قال الشيخ [أبو الحسن] ﵀: أما قولنا: «الرفع ما جلبه عامل الرفع لفظًا كان أو تقديرًا».
فإن المراد باللفظ ما كان من إعراب الأسماء الصحيحة، مثل: فلس والفلس وأفلس وشبهه، وأحمد ومسلمات. والمراد بالتقدير ما كان معتلًا كالقاضي والعمى ونحوه، فجمعنا الأمرين. لأن الرفع بالحركة يظهر في الصحيح لخفته، ويقدر في المعتل لثقله. وقلنا: «ما جلبه عامل الرفع» احترازًا مما لم يجلبه عامل من المبنيات، مثل: «قيل» و«بعد» و«نحن» وشبهه، لأن الرفع في المعرب إنما يكون بعامل والعامل جلبه.
فأما قولنا: «وجملة علامات الرفع أربع: الضمة والواو والألف والنون».
فإن الأصل من هذه الأربع الضمة، لأن الضمة حركة، وأصل الإعراب أن يكون بالحركات.
وقولنا: «فالضمة أبدًا تكون في نوعين، في الأسماء السالمة، والأفعال [المضارعة] السالمة. مثل قولك: زيد يفعل، ونحوه». احترازًا من الأسماء المعتلة كالقاضي والغازي، والأفعال المعتلة كيقضي ويرمي.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وقولنا: «والواو تكون في سبعة أسماء». لأن الستة منها مفردة معتلة مضافة، وهي: أخوه وأبوه وحموه وفوه وهنوه وذو مال. والسابع هو جمع السلامة، كله في حال الرفع، نحو: المسلمون والصالحون والزيدون [والعمرون] ونحوه.
[وقولنا]: «والألف تكون في تثنية الأسماء خاصة على جميع صفاتها، مثل قولك أخواه وأبواه والمسلمان والهندان والقاضيان والفتيان والحبليان والحمراوان». وإنما جعل مرفوع االتثنية بالألف دون الواو لما ذكر في فصل الأسماء المعربة العشرة.
[وقولنا]: «والنون في تثنية فاعل الفعل وجمعه والواحدة المؤنثة، مثل: تفعلان ويفعلون وتفعلين». وإنما قلنا في تثنية فاعل الفعل وجمعه ليدخل في ذلك الغائب والمخاطب نحو تفعلان ويفعلان وتفعلون ويفعلون. ولا يصح أن تقول «في تثنية الفعل وجمعه» لأن الأفعال لا تثنى ولا تجمع. وهذه
[ ٢ / ٢٨٦ ]
الأمثلة الخمسة من الفعل أفعال معربة لا حرف إعراب فيها، لأن النون في جميعها إنما هي علامة الرفع وليست بحرف إعراب. لأن حرف الإعراب في الصحيح لا يزول بالعامل، وهذه النون تزول بالعامل. فدل على أنها علامة إعراب، وليست بحرف إعراب وكذلك ما قبلها.
وأما الياء في تفعلين، والواو في تفعلون، والألف في تفعلان فليس واحد منها حرف إعراب. لأن هذه الأشياء [كلها] فاعلات، والفاعل لا يكون حرف إعراب للفعل، بل هو اسم له حكمه. وليس ما قبل هذه الأسماء من الحروف المجاورة لها بحرف إعراب، لأن ذلك الحرف قد اشتغل بحركات هذه الضمائر. فالفتحة في لام «تفعلان» للألف، والضمة في لام «تفعلون» للواو، والكسرة في [لام] تفعلين للياء. فثبت بهذا التعليل أن هذه / الكلم [٤٧] أفعال معربات لا حرف إعراب فيها. فهذا مذهب المحققين، فاعرفه.
فإذا قيل لك: ما الفرق بين الألف في قولك «القائمان» وفي قولك «يقومان»، والواو في قولك «القائمون» [وفي قولك] «يقومون»؟ .
فقل: الألف في [قولك] «القائمان» والو في [قولك] «القائمون» حرف، وهي في [قولك] «يقومان» و«يقومون» اسم.
فإن قيل: هذه دعوى.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
جملة المرفوعات سبعة
فقل: قد قام الدليل على كون الألف والواو في الأسماء حروفًا، وهو انقلابها في الجر والنصب إلى الياء، لأن التغيير إنما هو للحركات والحروف. وليست كذلك الألف والواو في «تفعلان وتفعلون» لأنها ضمائر. وأنفس الأسماء لا تنقلب.
***
وأما قولنا: «وجملة المرفوعات التي تكون فيها إحدى هذه العلامات سبعة، وهي: المبتدأ، والخبر، والفاعل، واسم ما لم يسم فاعلا، واسم «كان وأخواتها»، وخبر «إن وأخواتها»، والفعل المستقبل إذا لم يكن معه ناصب ولا جازم».
فإنه لما حصرت علامات الرفع، وهي أربع، حصرت أيضًا جملة المرفوعات بأنها سبع. فواحد من هذه السبعة فعل، وهو الأخير. وستة أسماء، وهي الستة الأول. لأن المبتدأ في الغالب لا يكون إلا اسمًا، وكذلك الخبر إذا كان مفردًا، وكذلك الفاعل، وكذلك اسم ما لم يسم فاعله في الغالب، وكذلك اسم كان وأخواتها وخبر إن وأخواتها. ولما كانت [هذه] الستة متآخية رتبت هذا الترتيب.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
فالمبتدأ وخبره أخوان، ومثالهما: الله ربنا، ومحمد نبينا، وإنما كانا أخوين لأن كل واحد منهما هو الآخر [في المعنى]، وعاملهما معنوى. والفاعل واسم ما لم يسم فاعله أخوان، لأن الاسم في كل واحد منها يرتفع باسناد الفعل إليه، المقدم عليه، مثل: ضرب زيد عمرًا، وضرب عمرو. فضرب فعل ماض، وزيد مرفوع بإسناد الفعل إليه، وكذلك ضرب عمرو. واسم كان مع أخواتها وخبر إن مع أخواتها أخوان، لأن المنصوب في كل واحد منهما هو المرفوع [في الآخر] إذا قلت: كان زيد قائمًا، وإن زيدًا قائم، ونحوه. وإنما كان هذان الضربان مشبهين بالفاعل الحقيقي لأن «كان وأخواتها» ليست بأفعال حقيقية، وإنما هي أفعال موضوعة للزمان مجردة من معنى الحدث.
و«إن وأخواتها» حروف فلذلك كان مرفوعها مشبهًا بغيره لا حقيقيًا في نفسه. فقد صار الرفع الحقيقي للأربعة الأول، أعني المبتدأ، والخبر، والفاعل، واسم ما لم يسم فاعله.
والأصل من هذه الأربعة إنما هو المبتدأ والفاعل، لأن الخبر محمول على المبتدأ، واسم ما لم يسم فاعله قام مقام الفاعل. فقد صار أصل الرفع لشيئين، المبتدأ وما حمل عليه، والفاعل وما أقيم مقامه. فوجب حينئذ معرفة الفرق بين
[ ٢ / ٢٨٩ ]
عامل المبتدأ وعامل الفاعل. فعامل المبتدأ معنوي، وعامل الفاعل لفظي. فإذا قلت: الله ربنا. فاسم الله مبتدأ مرفوع بالابتداء، وهذا الابتداء الذي نشير إليه معنوي، وهذا المعنوي هو كون [هذا]. الاسم على هذه الصفة مبتدأ به، مخبرًا عنه بغيره، مجردًا من العوامل اللفظية. لأنه لو دخل عليه عامل لفظي من باب كان وأخواتها وظننت وأخواتها [وإن وأخواتها] لارتفع حكم الاسم [عن] أن يكون مبتدأ، وصار معمولًا لذلك الفعل اللفظي والحرف اللفظي. وسترى هذا في فصل العوامل إن شاء الله تعالى. وإنما القصد ها هنا حصر المرفوعات، وهي لا تخلو من هذه الأقسام السبعة.
وأما قولنا: «والفعل المستقبل يرتفع بالمعنى، وهو وقوعه موقع الاسم وذلك إذا لم يكن معه ناصب ولا جازم. مثاله: هو يفعل ويصنع، [ونحوه]».
فجملته أن المعرب من الكلام صنفان: الأسماء المتمكنة، والأفعال المضارعة. فالأسماء المتمكنة هي الأقسام العشرة المذكورة في أول المقدمة، كلها يجوز استعمالها في هذه المرفوعات الستة فيحصل لك من الأصل ستون مسألة، عشر في المبتدأ، وعشر في الخبر، وعشر في الفاعل، وعشر في اسم ما لم يسم فاعله، وعشر في اسم كان، وعشر في خبر إن. فإن خالفت تفرع ذلك وخرجت إلى ما لا يحصى كثرة لكن هذا تنبيه على استعمال المسائل، مثل: فلس جيد
[ ٢ / ٢٩٠ ]
خير من فلس رديء، والفلس الجيد خير من الرديء، وأحمد رجل جيد، والمسلمات مؤمنات، والقاضي عادل، والفتى نشيط، والحبلى مثقلة، وأخوك فلان، والزيدان قائمان، والزيدون قائمون. كل هذا مبتدأ وخبر. وكذلك إذا استعملتها أخبارًا، / وكذلك إذا استعملتها فاعلات، وكذلك إذا استعملتها في [٤٨] بقية الأبواب الستة استعملتها على [حد] ما يوجبه حكم كل باب منها.
فإذا صح لك ذلك في باب الأسماء المظهرة انتقلت إلى الأسماء المضمرة واستعملتها في هذه الستة على [حد] ما مثلنا في فصل المظهرة. ثم إذا فرغت من المضمرات انتقلت إلى أسماء الإشارة، ثم إلى الأسماء الموصولة. فإما الاستفهامية فلا مدخل لها في باب الفاعل، ولا في باب ما لم يسم فاعله، ولا في باب كان وأخواتها، ولا في باب إن وأخواتها. وإنما تقع أسماء الاستفهام في باب المبتدأ، لأن المبتدأ أول، وأسماء الاستفهام لها صدر الكلام، مثل: من عندك. وتقع خبرًا مثل: أين زيد، لأن الخبر قد يتقدم على المبتدأ. وقد تجمع المسائل الكثيرة في مسألة واحدة فيكون الكل مبتدأ، مثل: زيد والرجل وأحمد والمسلمات والقاضي، وكذلك البقية، ثم تقول: عندي، فتأتي بالخبر. وتقول: هذا زيد والرجل وأحمد والمسلمات والقاضي، وتسوق الباب إن شئت، فتكون خبر المبتدأ، الذي هو «هذا». وكذلك في باب الفاعل، وبقية الأبواب. وإنما أشير إلى مثل هذا لتتدرب في المسائل.
[ ٢ / ٢٩١ ]
المبني على الضم
فهذه أحكام في الأسماء المعربة [المتمكنة] وغير المتمكنة.
وأما الفعل المستقبل فرفعه من جهة واحدة، وهو وقوعه موقع الاسم. وهو إذا لم يكن معه ناصب ولا جازم. فإذا قلت: «هو يفعل»، فـ «هو» اسم مضمر مبتدأ مرفوع الموضع، و«يفعل» فعل مستقبل مرفوع، لأنه لا ناصب معه ولا جازم، وموضعه موضع رفع خبر المبتدأ. ولو وقع صفة لكان كذلك مثل: هو رجل يفعل، فيفعل مرفوع، وموضعه موضع رفع صفة لرجل. وإذا وقع خبرًا لكان فهو كذلك، مثل: كان زيد يفعل، إلا أن موضع «يفعل» نصب في التقدير لكونه خبرًا لكان. وكذلك إذا وقع في باب «إن» كان على حاله، وموضعه رفع لأن خبر «إن» مرفوع، مثل: إن زيدًا يفعل. ولو دخله الناصب لنصبت وقلت: إن زيدًا لن يفعل، واعتقدت أن موضع الجملة - التي هي خبر - رفع، والتقدير إن زيدًا غير فاعل. وكذلك مع الجزم [مثل]: إن زيدًا لم يخرج، موضع الجملة رفع، فلا يختلف الحكم في الأصول المقدرة من جميع ما ذكرات.
***
وأما قولنا: «فهذه جملة المرفوعات، وما عداها فمبني على الضم، وليس بمرفوع. وذلك ثلاثة أنواع. نوع من الأسماء المناداة، وهو كل اسم مفرد
[ ٢ / ٢٩٢ ]
معرفة أو مخصوص، مثل: يا زيد، ويا رجل. وقوع من الظروف والغايات، وهو كل ما قطع عن الإضافة، مثل قبل وبعد. ونوع من المضمرات، وهو تاء ضمير المتكلم»، مثل: فعلت، «ونون ضمير الجماعة». مثل: نحن، «وكاف خطاب الاثنين والجماعة والتاء منهما»، نحو قولك: أنتما وأنتم وأنتن ورأيتكما ورأيتكم ورأيتكن. فإن الغرض في ذكر هذه الأسماء إعلامك الفرق بين آلات الإعراب وآلات البناء. فآلات الإعراب تسمى رفعًا ونصبًا وجرًا وجزمًا. وآلات البناء لم تحدث بعامل فسميت بتسمية لغوية يفهمها المخاطب من أول وهلة بلا كلفة، إذ الضم بضم الشفتين، والفتح بفتحهما مع كونه من الحلق، والكسر بإضجاع اللسان في وسط الفم، والسكون هو سلب الحركات. فلذلك سمي جميع ما في هذا الفصل «ضمًا» لا «رفعًا»، للعلة المذكورة. فهذه التسمية في المبني لغوية، وفي المعرب صناعية.
[وأما قولنا]: «فأما شد ومد وما أشبههما من الأفعال فإنما حركته
[ ٢ / ٢٩٣ ]
حركة إتباع لا حركة بناء». فإن حركة البناء ما لزمت طريقة واحدة ولم تفارق، وهذه يجوز فيها الضم على الاتباع، والفتح على التخفيف، والكسر على أصل التقاء الساكنين. مثل شد وشد وشد. فلذلك سميت في حال الضم ضمة إتباع. وليس في الأفعال شيء بني على الضم بناء لازمًا، وإنما جاء الضم لازمًا في الأسماء وفي حرف واحد وهو «منذ» في من جر بها. والأسماء [مثل]: قيل وبعد إذا قطعا عن الإضافة، كقوله سبحانه (لله الأمر من قبل ومن بعد). أصله لله الأمر من قبل الأشياء ومن بعد الأشياء، فقطع قبل وبعد عن [هذه] الإضافة، وضمنا معناها فأشبها الحرف فبنينا بناء الحرف، وأعطيا الحركة لأن لهما أصلًا في التمكن، وخصا بالضمة لأنها حركة لا تكون للظرف إعرابًا فلم تلتبس بحركة الإعراب.
وأما الضمة في المنادي مثل: يا زيد ويا رجل، فإنها ضمة بناء تشبه حركة الإعراب. فكونها حركة بناء لوقوعها موقع حروف للخطاب من جهة لزومها لكل اسم مفرد علم أو منزل منزلته. فكون ذلك مطردًا اطرادًا شائعًا أشبه [٤٩] الفاعل في اطراده في بابه /، فأشبهت لذلك حركة الإعراب. ولذلك جاز
[ ٢ / ٢٩٤ ]
أن يحمل النعت على لفظها [وأن يحمل على موضعها]، بخلاف غيرها من حركات البناء الموغلة في البناء، ألا تراك تقول: يا زيد العاقل، بالرفع - إن شئت - حملًا على اللفظ، والعاقل، بالنصب، حملًا على الموضع. ولا يجوز مثل هذا في «يا هؤلاء الظرفاء»، بالجر حملًا على كسرة الهمزة من «هؤلاء»، لأن هذه حركة لا تشبه حركات الإعراب. فاعرف الفرق بين حركة الإعراب الخالصة وبين حركة البناء الخالصة، وبين حركة البناء المشبهة بحركة الإعراب وبين حركة الإعراب المشبهة بحركة البناء. فالأول: زيد، والرجل، وأحمد، والمسلمات ونحوه. كل هذه حركات إعراب خالصة، يحمل التابع على لفظها، ويعطى أحكام الإعراب الصحيح الخالص. والثاني مثل: هؤلاء، وأمس، ونزال، وتراك، وأحد عشر إلى تسعة عشر، ونحوهن. وقبل، وبعد، ونحن، وفعلت وصنعت. كل هذه حركات بناء خالصة لا يجوز حمل التابع على لفظها. والثالث مثل حركة المنادى المضموم، من نحو: يا زيد، ويا عمرو، ويا رجل. فهذه حركة بناء تشبه حركة الإعراب، فلذلك جاز حمل النعت بالمفرد على لفظها، مثل: يا زيد العاقل. والرابع مثل فتحة ما لا ينصرف في حال الجر، وكسرة [التاء مع] جمع المؤنث في حال النصب، من قولك: مررت بأحمد، فهذه حركة إعراب تشبه حركة البناء، ولأجل هذا لم يحمل النعت على لفظها، لا تقول: مررت بأحمد الظريف، حملًا على الفتحة، وإنما تجر فتقول: [مررت] بأحمد الظريف. وكذلك:
[ ٢ / ٢٩٥ ]
رأيت المسلمات الصوالح، ولا تقول «الصوالح»، حملًا على كسرة التاء، لأنها كسرة إعراب تشبه حركة البناء، فلم يحمل النعت عليها، كما لا يحمل النعت على حركة البناء الخالصة، تقول: هؤلاء النساء المطلقات، فالنساء نعت لهؤلاء على الموضع دون اللفظ لما ذكرت لك. فهذه فائدة، معرفة حركات الإعراب الخالصة وغير الخالصة، وحركات البناء الخالصة وغير الخالصة.
***
[ ٢ / ٢٩٦ ]