إنما ذكر هذه الأحرف هنا لأنها من جملة أدوات الشرط لاحتياجها إلى جواب وبدأ منها بأما فقال: (أمّا كمهما يك من شئ) يعنى أن موضع أما صالح لمهما يك من شئ لأن معناها كمهما يك من شئ لأن أما حرف ومهما يك من شئ اسم وفعل ومتعلقه، ولما علم أنها نابت عما ذكر نبه على ما تجاب به فقال:
(وفا * لتلو تلوها وجوبا ألفا) يعنى أن الفاء تدخل على تالى تاليها نحو أما زيد فقائم والأصل مهما يك من شئ فزيد قائم ولما حذفوا أداة الشرط وفعله وقامت أما مقامهما كرهوا أن تلى الفاء حرف الشرط فقدموا بعض الجملة الواقعة جوابا إصلاحا للفظ وفهم من قوله لتلو تلوها أن الفاء لا تلى أما وأنه لا يفصل بين أما والفاء إلا بشئ واحد وشمل المبتدأ نحو أما زيد فقائم والخبر نحو أما قائم فزيد والمفعول نحو قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى: ٩] والظرف نحو أما اليوم فزيد قائم والمجرور نحو أما فى الدار فزيد قائم، وأما المبتدأ وخبره كمهما يك من شئ وفا مبتدأ وخبره ألفا ولتلو متعلق بألفا ومعنى تلو تال، ووجوبا نصب على الحال من الضمير فى ألف وتجوز فى قوله وجوبا وإنما ذلك الأكثر، ولذلك قال:
_________________
(١) البيت من الكامل، وهو لكثير عزة فى ديوانه ص ٤٤١، والخصائص ١/ ٢٧، ولسان العرب ١٢/ ٥٢٣ (كلم)، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٦٠، وبلا نسبة فى الجنى الدانى ص ٢٨٣، وشرح الأشمونى ٣/ ٦٠٣، وشرح ابن عقيل ص ٥٩٥. والشاهد فيه قوله: «لو يسمعون» حيث جاء الفعل المضارع بعد «لو» مصروفا معناه إلى المضىّ، لأن الغالب دخول «لو» التى للتعليق على الفعل الماضى الذى هو مبنىّ.
[ ٢٩٦ ]
وحذف ذى الفا قلّ فى نثر إذا لم يك قول معها قد نبذا
يعنى أن الفاء المجاب بها أما تحذف فى النثر قليلا كقوله ﵊: «أما بعد ما بال قوم يشترطون شروطا ليست فى كتاب الله» وفهم منه أنه يكثر فى النظم كقول الشاعر:
- فأما القتال لا قتال لديكم (٢٠٠)
وفهم أيضا من قوله: إذا لم يك قول معها قد نبذا، أى طرح وكنى به عن الحذف أنه يكثر أيضا كقوله ﷿: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ [آل عمران: ١٠٦] أى فيقال لهم أكفرتم. وحذف مبتدأ وذى اسم إشارة والفاء نعت وقل خبر المبتدأ وفى نثر متعلق بقل وكذلك إذا وقد نبذا خبر يك ومعها متعلق بنبذ. ثم إن لولا ولو ما على نوعين: أحدهما أن يكونا مختصين بالاسم، والآخر أن يكونا مختصين بالفعل، وقد أشار إلى الأول بقوله:
لولا ولو ما يلزمان الابتدا إذا امتناعا بوجود عقدا
يعنى أن لولا ولو ما إذا عقدا أى ربطا امتناعا بوجود، ويقال أيضا لوجود فإنهما يلزمان الابتداء يعنى المبتدأ والخبر نحو لولا زيد لأكرمتك ولو ما عمرو لجئتك وخبر المبتدأ بعدهما واجب الحذف وقد تقدم فى باب الابتداء. فلولا مبتدأ ولو ما معطوف عليه ويلزمان خبرهما والابتداء مفعول بيلزمان وامتناعا مفعول بعقدا وبوجود متعلق بعقدا وإذا متعلق بمحذوف وهو الجواب الدال عليه يلزمان ثم أشار إلى الاستعمال الثانى فقال: (وبهما التحضيض مز وهلّا * ألّا ألا) يعنى أن لولا ولو ما يميز بهما التحضيض أى يدلان عليه كقوله تعالى: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ [الفرقان: ٢١] وقوله ﷿: لَوْ ما تَأْتِينا [الحجر: ٧] ويشارك لولا ولو ما فى التحضيض نحو هلا تأتينا وألا تصل إلينا وألا تقبل علينا وهذه الأحرف أعنى لولا ولو ما وما
_________________
(١) عجزه: ولكنّ سيرا فى عراض المواكب والبيت من الطويل، وهو للحارث بن خالد المخزومى فى ديوانه ص ٤٥، وخزانة الأدب ١/ ٤٥٢، والدرر ٥/ ١١٠، وبلا نسبة فى أسرار العربية ص ١٠٦، والأشباه والنظائر ٢/ ١٥٣، وأوضح المسالك ٤/ ٢٣٤، والجنى الدانى ص ٥٢٥، وسر صناعة الإعراب ص ٢٦٥، وشرح شواهد الإيضاح ص ١٠٧، وشرح شواهد المغنى ص ١٧٧، وشرح ابن عقيل ص ٥٩٧، وشرح المفصل ٧/ ١٣٤، ٩/ ٤١٢، والمنصف ٣/ ١١٨، ومغنى اللبيب ص ٥٦، والمقاصد النحوية ١/ ٥٧٧، ٤/ ٤٧٤، والمقتضب ٢/ ٧١، وهمع الهوامع ٢/ ٦٧. والشاهد فيه حذف الفاء من جواب «أما».
[ ٢٩٧ ]
بعدهما مستوية فى الاختصاص بالفعل وإلى ذلك أشار بقوله: (وأولينها الفعلا) أى اجعلها داخلة على الفعل، وشمل الفعل المضارع نحو هلا تأتينا والماضى نحو هلا أتيت وهو بمعنى المستقبل لأنها تخلص الفعل للاستقبال. والتحضيض مفعول بمز وألا وما بعده معطوف على الضمير فى بهما ولم يعد الجار فيقول وبهلا لأن مذهبه عدم اشتراط ذلك، وها فى قوله وأولينها عائدة على الأحرف الخمسة المذكورة والفعل مفعول ثان. ثم قال:
وقد يليها اسم بفعل مضمر علّق أو بظاهر مؤخّر
يعنى أن هذه الأحرف الخمسة تدخل على الاسم على وجهين: الأول أن يكون مفعولا بفعل مضمر وشمل نوعين: أحدهما أن يكون مفسرا بالفعل الواقع بعد الاسم نحو هلا زيدا أكرمته فيكون من باب الاشتغال، والآخر يفسره سياق الكلام كقوله:
- ألا رجلا جزاه الله خيرا يدلّ على محصلة تبيت (٢٠١)
التقدير ألا ترونى، والثانى أن يكون معمولا للفعل الذى يليه نحو هلا زيدا ضربت واسم فاعل بيليها وعلق فى موضع الصفة لاسم، وبفعل متعلق بعلق.