هو الاسم المسند إليه فعل أو ما جرى مجراه مقدما عليه على طريقة فعل أو فاعل وقد استغنى الناظم عن هذا التعريف بالمثال فقال:
الفاعل الّذى كمرفوعى أتى زيد منيرا وجهه نعم الفتى
فأتى بمثالين الأول أتى زيد فزيد فاعل لأنه اسم أسند إليه فعل على طريقة فعل وقدم عليه وهو أتى والثانى منيرا وجهه فوجهه فاعل لأنه اسم أسند إليه وصف جار مجرى الفعل على طريقة فاعل وهو منير ثم تمم البيت بقوله: نعم الفتى وفيه تنبيه على أن فعل الفاعل يكون غير متصرف فقوله الفاعل مبتدأ والذى خبره وهو موصول صلته كمرفوعى وهو مضاف إلى المثالين على حذف القول والتقدير كمرفوعى قولك أتى زيد منيرا وجهه. ثم قال:
وبعد فعل فاعل فإن ظهر فهو وإلّا فضمير استتر
يعنى أن الفعل لا بد له من فاعل وفهم من قوله بعد أن الفاعل لا يكون إلا بعد الفعل وقوله فإن ظهر أى فإن ظهر ما هو فاعل فى المعنى فهو الفاعل فى الاصطلاح والمراد بظهر برز فشمل الظاهر نحو قام زيد والضمير البارز نحو قمت وقوله وإلا أى وإن لم يبرز وقوله فضمير استتر نحو قم ففى قم ضمير مستتر إذ لا يستغنى الفعل عن الفاعل وفاعل مبتدأ خبره فى الظرف قبله وفإن ظهر شرط والفاء جواب الشرط وهو مبتدأ وخبره محذوف تقديره الفاعل وإن شرط ولا نافية وفعل الشرط محذوف تقديره وإن لا يظهر والفاء جواب الشرط وضمير
خبر مبتدأ مضمر تقديره وإلا فهو ضمير واستتر فى موضع الصفة لضمير. ثم قال:
وجرّد الفعل إذا ما أسندا لاثنين أو جمع كفاز الشّهدا
يعنى أن الفعل إذا أسند إلى فاعل مثنى أو مجموع جرد من علامة التثنية والجمع فتقول قام الزيدان وقام الزيدون هذه هى اللغة الفصيحة وفهم من المثال أن شرط الفاعل المذكور أن يكون ظاهرا فالفعل مفعول بجرد وبعده مجرور محذوف تقديره من العلامتين ولاثنين متعلق بأسند. ثم أشار إلى اللغة الأخرى بقوله:
[ ٩٠ ]
وقد يقال سعدا وسعدوا والفعل للظّاهر بعد مسند
هذه اللغة يسميها النحويون لغة أكلونى البراغيث وهى أن يلحق الفعل المسند إلى المثنى ألف والمسند إلى الجمع المذكر واو، والمسند إلى الجمع المؤنث نون فتقول سعدا أخواك وسعدوا إخوتك وسعدن بناتك وهذه الأحرف اللاحقة للفعل على هذه اللغة ليست بضمائر وإنما هى علامات للفعل كالتاء فى قامت هند ويكون المسند إليه بلفظ التثنية والجمع كما ذكر وبعطف آخر الاسمين على الأول كقوله:
- تولّى قتال المارقين بنفسه وقد أسلماه معبد وحميم (٦٣)
وفهم من قوله قد يقال قلة هذه اللغة، وفهم من قوله: والفعل للظاهر بعد مسند أن هذه الحروف علامات لا ضمائر وسعدا فى موضع رفع بيقال والواو فى قوله والفعل واو الحال أى والحالة هذه. ثم قال:
ويرفع الفاعل فعل أضمرا كمثل زيد فى جواب من قرا
يعنى أن الفعل قد يحذف ويبقى الفاعل وتجوّز فى قوله أضمرا والمراد حذف وشمل إطلاقه الحذف جوازا كالمثال الذى ذكر، والحذف وجوبا كقوله ﷿: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ [التوبة: ٦] ويجوز فى زيد المثال أن يكون فاعلا والتقدير قرأ زيد وأن يكون مبتدأ محذوف الخبر وهو أجود لمطابقة الجواب للسؤال فإن السؤال جملة اسمية، ومن حذفه جوازا قوله ﷿ فى قراءة ابن عامر وشعبة: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ [النور: ٣٦، ٣٧] أى يسبح له رجال. ثم قال:
وتاء تأنيث تلى الماضى إذا كان لأنثى كأبت هند الأذى
يعنى أن الفعل الماضى إذا أسند إلى المؤنث لحقته تاء تدل على تأنيث فاعله، وهى فى ذلك على قسمين: لازمة وجائزة؛ وقد أشار إلى اللازمة بقوله:
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لعبيد الله بن قيس الرقيات فى ديوانه ص ١٩٦، وتخليص الشواهد ص ٤٧٣، والدرر ٢/ ٢٨٢، وشرح التصريح ١/ ٢٧٧، وشرح شواهد المغنى ٢/ ٧٨٤، ٧٩٠، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٦١، وبلا نسبة فى أوضح المسالك ٢/ ١٠٦، والجنى الدانى ص ١٧٥، وجواهر الأدب ص ١٠٩، وشرح الأشمونى ١/ ١٧٠، وشرح شذور الذهب ص ٢٢٧، وشرح ابن عقيل ص ٢٣٩، ومغنى اللبيب ٢/ ٣٦٧، ٣٧١، وهمع الهوامع ١/ ١٦٠. والشاهد فيه قوله: «وقد أسلماه معبد وحميم» حيث ألحق بالفعل المسند إلى الفاعل الظاهر ضمير التثنية، وذلك على لغة الحارث بن كعب، وهى لغة ما يسمّى «أكلونى البراغيث».
[ ٩١ ]
وإنّما تلزم فعل مضمر متّصل أو مفهم ذات حر
فذكر أنها تلزم فى موضعين: الأول أن يكون المسند إليه ضميرا متصلا وشمل الحقيقى التأنيث نحو هند قامت والمجازى التأنيث نحو الشمس طلعت. واحترز بقوله متصل من المنفصل نحو ما قام إلا أنت. الثانى أن يكون المسند إليه ظاهرا حقيقى التأنيث وهو المشار إليه بقوله ذات حر، والحر الفرج وفعل مفعول بتلزم وفى تلزم ضمير مستتر يعود على التاء ومضمر على حذف مضاف والتقدير فعل فاعل مضمر ومتصل نعت لمضمر فلو فصل بين الفعل والفاعل الحقيقى التأنيث فإما أن يكون الفاصل غير إلا أو إلا فإن كان الفاصل غير إلا فقد أشار إليه بقوله:
وقد يبيح الفصل ترك التّاء فى نحو أتى القاضى بنت الواقف
يعنى أنه إذا فصل بين الفعل والفاعل الحقيقى التأنيث بغير إلا جاز وجهان إثبات التاء وتركها وفهم من قوله وقد يبيح أن حذفها قليل بالنسبة إلى إثباتها فالفصل فاعل يبيح وترك مفعول به وفى متعلق بيبيح ونحو مضاف إلى قول محذوف والتقدير فى نحو قولك والفصل هنا بالمفعول. وإن كان الفاصل إلا فقد أشار إليه بقوله:
والحذف مع فصل بإلّا فضّلا كما زكا إلّا فتاة ابن العلا
فما زكا إلا فتاة أحسن مما زكت إلا فتاة وإنما كان حذفها أحسن لأن الفعل فى التقدير مسند إلى مذكر لأن التقدير ما زكا أحد إلا فتاة ابن العلا فالحذف مبتدأ وخبره فضلا ومع متعلق بالحذف وبإلا متعلق بفضل. ثم قال:
والحذف قد يأتى بلا فصل
أشار بذلك إلى ما حكاه سيبويه عن بعض العرب قال فلانة وأشار بقوله:
ومع ضمير ذى المجاز فى شعر وقع
إلى قول الشاعر:
[ ٩٢ ]
- فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها (٦٤)
فأسقط التاء من أبقل والفعل مسند إلى ضمير الأرض والحذف مبتدأ وخبره قد يأتى وبلا فصل متعلق بيأتى ومع متعلق بوقع وذى المجاز نعت لمحذوف والتقدير مع ضمير المؤنث ذى المجاز. ثم قال:
والتّاء مع جمع سوى السّالم من مذكّر كالتّاء مع إحدى اللّبن
يعنى أن الفعل الماضى إذا أسند لجمع غير المذكر السالم حكمه كحكمه مع المجازىّ التأنيث كإحدى اللبن وهى لبنة فتقول قام الرجال وقامت الرجال كما تقول سقطت اللبنة وسقط اللبنة وشمل غير السالم من مذكر جمع التكسير كما ذكر وجمع المؤنث السالم فتقول على هذا قام الهندات وقامت الهندات وفى هذا خلاف والذى ذهب إليه الناظم جواز الوجهين وهو مذهب كوفى ومذهب جمهور البصريين أنه كواحده يلزم فيه التاء. فالتاء مبتدأ ومع جمع فى موضع الحال منه وخبر المبتدأ كالتاء وسوى السالم نعت لجمع ومن مذكر متعلق بالسالم واللبن جمع لبنة وهى الآجرة. ثم قال:
والحذف فى نعم الفتاة استحسنوا لأنّ قصد الجنس فيه بيّن
يعنى أن العرب استحسنوا الحذف فى نعم فتقول نعم المرأة هند وفهم منه أن بئس مثلها إذ لا فرق فتقول بئس المرأة هند وإنما استحسن فى هذا الحذف لما ذكر من قصد الجنس كأنه فى معنى نعم جنس المرأة ولا يفهم من قوله استحسنوا أنه أحسن من الإثبات بل هو مستحسن وإن كان الإثبات أحسن. فالحذف مفعول باستحسنوا وفى نعم متعلق بالحذف أو استحسنوا ولأن متعلق باستحسنوا، ثم قال:
_________________
(١) البيت من المتقارب، وهو لعامر بن جوين فى تخليص الشواهد ص ٤٨٣، وخزانة الأدب ١/ ٤٥، ٤٩، ٥٠، والدرر ٦/ ٢٦٨، وشرح التصريح ١/ ٢٧٨، وشرح شواهد الإيضاح ص ٣٣٩، ٤٦٠، وشرح شواهد المغنى ٢/ ٩٤٣، والكتاب ٢/ ٤٦، ولسان العرب ٧/ ١١١ (أرض)، ١١/ ٦٠ (بقل)، والمقاصد النحوية ٢/ ٤٦٤، وبلا نسبة فى أمالى ابن الحاجب ١/ ٣٥٢، وأوضح المسالك ٢/ ١٠٨، وجواهر الأدب ص ١١٣، والخصائص ٢/ ٤١١، وشرح الأشمونى ١/ ١٧٤، والرد على النحاة ص ٩١، ورصف المبانى ص ١٦٦، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٥٧، وشرح ابن عقيل ص ٢٤٤، وشرح المفصل ٥/ ٩٤، ولسان العرب ١/ ٣٥٧ (خضب)، والمحتسب ٢/ ١١٢، ومغنى اللبيب ٢/ ٦٥٦، والمقرب ١/ ٣٠٣، وهمع الهوامع ٢/ ١٧١. والشاهد فيه قوله: «ولا أرض أبقل إبقالها» والقياس: أبقلت إبقالها لأن الفعل مسند إلى ضمير عائد على «الأرض» وهى مؤنث مجازى، فحذف التاء ضرورة.
[ ٩٣ ]
والأصل فى الفاعل أن يتّصلا والأصل فى المفعول أن ينفصلا
وقد يجاء بخلاف الأصل وقد يجى المفعول قبل الفعل
يعنى أن الأصل أن يتقدم الفاعل على المفعول لأن الفاعل كالجزء من فعله بخلاف المفعول.
والأصل مبتدأ وفى الفاعل متعلق به وأن يتصلا خبره وإعراب عجز البيت مثل صدره. ثم قال:
(وقد يجاء بخلاف الأصل) خلاف الأصل هو أن يتقدم المفعول على الفاعل فتقول ضرب عمرا زيد. وبخلاف فى موضع رفع على أنه مفعول لم يسم فاعله وقد فى قوله قد يجاء للتحقيق لا للتقليل فإن تقديم المفعول على الفاعل كثير إلا أن يراد بالنسبة إلى تقديم الفاعل على المفعول فتكون للتقليل. ثم قال: (وقد يجى المفعول قبل الفعل) يعنى أن المفعول قد يأتى متقدما على الفعل وشمل ما تقديمه جائز نحو فريقا هدى وما تقديمه واجب نحو إياك نعبد وظاهر قد هنا أنها للتقليل لأن تقديم المفعول على الفعل أقل من تقديمه على الفاعل. ثم قال:
وأخّر المفعول إن لبس حذر أو أضمر الفاعل غير منحصر
ذكر فى هذا البيت موضعين يجب فيهما تأخير المفعول على الفاعل: الأول أن يخاف اللبس وذلك بأن يكون الإعراب خفيا فى الفاعل والمفعول معا نحو ضرب موسى عيسى فالأول هو الفاعل محافظة على الرتبة والآخر أن يكون الفاعل ضميرا متصلا نحو ضربت زيدا. والمفعول مفعول بأخر وإن شرط ولبس مفعول لم يسم فاعله بفعل محذوف يفسره حذر وأو أضمر معطوف على حذر وغير منحصر حال من الفاعل واحترز به من الفاعل إذا كان منحصرا فإنه يجب انفصاله وتأخيره ويكون حينئذ المفعول واجب التقديم نحو ما ضرب زيدا إلا أنا. ثم قال:
وما بإلّا أو بإنّما انحصر أخّر وقد يسبق إن قصد ظهر
يعنى أنه يجب تأخير المحصور بإلا أو بإنما فاعلا كان أو مفعولا فإذا قصد حصر المفعول وجب تأخيره وتقديم الفاعل فتقول ما ضرب زيد إلا عمرا وإنما ضرب زيد عمرا وإذا قصد حصر الفاعل وجب تأخيره وتقديم المفعول فتقول ما ضرب عمرا إلا زيد وإنما ضرب عمرا زيد وقوله وقد يسبق إن قصد ظهر ولا يظهر القصد إلا فى المحصور بإلا وأما المحصور بإنما فقد لا يعلم حصره إلا بتأخيره. وأشار بذلك إلى قوله:
[ ٩٤ ]
- فلم يدر إلا الله ما هيّجت لنا عشية آناء الديار وشامها (٦٥)
فقدم الفاعل وهو محصور على المفعول وما موصولة وهى مفعول مقدم بأخر وصلتها انحصر وبإلا متعلق بانحصر وفهم من قوله قد يسبق أن ذلك قليل وأن ذلك لا يكون إلا مع إلا لأن القصد لا يظهر إلا معها. ثم قال:
وشاع نحو خاف ربّه عمر وشذّ نحو زان نوره الشّجر
يعنى أن تقديم المفعول الملتبس بضمير الفاعل على الفاعل كثير وهو قوله خاف ربه عمر فربه مفعول مقدم ملتبس بضمير الفاعل وإنما كثر ذلك لأن الضمير وإن كان عائدا على ما بعده فإن المفسر للضمير مقدم فى النية لأن تقديمه هو الأصل وقوله: (وشذ نحو زان نوره الشجر) يعنى أن تقدم الفاعل الملتبس بضمير المفعول على المفعول قليل وإنما قلّ ذلك لأن الضمير الملتبس به عائد على متأخر لفظا ورتبة لأن المفعول فى نية التأخير. ونحو فاعل بشاع وهو على حذف مضاف والتقدير شاع نحو قولك وكذلك شذ.