ذكر فى هذا الباب ثلاثة أنواع من الحكاية: الحكاية بأى وبمن وحكاية العلم بعد من وبدأ بأى فقال:
[ ٣٠٩ ]
احك بأىّ ما لمنكور سئل عنه بها فى الوقف أو حين تصل
فى الحكاية بأى لغتان: إحداهما وهى الفصحى أى يحكى بها وصلا ووقفا من مذكور منكر ما له من إعراب وتذكير وتأنيث وإفراد وتثنية وجمع تصحيح موجود فيه أو صالح لوصفه كقولك لمن قال رأيت رجلا أو امرأة وغلامين وجاريتين وبنين وبنات أيا وأية وأيين وأيتين وأيين وأيات والأخرى أن يحكى بها ما له من إعراب وتذكير وتأنيث فقط. فقوله احك بأى محتمل لهما والذى ينبغى أن يحمل عليه كلامه الأولى لكونها أفصح ولذكره ذلك بعد فى من. وما مفعول باحك وهى موصولة واقعة على الحروف المحكية وصلتها لمنكور أى ما ثبت لمنكور وسئل فى موضع الصفة لمنكور وعنه متعلق بسئل والهاء عائدة على منكور وهى الرابط بين الصفة والموصوف وبها متعلق بسئل وها عائدة على أى وفى الوقف وحين متعلقان باحك. ثم انتقل إلى الحكاية بمن فقال:
ووقفا احك ما لمنكور بمن والنّون حرّك مطلقا وأشبعن
يعنى أن من يحكى بها فى الوقف دون الوصل ما للمسئول عنه المنكور من إعراب وإفراد وتذكير وفروعهما وتشبع الحركة فى الإفراد وذلك كقولك لمن قال قام رجل منو ورأيت رجلا منا ومررت برجل منى. وما مفعول باحك وهى موصولة وصلتها لمنكور وبمن متعلق باحك ووقفا مصدر منصوب على الحال من فاعل احك المستتر والنون مفعول بحرك ومطلقا نعت لمصدر محذوف أى تحريكا مطلقا يعنى بالحركات الثلاث وأشبعن معطوف على حرك هذا حكم حكاية المفرد المذكر وأما المثنى فقد أشار إليه بقوله:
وقل منان ومنين بعد لى إلفان بابنين وسكّن تعدل
يعنى أنك إذا قلت لى إلفان كابنين وأردت حكاية هذين الاسمين قلت منان فى حكاية إلفان، ومنين فى حكاية ابنين. ولما لم يتمكن له النطق بسكون النون من منان ومنين فى النظم إذ لا يجمع فيه بين ساكنين نطق بهما محركين للضرورة. ثم نبه على أنهما ساكنان إذ لا يحكى بهما إلا وقفا والوقف متضمن للسكون. ومنان ومنين مفعول بقل والمراد قل هذين اللفظين وإلفان مبتدأ وخبره فى المجرور قبله وكابنين نعت لإلفان وهو على حذف القول والتقدير بعد قولك لى إلفان وتعدل مجزوم فى جواب الأمر. ثم انتقل إلى حكاية المفرد
[ ٣١٠ ]
المؤنث فقال: (وقل لمن قال أتت بنت منه) يعنى أنك تقول فى حكاية من قال أتت بنت؛ منه بهاء ساكنة وأصلها التاء لكن الوقف أوجب رجوعها. ثم انتقل إلى تثنية المؤنث فقال: (والنون قبل تا المثنى مسكنه) يعنى أنه يقال فى حكاية تثنية المؤنث منتان بتسكين النون فتقول فى حكايته جاءت امرأتان منتان ورأيت امرأتين ومررت بامرأتين منتين هذه هى اللغة الفصحى وفيها لغة أخرى أشار إليها بقوله: (والفتح نزر) يعنى أن فتح النون نزر أى قليل فتقول على هذه اللغة فى قامت امرأتان منتان بالفتح. ومنه مفعول بقل كما تقدم فى البيت الذى قبله. والنون مبتدأ وخبره مسكنة والجملة فى موضع الحال من منه وقبل متعلق بمسكنة والفتح نزر جملة من مبتدأ وخبره مستأنفة. ثم انتقل إلى حكاية جمع المؤنث فقال:
وصل التّا والألف بمن بإثر ذا بنسوة كلف
يعنى أنك تزيد فى حكاية جمع المؤنث على النون من منه ألفا وتاء فتقول لمن قال جاءت نسوة منات ولمن قال ذا بنسوة كلف منات بإسكان التاء أيضا لما علمت من أن من لا يحكى بها إلا فى الوقف. والتاء مفعول بصل والألف معطوف على التاء وذا مضاف إليه على حذف القول والتقدير بإثر قولك ذا وكلف خبر ذا وبنسوة متعلق بكلف ويحتمل أن يكون اسما وفعلا ماضيا. ثم انتقل إلى حكاية جمع المذكر فقال:
وقل منون ومنين مسكنا إن قيل جا قوم لقوم فطنا
إذا قيل جاء قوم لقوم، قلت فى حكاية قوم المرفوع منون وفى حكاية قوم المجرور منين بسكون النون فيهما أيضا. ومنون ومنين مفعول بقل كما تقدم ومسكنا حال من الضمير المستكن فى قل وفطنا نعت لقوم المجرور وهو جمع فطن ووزنه فطناء بضم الفاء وفتح الطاء نحو كرماء ولا يصح أن يكون فطنا بضم الطاء لأن منعوته مجرور. ثم قال: (وإن تصل فلفظ من لا يختلف) هذا تصريح بما فهم من قوله ووقفا فتقول من يا فتى فى الأحوال كلها وقد جاء منونا فى ضرورة الشعر، وعلى ذلك نبه بقوله: (ونادر منون فى نظم عرف) أشار به إلى قول الشاعر:
[ ٣١١ ]
- أتوا نارى فقلت منون أنتم فقالوا: الجنّ قلت عموا ظلاما (٢٠٢)
وهو لتأبط شرّا. وإن تصل شرط وجوابه الجملة فى قوله: فلفظ من لا يختلف، ونادر خبر مقدم والمبتدأ منون وعرف فى موضع الصفة لنظم وفى نظم متعلق بنادر. ثم انتقل إلى النوع الثالث من الحكاية فقال: (والعلم احكينّه من بعد من) يعنى أن العلم إذا سئل عنه بمن حكى إعرابه بعدها فتقول لمن قال قام زيد من زيد ورأيت زيدا من زيدا، ومررت بزيد من زيد برفع الأول ونصب الثانى وجر الثالث وذلك بشرط أن لا يدخل على من حرف عطف، وإليه أشار بقوله:
(إن عريت من عاطف بها اقترن)
فإذا قيل رأيت زيدا ومررت بزيد قلت ومن زيد بالرفع فيهما لدخول حرف العطف على من. وقوله احكينه يريد جوازا فإن فيه لغتين لغة أهل الحجاز الحكاية ولغة بنى تميم الرفع.
والعلم مفعول بفعل مضمر يفسره احكينه ومن بعد متعلق باحكينه، وإن عريت شرط محذوف الجواب لدلالة ما تقدم عليه.