التحذير: تنبيه المخاطب على مكروه يجب الاحتراز منه. والإغراء: إلزام المخاطب العكوف على ما يحمد عليه، وإنما ذكرهما بعد الاختصاص لشبههما به فى أنهما منصوبان بفعل لا يظهر؛ ثم إن التحذير يكون بثلاثة أشياء: الأول إياك وأخواته. الثانى ما ناب عنه من الأسماء المضافة إلى ضمير المخاطب. الثالث ذكر المحذر منه، وقد أشار إلى الأول فقال:
إيّاك والشّرّ ونحوه نصب محذّر بما استتاره وجب
[ ٢٥٦ ]
يعنى أن قولك إياك والشر ونحوه من الضمائر المنصوبة المنفصلة إذا عطف عليه نصب بفعل يجب استتاره نحو إياكما والأسد وإياكم والمخالفة. وفهم منه أن التحذير إذا كان بالضمير لا يكون إلا مخاطبا ولا يكون بضمير الغائب إلا فى الشذوذ على ما سيأتى. وفهم منه أن العامل المقدر يقدر بعد الضمير لما يلزم من تقديره قبله اتصاله به فيلزم تعدى فعل الضمير المتصل إلى ضميره المنفصل وهو ممتنع فى غير باب ظن وأخواتها فإياك والشر ونحوه مفعول بنصب ومحذر فاعل بنصب وبما متعلق بنصب وما موصولة واستتاره مبتدأ ووجب خبره والجملة صلة ما وهى واقعة على الفعل الناصب الواجب الإضمار. ثم اعلم أن إياك وأخواته تستعمل فى التحذير معطوفا عليها كما تقدم، ودون عطف، وإلى ذلك أشار بقوله:
(ودون عطف ذا لإيا انسب) الإشارة بذا للنصب بإضمار فعل لا يظهر يعنى أن إياك وأخواتها غير معطوف عليها تنصب بفعل واجب الحذف نحو: إياك من الشر. وذا مفعول بانسب ودون ولإيا متعلقان بانسب. ثم أشار إلى الثانى والثالث بقوله:
(وما * سواه ستر فعله لن يلزما) فشمل قوله وما سواه النوعين أعنى ما ناب عن إيا من الأسماء المضافة لضمير
المخاطب والمحذر منه وقوله ستر فعله لن يلزما يعنى أنهما منصوبان بفعل مضمر ويجوز إظهاره فتقول رأسك فيكون منصوبا بفعل محذوف ولك إظهاره فتقول نحّ رأسك ونحوه وتقول فى المحذر منه الأسد ولك إظهار العامل فتقول احذر الأسد وقد استثنى من ذلك نوعين أشار إليهما بقوله: (إلّا مع العطف أو التّكرار) فالعطف نحو رأسك والحائط والتكرار نحو الأسد الأسد وقد مثله بقوله: (كالضيغم الضيغم يا ذا السّارى) والضيغم الأسد والسارى اسم فاعل من سرى إذا مشى ليلا وهو مظنة الخوف من الضيغم وإنما وجب حذف العامل مع إيا لكثرة الاستعمال وأما مع العطف والتكرار فقد جعل كالبدل من اللفظ بالفعل وما مبتدأ وصلته سواه وستر فعله مبتدأ ثان وخبره لن يلزما والجملة خبر الأول وستر بفتح السين مصدر ستر والستر بكسرها هو الشئ الذى يستر به والمراد هنا الأول وقوله إلا إيجاب لنفى لن ومع متعلق بيلزم وذا فى قوله يا ذا السارى منادى والسارى صفته.
ثم قال: (وشذّ إيّاى وإياه أشذّ) قد تقدم أن إياك فى التحذير تكون للمخاطب غالبا وقد شذ ذلك للمتكلم كقول بعضهم إياى وأن يحذف أحدكم الأرنب وأشذّ منه أن يكون للغائب كقول بعضهم: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشوابّ. ثم قال:
[ ٢٥٧ ]
(وعن سبيل القصد من قاس انتبذ) وفهم منه أن بعضهم قاس ذلك فى المتكلم والغائب إلا أنه جعل قياسه منتبذا أى مطروحا وإياى فاعل وشذ وإياه مبتدأ وخبره أشذ وحذف من مع أشذ والتقدير وإياه أشذ من إياى ومن قاس مبتدأ وخبره انتبذ وعن سبيل متعلق بانتبذ. ولما فرغ من التحذير انتقل إلى الإغراء فقال:
وكمحذّر بلا إيّا اجعلا مغرى به فى كلّ ما قد فصّلا
قد تقدم حدّ الإغراء يعنى أن المغرى حكمه حكم المحذر فى جميع ما تقدم فينصب بفعل واجب الإضمار إن كان مكررا كقوله:
- أخاك أخاك إن من لا أخا له كساع إلى الهيجا بغير سلاح (١٧٤)
أو معطوفا عليه كقولك: الأهل والولد، وبفعل جائز الإضمار فى غير العطف والتكرار نحو أخاك فيجوز الزم أخاك وقد فهم من كلامه هنا ومن الترجمة ومن البيت الأول أن الباب يشتمل على التحذير وهو مصدر حذر وهو مصرح به فى الترجمة والمحذّر منه وهو مفهوم من قوله: والشر والمحذر وهو مصرح به فى قوله محذر، والمحذر به وهو اللفظ المدلول به على التحذير وهو مفهوم من قوله بما استتاره وجب. وألف اجعلا بدل من نون التوكيد الخفيفة ومغرى مفعول أول لا جعلا وكمحذر فى موضع المفعول الثانى وبلا متعلق باجعلا.