[ ١ / ٢٠١ ]
وكذلك من كل ما زاد على الخمسة، مثل: يستخرج. ولا يضم حرف المضارعة إلا في الرباعي كيفما اختلفت أوزانه من نحو: يقرطس، ويعلم، ويناظر. لا يختلف الباب في شيء من ذلك بوجه، إلا أن يبنى الجميع لما لم يسم فاعله فإنه يكون في حرف المضارعة ضمة ما لم يسم فاعله، مثل: يكتب ويستخرج ونحوه.
وحرف الإعراب من الفعل المضارع أبدًا مرفوع ارتفاعًا مطردًا، إلا أن يكون معه ناصب فينتصب لا غير، أو جازم فيجزم لا غير. مثال ذلك: هو يكتب، ولن يكتب، ولم يكتب. فتسكين المرفوع إذا لم يكن معه ما يوجب السكون لحن، مثل: هو يضربه ويكلمه. وكذلك كسره لا يجوز بحال كما تقول العامة، من نحو: هو يضربك يا هند ويخاطبك. وكذلك لا يجوز حذف النون التي هي علامة الرفع إذا لم يكن [معه] ناصب ولا جازم. لا يجوز: هم يضربوه، ويأخذوه، ولا: هم يضربوا، ولا: هم يأكلوا، ويشربوا. كله لحن لأنه لا عامل معه تسقط لأجله النون. فإذا جاء العامل جاز، مثل: لن يضربوه، ولم يضربوه. وهو مع «لن» منصوب، ومع «لم» مجزوم.
والفعل المستقبل معرب أبدًا لما ذكرناه في الرفع والنصب والجزم. إلا أن يكون معه نون تأكيد، أو نون جماعة نساء، فإنه يكون مبنيًا مع نون التأكيد على الفتح للمذكر، مثل: هل تذهبن يا زيد. وعلى الكسر مع المؤنث،
[ ١ / ٢٠٢ ]
الأفعال تتصرف على خمسة أوجه ما عدا خمسة أفعال
أحكام آخر الفعل المضارع
مثل: هل تذهبن يا هند. وعلى الضم مع جماعة المذكرين، مثل: هل تضربن يا رجال. وعلى السكون مع نون جماعة النساء، مثل: هل تضربنان يا نساء. وكذلك هو مبني مع هذه النون وإن لم تدخل نون التأكيد مثل: هن يضربن، ولن يضربن، ولم يضربن. أفلا ترى العامل كيف اختلف على هذا ولم يتغير لأنه مبني. وعلى هذا قوله سبحانه، (إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح). فالنون في «يعفون» نون جماعة النساء، وهي فاعلة فلذلك لم تحذف وإن كان معها «أن» الناصبة. ولو عدمت النون لنصبت كما نصبت في قوله: (أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح).
***
وأما قولنا: «والأفعال كلها تتصرف على خمسة أوجه إلا خمسة أفعال فإنها لا تتصرف. والتصرف يكون بالماضي، والحاضر، والمستقبل، والأمر والنهي، مثل: حضر يحضر سيحضر احضر لا تحضر. إلا إنه يحدث في الأمر ألف وصل أو قطع - إذا كان ما بعد حرف المضارعة ساكنًا - في الغالب، فتأتي بالهمزة توصلًا إلى النطق بالساكن / وهي أبدًا من كل فعل رباعي قطع [٢٩] تثبت في اللفظ وفي الخط وتكون مفتوحة أبدًا. ومن كل فعل ثلاثي أو خماسي أو سداسي وصل تسقط - إذا وصلت - من اللفظ دون الخط. وتكون مكسورة إذا كان ما قبل الآخر مكسورًا أو مفتوحًا، مثل: اضرب اعلم. وتكون مضمومة إذا كان ما قبل الآخر مضمومًا [ضمًا لازمًا] مثل قولك: اقتل اخرج. وفعل الأمر الصحيح اللام مبني آخره على الوقف أبدًا مثل: احضر، ما لم يكن
[ ١ / ٢٠٣ ]
معه نون تأكيد شديدة أو خفيفة فإنه يكون مفتوحًا مع المذكر مثل: احضرن يا زيد، ومكسورًا مع المؤنث مثل: احضرن يا هند، ومضمومًا مع جماعة الرجال مثل: احضرن يا رجال، ومفتوحًا مع فعل الاثنين لهما مثل: احضران يا زيدان ويا هندان، ومسكنًا مع جماعة النساء، وتدخل بين النونات [الثلاث] ألف الفصل مثل: احضرنان يا نساء. وكل موضع دخلت فيه النون الشديدة تدخل فيه [النون] الخفيفة أيضًا، إلا مع فعل الاثنين وفعل جماعة النساء، فإن الخفيفة لا تدخلها بحال. وكل حكم لزم الشديدة فإنه يلزم الخفيفة، إلا في حال الوقف. فإن الخفيفة تبدل ألفًا إذا كان ما قبلها مفتوحًا، وإذا لقيها ساكن فإنها تحذف. وهذا أصل مستمر في كل فعل أمر أو نهي أو استفهام أو قسم».
فإن هذه جملة مختصرة في أحكام أواخر الفعل المضارع وما تصرف منه، لا يستغنى عنها لكثرة دورها، واختلاف اللفظ بها، ووقوع الغلط واللبس فيها. وقد انشرح بعضها في غضون بعض ما تقدم، وبقيت مواضع متفرقة تحتاج إلى علمها.
فالعلة في تصريف الأفعال على خمسة أوجه إرادة الدلالة على المعااني المقصودة، لأن الأفعال أمثلة أتي بها للدلالة على الأزمنة المختلفة. ولولا ذلك لأغنت المصادر عنها، لأن المصادر تدل على الحدث. ولكن إرادة الدلالة على
[ ١ / ٢٠٤ ]
الزمان الماضي، والزمان الحاضر، والزمان المستقبل، والأمر، والنهي، أوجب تصرف الأفعال هذا التصرف. وكل واحد من هذه الخمسة فإنه مع ضمير الغائب والمخاطب لا يخلو من خمس مسائل، كيف يستعمل مع المذكر، ومع المؤنث، ومع الاثنين منهما، ومع جماعة المذكر، ومع جماعة المؤنث. مثل: حضر، وحضرت، وحضرا، وحضروا، وحضرن. ويحضر، وتحضر، ويحضران، وتحضران، ويحضرون، ويحضرن. واحضر، واحضري، واحضرا، واحضروا، واحضرن، ولا تحضر، ولا تحضري، ولا تحضرا، ولا تحضروا، ولا تحضرن. لا يخلو فعل من جميع [هذه] الأفعال المتصرفة من استعماله على هذه الوجوه المختلفة. وقد تقدم في أول المقدمة في فصل المضمرات من حد «نفعت» وأخواتها و«نفعني» وأخواتها ما فيه مع هذا بيان كاف.
وجميع هذا كله إنما يكون في الفعل المتصرف. وكل الأفعال متصرفة، إلا ما أخرج عن بابه وألزم طريقة واحدة، فإنه منع التصرف، وذلك فعل التعجب، ومثاله: ما أحسن زيدًا. ونعم، وبئس، ومثالهما: نعم
[ ١ / ٢٠٥ ]
الرجل زيد، وبئس الرجل زيد. وعسى، ومثالها: عسى زيد أن يفعل وليس، ومثالها: ليس زيد فاعلًا. فإن هذه [الأفعال] لا يستعمل لها مضارع ولا أمر ولا نهي ولا شيء مما ذكر من التصرف في الفعلية. والعلة في ذلك أنها جعلت أنفس المعاني ودالة عليها فسلبت التصرف إيذانًا بالمعاني المختصة بها. وستراها في فصولها من هذه المقدمة إن شاء الله.
والعلة في حدوث ألف الوصل والقطع في الأمر من جميع ما ذكرنا، أن ما بعد حرف المضارعة ساكن في الغالب، وإذا كان ساكنًا - وقد حذفت حروف المضارعة - وجب أن يدخل شيء يوصل به إلى النطق بالساكن، لأنه لا يمكن الابتداء بساكن، فاجتلبت له الهمزة الساكنة لأن الحركة لا يقدم عليها إلا بدليل. ولما اجتلبت ساكنةً حركت لالتقاء الساكنين. ولما حركت لالتقاء الساكنين كسرت تارة وضمت أخرى. فكسرت إذا كان الثالث مكسورًا أو مفتوحًا، لأن الفتح أخو الكسر. وضمت إذا كان الثالث مضمومًا ضمًا لازمًا، للاتباع. وإنما قلنا «ضمًا لازمًا» احترازًا من الضم العارض فإنه لا يراعى بل يكسر، مثل قولك في الأمر من المشي: امشوا، ومن الجري: اجروا، فقد كسرت والثالث مضموم لأن الضمة عارضة على الشين، وأصلها امشيوا، بكسر الشين. وإنما حذفت ضمة الياء للاستثقال فبقيت [الياء] ساكنة، والتقى ساكنان - الياء والواو - فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وضم ما قبل الواو لتصح الواو. وهي عارضة وليست بأصل في العين. ومن هاهنا
[ ١ / ٢٠٦ ]
/ لم يختلفوا في كسرة النون من قوله تعالى (أن امشوا واصبروا)، كما [٣٠] اختلفوا في قوله: (أن اقتلوا أنفسكم) بكسر النون وضمها، لكونها عارضة في «امشوا» وغير عارضة في «اقتلوا».
ومعنى قولنا: «في الغالب» احترازًا من ثلاثة أفعال، وهي: يأخذ ويأكل ويأمر، إذا أمرت منها. فإن هذه كان قياسها أن يؤتى بألف الوصل فيها كما أتى بها في غيرها، وأن يقال: «أؤكل»، «أؤخذ»، «أؤمر». ولكن ترك ذلك لاجتماع همزتين في الأصل، فحذفت الهمزة التي كانت فاء ساكنة. ولما حذفت لم يحتج إلى ألف الوصل، لأن الذي بعد الهمزة المحذوفة متحرك فأتي به من غير همزة وصل معه، فقيل: «خذ»، «كل»، «مر». قال تعالى: (خذوا ما آتيناكم بقوة)، وقال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة)، وقال [تعالى] (كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا). فأما «مر» فإن الذي جاء في التنزيل: (وأمر أهلك بالصلاة)، فإن واو العطف أغنت عن همزة الوصل فلم تحذف الفاء، ولو جاء على حد «خذ» و«كل» لجاز. فإن قيل: فأين تسقط همزة الوصل أبدًا ولا يكون لها حكم في الثبات؟ . قيل: تسقط أبدًا في الوصل لأن الوصل يغني عنها ويوصل إلى الساكن
[ ١ / ٢٠٧ ]
نونا التوكيد
الذي لأجله جيء بها. فلذلك إذا تقدمتها همزة الاستفهام انحذفت، مضمومة كانت أو مكسورة، في اسم كانت أو في فعل. مثال الاسم: أبنك أحب إليك أم أبوك، أسمك زيد أم عمرو، ولا يجوز المد في هذا، لأن همزة الاستفهام قد أزال فتحها اللبس بين الاستفهام والخبر، فإذا كانت خبرًا كانت همزة الوصل مكسورة في حال الابتداء، وهو قول: اسمك فلان. فإن كانت همزة الوصل مفتوحة، وهي التي تكون مع الألف واللام من نحو: الرجل والغلام، فإن هذه إذا دخلت معها ألف الاستفهام مددت ولم تحذفها فقلت: ءآلرجل عندك، لأنك لو حذفتها لالتبس الخبر بالاستخبار. قال الله سبحانه: (ءآلله أذن لكم)، (ءآلذكرين حرم أم الأنثيين). فقس على ذلك [موفقًا إن شاء الله تعالى].
قال الشيخ ﵀: ومعنى قولنا «وكل حكم لزم الشديدة فإنه يلزم الخفيفة، إلا في حال الوقف فإنها تبدل ألفًا إذا كان ما قبلها مفتوحًا، فإذا لقيها ساكن فإنها تحذف» أن الحكم في الشديدة والخفيفة حكم واحد. وهو أن الفعل المضارع معهما مبني على ما ذكر، من الفتح مع المذكر، والكسر
[ ١ / ٢٠٨ ]
مع المؤنث، والضم مع جماعة الرجال، لا يختلف حكمهما في شيء من ذلك. وإنما يختلفان في أشياء أخر غير ذلك.
منها أن التأكيد بالشديدة آكد من التأكيد بالخفيفة. فالتأكيد بالنون الشديدة بمنزلة التأكيد باسمين في قولك: قام القوم كلهم أجمعون. والتأكيد بالنون الخفيفة بمنزلة التأكيد باسم واحد من قولك: قام القوم كلهم.
ومنها أن تأكيد الخفيفة لا يقع في تثنية ولا مع نون جماعة النساء، لئلا يجمع بين ساكنين. لأن ألف التثنية ساكنة والنون ساكنة، وكذلك [ألف الفصل بعد] نون جماعة النساء ساكنة، ولا يجوز كسرها لالتقاء الساكنين، لأن نون التأكيد الخفيفة لا تحرك بحال خلافًا للتنوين الذي في الأسماء. وهذا أحد الفروق بين النون الخفيفة المؤكدة وبين التنوين في الأسماء. فإما قراءة ابن عامر: (فاستقيما ولا تتبعان) - بتخفيف النون وكسرها - فليست النون نون تأكيد ولا «لا» حرف نهي، وإنما النون نون إعراب وعلامة
[ ١ / ٢٠٩ ]
رفع و«لا» حرف نفي، والجملة في موضع نصب، وانتصابها على الحال، لأن الواو التي قبلها واو حال، فكأنه قال: فاستقيما وانتما غير متبعين [سبيل الذين لا يعلمون]، أي استقيما في هذه الحال. فموضع هذه الجملة نصب [على الحال]. وإن شئت قدرتها: فاستقيما غير متبعين. فهذا التقدير تقدير المفردات، والأول تقدير الجمل، لأن واو الحال مقدرة بالجمل، وتلك الجمل في موضع نصب على الحال. تقول: جاء فلان وما له عقل، أي [جاء] غير عاقلٍ، أو: جاء لا عاقلًا.
ومنها أن نون التأكيد الخفيفة لا تثبت في الوقف كما لا يثبت التنوين في الأسماء في الوقف، وإنما تثبت في الوصل كما يثبت التنوين [في الأسماء] في الوصل، فتقول: اضربن يا زيد، واضربن يا هند، واضربن يا رجال. فإذا وقفت ذهبت النون من جميع ذلك فقلت للمذكر: اضربا، بالألف. والألف بدل من النون الخفيفة مثل التنوين في النصب إذا قلت: اضرب زيدًا. ومع المؤنث: اضربي، تذهب النون وتعود الياء التي كانت للمؤنث، لأنها إنما انحذفت لالتقاء الساكنين. وفي الجماعة: اضربوا، تعود الواو لأن حذفها إنما كان لالتقاء الساكنين. فإن كان الفعل مرفوعًا عادت النون التي كانت للإعراب. [٣١] وهذا من عجائب الأشياء إعراب يزول وصلًا / ويثبت وقفًا. وذلك قولك [في الوصل]: هل تضربن يا هند، فإذا وقفت قلت: هل تضربين. فهذه النون التي في الوقف هي النون التي كانت في الأصل علامة الإعراب
[ ١ / ٢١٠ ]
للرفع. وإنما زالت لأجل نون التأكيد، [فلما زالت نون التأكيد] في في الوقف، وعادت الياء عادت نون الإعراب وسكنتها لأنك لا تقف على متحرك. وكذلك تفعل [أيضًا] مع جماعة المذكر، تقول: هل تضربن يا رجال. وإذا وقفت قلت: هل تضربون. فعادت الواو والنون لما ذكرنا. ومنها أن نون التأكيد الخفيفة إذا لقيها ساكن من كلمة بعدها حذفت، بخلاف التنوين. لأن التنوين يحرك لالتقاء الساكنين. مثل: (قل هو الله أحدن الله الصمد)، وهذه تحذف. تقول: اضرب الرجل. كان أصله اضربن رجلًا، فلما دخلت الألف واللام في «الرجل» التقى ساكنان، فحذفتها لالتقاء الساكنين. بخلاف التنوين، لأن التنوين أمكن وأقوى في الأسماء فثبت وحرك. والنون الخفيفة دون ذلك، فلذلك حذفت ولم تحرك. ولما حذفت بقيت الحركة التي قبلها على ما هي عليه لتدل على المحذوف. وأما اختصاص هاتين النونين بفعل الأمر والنهي والاستفهام والقسم، فلأن الأصل في دخولهما أن يكون على فعل غير واجب، فلا يجوز إدخالهما
[ ١ / ٢١١ ]
خواص الفعل
في الكلام الخبري، لا يجوز «زيد يقومن»، ولا «يقومن». وأكثر استعمالهما فيما ذكرناه من هذه المواضع فلذلك لم يجز أن أن تتعدياها.
وأما قولنا: «وجملة خواص الأفعال لا تخلو أيضًا من أربعة أقسام. إما أن تكون من أوله، مثل: قد والسين وسوف. وإما من آخره، مثل اتصال الضمير به على حد فعلا وفعلوا وفعلن. وإما من جملته، مثل كونه أمرًا، أو نهيًا، أو متصرفًا. وإما من معناه، مثل كونه خبرًا ولا يخبر عنه».
فإن الغرض بهذا التفصيل حصر خواص الأفعال، كالغرض في حصر خواص الأسماء. فأجملت ها هنا خواص الأفعال، كما أجمل فيما تقدم خواص الأسماء من الجهات الأربع.
فالأولية مثل «قد»، ومعناها مع الماضي التوقع والتقريب، مثل: قد قام. ومع المستقبل التقليل، مثل: قد يقوم.
و«السين» و«سوف»، ومعناهما التنفيس في الأزمان، إلا أن زمان «سوف» أنفس في الاتساع من [زمان] «السين»، كقولك: سيقوم، وسوف يقوم.
ويلحق بالخواص الأولية الجوازم كلها، مثل «لم» و«لما» و«لام الأمر» و«لا» في النهي، و«إن» في المجازاة. ويلحق بها أيضًا «لو» لأنها مختصة بالأفعال.
[ ١ / ٢١٢ ]
والآخرية مثل اتصال الضمير به على حد: فعلا وفعلوا وفعلن، مثل: ضربا، وضربوا، وضربن، ويضربان، وتضربون [وتضربين]. ولذلك حكمنا على «ليس» بالفعلية لأنك تقول: ليسا وليسوا ولسن. وكذلك حكمنا على «عسى» بالفعلية، لقولك: عسى [وعسيا] وعسوا وعسين. ويلحق بذلك تاء التأنيث التي تكون [تاء] في الوصل والوقف، مثل ضربت هند، وهند ضربت. ولذلك حكمنا على «نعم» و«بئس» بالفعلية، لأنك تقول: نعمت المرأة [هند]، وبئست المرأة [هند].
ويلحق به بناؤه على الفتح من غير عارض عرض له. ولذلك حكمنا على فعل التعجب من مثل: «ما أحسن زيدًا» بالفعلية، وبغير ذلك. بدخول نون الواقية [فيه]، مثل: ما أحسنني، وما أصنعني. وهذه النون لا تكون إلا في الأفعال خاصة وما شبه بالأفعال، فلذلك كانت من خواص الأفعال. والتي من جملته من الأمر والنهي والتصرف ظاهر. يجمعه التصرف بالماضي والحاضر والمستقبل والأمر والنهي. مثل: فعل، يفعل، سيفعل، افعل، لا تفعل. فهذا تصرف [في] جملة الكلمة، وتلعب بها من جميع جهاتها. ولا يكون ذلك إلا في الأفعال دون غيرها. فأما أسماء الفاعلين من نحون: الآكل والشارب، والمفعولين من نحو: المأكول والمشروب،
[ ١ / ٢١٣ ]
وأسماء الحدث من نحو: الأكل والشرب، وأسماء الأفعال من نحو: أكال وشراب ونزال وتراك، وأسماء الزمان والمكان من نحو: المأكل والمشرب، لمكان الأكل والشرب وزمانيهما، فإن جميع ذلك على اختلاف أنواعه أسماء، لصحة علامة الإسمية فيها. فكان الأفعال كلها خمسة، والأسماء المشتقة منها خمسة. والأفعال التي لا تنصرف خمسة مع ما حمل عليها. فاحفظ ذلك فإنك تحيط بمشيئة الله تعالى معه بجميع الأفعال حتى لا يشكل عليك منها شيء، ولا من الأسماء، ولا يكون ما عدا ذلك حروفًا على ما يأتي تعديده في فصل الحروف.
والتي في معناه مثل كونه خيرًا ولا يخبر عنه. فالأفعال الخبرية هي التي تحتمل الصدق والكذب من نحو: فلان سافر، وما سفر فلان، وفلان فعل كيت وكيت وما فعل كيت وكيت. فأما الأوامر والنواهي من نحو: افعل، ولا تفعل، فليست بأخبار لأنها ليست محتملة صدقًا ولا كذبًا. وكذلك الاستخبار [٣٢] من نحو [قولك]: أقام فلان أملم يقم؟ . / فاعرف ذلك وقس عليه [تصب] إن شاء الله.
[ ١ / ٢١٤ ]