التنازع هو أن يتقدم عاملان ويتأخر عنهما معمول واحد وكل واحد من العاملين يطلبه من جهة المعنى، وقد بين ذلك بقوله:
إن عاملان اقتضيا فى اسم عمل قبل فللواحد منهما العمل
المراد بالعامل هنا الفعل أو ما جرى مجراه ولا مدخل للحرف فى هذا الباب وشمل قوله عاملان تنازع الفعلين كقوله ﷿: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا [الكهف: ٩٦] والاسمين كقول الشاعر:
- عهدت مغيثا مغنيا من أجرته فلم أتخذ إلا فناءك موئلا (٦٨)
والفعل والاسم مع تقدم الاسم كقوله تعالى: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة: ١٩] والفعل والاسم مع تقدم الفعل كقوله:
- لقد علمت أولى المغيرة أنّنى لحقت فلم أنكل عن الضرب مسمعا (٦٩)
ومعنى اقتضيا طلبا فخرج به نوعان أحدهما أن يكون أحد العاملين لا يقتضى عملا فى المتنازع فيه كقول امرئ القيس بن حجر:
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة فى أوضح المسالك ٢/ ١٨٩، وتخليص الشواهد ص ٥١٣، وشرح الأشمونى ١/ ٢٠٢، وشرح التصريح ١/ ٣١٦، والمقاصد النحوية ٣/ ٢. والشاهد فيه قوله: «مغيثا مغنيا من أجرته» حيث تقدّم عاملان وكلاهما اسم فاعل صالح للعمل فى المعمول، وهو قوله: «من أجرته» وفى كل منهما ضمير مستتر هو فاعله، وقد أعمل الثانى لقربه فنصب به «من» على المفعولية، وأعمل الأوّل فى ضميره، وحذف هذا الضمير، لأن فى ذكره إعادة على متأخر لفظا ورتبة من غير ضرورة ولو أمكنه إعمال العامل الأوّل لقال: عهدت مغيثا مغنيه من أجرته.
(٢) البيت من الطويل، وهو للمرار الأسدى فى ديوانه ص ٤٦٤، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٦٠، والكتاب ١/ ١٩٣، وللمرار الأسدى أو لزغبة بن مالك فى شرح شواهد الإيضاح ص ١٣٦، وشرح المفصل ٦/ ٦٤، والمقاصد النحوية ٣/ ٤٠، ٥٠١، ولمالك بن زغبة فى خزانة الأدب ٨/ ١٢٨، ١٢٩، والدرر ٥/ ٢٥٥، وبلا نسبة فى شرح الأشمونى ١/ ٢٠٢، وشرح ابن عقيل ص ٤١٢، واللمع ص ٢٧١، والمقتضب ١/ ١٤، وهمع الهوامع ٢/ ٩٣.
[ ١٠٩ ]
- ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفانى ولم أطلب قليل من المال (٧٠)
فإن أطلب غير طالب لقليل. الثانى أن يؤتى بالعامل الثانى توكيدا للأول كقوله:
- أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس (٧١)
فأتاك الثانى غير طالب للاحقون لأنه أتى به توكيدا لأتاك الأول وفهم من قوله فى اسم أن المتنازع فيه لا يكون أكثر من اسم واحد وفهم من قوله قبل أن المتنازع فيه لا يتقدم على العاملين ولا على أحدهما وفى ذلك خلاف، وقوله فللواحد منهما العمل يعنى أن العمل لأحدهما. وعاملان فاعل بفعل محذوف يفسره اقتضيا وفى اسم متعلق
باقتضيا وكذلك قبل وعمل مفعول به ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة والعمل مبتدأ وخبره للواحد ومنهما فى موضع الحال من الواحد وفهم منه جواز إعمال كل واحد منهما ولا خلاف فى ذلك وإنما الخلاف فى الاختيار وقد نبه عليه بقوله:
والثّان أولى عند أهل البصره واختار عكسا غيرهم ذا أسره
اختار البصريون إعمال الثانى لقربه من المعمول واختار الكوفيون إعمال الأول لسبقه والصحيح مذهب البصريين لأن إعمال الثانى فى كلام العرب أكثر من إعمال الأول ذكر ذلك سيبويه وصرح الناظم بأهل البصرة وفهم من قوله غيرهم أنهم أهل الكوفة لكونه أتى بهم فى مقابلة أهل البصرة. والثان مبتدأ وهو على حذف المضاف والتقدير وإعمال الثانى وأولى خبره وعند متعلق بأولى وعكسا مفعول باختار وغيرهم فاعل وذا أسرة حال من الفاعل وأسرة الرجل رهطه وكنى بذلك عن كثرة القائلين باختيار إعمال الأول. ثم قال:
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لامرئ القيس فى ديوانه ص ٣٩، والإنصاف ١/ ٨٤، وتذكرة النحاة ص ٣٣٩، وخزانة الأدب ١/ ٣٢٧، ٤٦٢، والدرر ٥/ ٣٢٢، وشرح شذور الذهب ص ٢٩٦، وشرح شواهد المغنى ١/ ٣٤٢، ٢/ ٦٤٢، وشرح قطر الندى ص ١٩٩، والكتاب ١/ ٧٩، والمقاصد النحوية ٣/ ٣٥، وهمع الهوامع ٢/ ١١٠، وبلا نسبة فى شرح الأشمونى ١/ ٢٠١، ٣/ ٦٠٢، وشرح شواهد المغنى ٢/ ٨٨٠، ومغنى اللبيب ١/ ٢٥٦، والمقتضب ٤/ ٧٦، والمقرب ١/ ١٦١. والشاهد فيه قوله: «كفانى ولم أطلب قليل» حيث جاء قوله: «قليل» فاعلا ل «كفانى»، وليس البيت من باب التنازع، لأن من شرط التنازع صحة توجه كل واحد من العاملين إلى المعمول المتأخر مع بقاء المعنى صحيحا، والأمر ههنا ليس كذلك لأنه ليس مطلوبا.
(٢) صدره: فأين إلى أين النجاة ببغلتى والبيت من الطويل، وهو بلا نسبة فى الأشباه والنظائر ٧/ ٢٦٧، وأوضح المسالك ٢/ ١٩٤، وخزانة الأدب ٥/ ١٥٨، والخصائص ٣/ ١٠٣، ١٠٩، والدرر ٥/ ٣٢٣، ٦/ ٤٤، وشرح الأشمونى ١/ ٢٠١، وشرح ابن عقيل ص ٤٨٧، وشرح قطر الندى ص ٢٩٠، والمقاصد النحوية ٣/ ٩، وهمع الهوامع ٢/ ١١١، ١٢٥.
[ ١١٠ ]
وأعمل المهمل فى ضمير ما تنازعاه والتزم ما التزما
المهمل هو العامل الذى لم يعمل فى الاسم المتنازع فيه فيعمل فى ضميره. وقوله والتزم ما التزما يعنى من مطابقة الضمير للظاهر ومن حذف الفضلة وإثبات العمدة ومن وجوب حذف الضمير فى بعض الأحوال وتأخيره فى بعضها وما صلح لوقوعه على جميع ما ذكر وما الأولى واقعة على الاسم المتنازع فيه وصلتها
تنازعاه والعائد على الموصول الهاء فى تنازعاه وفى متعلق بأعمل ثم أتى بمثلين فقال:
كيحسنان ويسئ ابناكا وقد بغى واعتديا عبداكا
فالمثال الأول على اختيار البصريين وهو إعمال الثانى فابناكا فاعل يسئ ويحسنان هو المهمل ولذلك عمل فى ضميره وهو الألف والمثال الثانى على اختيار الكوفيين وهو إعمال الأول فعبداك فاعل بغى واعتديا هو المهمل ولذلك عمل فى ضميره وهو الألف من اعتديا وفهم من المثالين أنه يجب إضمار المرفوع قبل المفسر وبعده فأما على إعمال الأول فتشترك الفضلة مع العمدة فى الإضمار فى المهمل وهو الثانى وأما على إهمال الأول ففيه تفصيل بينه بقوله:
ولا تجئ مع أوّل قد أهملا بمضمر لغير رفع أوهلا
بل حذفه الزم إن يكن غير خبر وأخّرنه إن يكن هو الخبر
يعنى أن المهمل إذا كان أولا وكان يطلب ضمير الاسم المتنازع فيه بالنصب لم يضمر فيه نحو ضربت وضربنى زيد ولما كان المنصوب شاملا للفضلة ولما أصله العمدة أشار إلى أن حكم الفضلة لزوم الحذف بقوله: بل حذفه الزم إن يكن غير خبر، وغير الخبر هو الفضلة وهو تصريح بما فهم من قوله قبل (ولا تجئ مع أول قد أهملا) ثم أشار إلى أن حكم ما ليس بفضلة وهو ما أصله الخبر الإضمار والتأخير عن المفسر بقوله: (وأخرنه إن يكن هو الخبر)، فمن كونه منصوبا ينبغى أن لا يضمر قبل الذكر كالمرفوع، ومن كونه عمدة فى الأصل ينبغى أن لا يحذف فوجب عنده الإضمار والتأخير ومثال ذلك ظننى وظننت زيدا قائما إياه وتجوّز فى إطلاقه الخبر على ما هو عمدة فى الأصل إذ لا فرق بين أن يكون أصله الخبر أو المبتدأ لأن كل واحد منهما عمدة فى الأصل وإذا حمل على هذا لم يحتج إلى ما قاله الشارح
[ ١١١ ]
المرادى وقوله مع أول متعلق بتجئ وكذلك بمضمر وأوهلا فى موضع الصفة لمضمر ولغير متعلق بأوهلا ومعنى أوهلا جعل أهلا لغير الرفع وحذفه مفعول مقدم بالزم وإن يكن شرط حذف جوابه لدلالة ما تقدم عليه وكذلك إن يكن هو الخبر هو فصل بين اسم كان وخبرها أو توكيد لاسمها أو مبتدأ خبره الخبر والجملة خبر كان. ثم قال:
وأظهر إن يكن ضمير خبرا لغير ما يطابق المفسّرا
يعنى أن الضمير إذا كان خبرا عن شئ مخالف لمفسره فى الإفراد والتذكير وفروعهما وجب إظهاره لأنه إذا أضمره موافقا للمخبر عنه خالف المفسر. وإذا أضمر موافقا للمفسر خالف المخبر عنه وإن يكن شرط محذوف الجواب لدلالة ما تقدم عليه ولغير فى موضع الصفة لخبر أو معمول له وما موصولة واقعة على المفعول الأول وصلتها الجملة التى بعدها.
ثم مثل ذلك بقوله:
نحو أظنّ ويظنّانى أخا زيدا وعمرا أخوين فى الرّخا
فهذا المثال على إعمال الأول فالثانى الذى هو يظنانى هو المهمل ولذلك عمل فى الضمير المثنى فكان حق مفعوله الثانى الذى هو أخا أن يكون ضميرا لكنه لو أضمر مفردا موافقا للمخبر عنه وهو الياء من يظنانى لخالف المفسر وهو أخوين ولو أضمر مثنى موافقا للمفسر لخالف المخبر عنه فوجب إظهاره لذلك. وفى بعض نسخ المرادى فى هذا الفصل تخليط، والصواب ما ذكرت لك.