الباب الرابع في الإشارات أي: الإيماءات.
قال الجوهري: أشار إليه باليد: أومى.
وفي لفظ الإشارات إشعار إلى أن ذلك التفصيل إيماءٌ بالنسبة إلى ما يستحقه هذا المقام من البسط.
إلى عبارات. يقال: عبرت الرؤيا إذا فسرتها، وإنَّما سميتِ الألفاظ الدّالة عبارة لأنها تفسّرها في الضمير، أي في تعريفات.
محررة. تحرير الكتاب: تقويمه، والمراد هنا: كونها مهذبة أو مطهّرة من الزوائد بحيث لا دخل فيها ولا اعتراض عليها.
مستوفاة. استوفى حقه وتوفاه بمعنىً كذا في "الصحاح".
موجزة، يقال: أوجزت الكلام: قصرته، وفي الاصطلاح: أداء المقصود بأقل من عبارات المتعارف، أي عبارات تُعطى حقها بحيث لم يكن فيه طول كالتعريف المعهود، ولم يخلُ شيء من المقصود مع وضوح الحدّ عن حدّ المحدود.
وينبغي أن تقول، لمّا فَرَغَ من القواعد والأصول أراد أن يبين كيفية إجرائها على ما يناسبها، وإعراضها عمّا لا يناسبها، فقدّم ما يناسبها مع أن ذكر الإعراض عما لا يناسبها أهم من ذكر ما يناسبها، قصد إلى عدم الفصل بين القواعد والأجزاء.
[ ١٦٧ ]
النائب عن الفاعل
الفعل لم يسم فاعله
في نحو ضُربَ. أي في الفعل الماضي المجهول. مِن ضُرِبَ زيدٌ. من جارة داخلة على الفعل على سبيل الحكاية، وإنَّما قال هذا ليكون توطئة لقوله: وأنْ تقول في نحو زيدٌ: نائب عن الفاعل.
إنهُ فعلٌ ماض مُنَوّنَيْن لم يُسَمَّ فاعله، ولا تقل مبني لما لم يُسم فاعله لما فيه أي: لشيء نفسي حصل في هذا التعريف. من التطويل، بيان لـ (ما) وهو زيادة حرف من التعريف الأول.
والخفاء: عطف على التطويل، وَجْهُ الخفاء أن (ما) في قوله: لـ (ما) عبارة عن المفعول، وضمير فاعله راجعٌ إليه، فلابُدَّ أن يوجهَ بأن يقال: إضافة الفاعل إليه لأدنى ملابسة، أو على حذف المضاف، أي فاعل فعل الواقع عليه.
وأن تقول في نحو زيد من ضُرِبَ زيد: نائب عن الفاعل لاختصاره وعدم صدقه على نحو دِرْهمًا، لكن يرد عليه أنهُ يصدق على المضاف إليه الذي يقوم مقام الفاعل المضاف المحذوف كالحساب في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ وعلى تقدير أن يكون الإسناد مجازيًا.
ولا تقل مفعول ما لم يُسَم فاعله لخفائه، وهو أن الغرض منه إعلام كونه نائبًا عن الفاعل، ومُعربًا بإعرابه ولم يُفْهم.
وطولهِ. نائب عن الفاعل. وصدقِهِ على نحو دِرهمًا كائنة من أعطيَ زيدٌ درهمًا، مع أن التعريف لازم أن يكون مانعًا عن أغياره، ويمكن أن يُجاب بأن يقال: إن من قال: مفعول ما لم يُسَم فاعله، قال: كل مفعول حُذف فاعله وأقيم مقامه فلا يصدق عليه.
نعم إذا قطع النظر عنه (يصدق عليه) لكنَّه مقدّر عند أرباب هذا الفنّ، وليس بأجنبي عن اصطلاحاته، وبهذا يندفع ما قال التفتازاني في شرحه للعزي: إنّ التّعريف ينتقض بالمبني للفاعل عند من جوّز حذف الفاعل.
[ ١٦٨ ]
قد حرف تقليل زمن الماضي، وحدث المضارع
لن حرف نصب ونفي استقبال
وأن تقول في قد: حرف تقليل زمن الماضي أي: تقريبه، ولا يخفى حُسْنُ هذه العبارة لِمَنْ له أدنى مُسْكَةٍ في هذا الفن. وحدث المضارع أي: وقوعه. يقال: حدث أمر إذا وقع، كذا في "الصحاح".
أو لتحقيق حدثيهما أي: لتحقق وقوع الماضي والمضارع، وهذا التحقيق غير الذي حصل من صيغة الماضي.
وينبغي أن تقول في لن، وهي حرف برأسه عند سيبويه وهو الصَّحيح، لأنَّ الأصل في الحروف أن لا يحكم عليها بخلاف ظاهرها، لأنها بعيدة عن التصرف والتمسك بالأصل أولى وأحَق.
وعند الخليل مركبة أصلها: لأنْ حذفَت الهمزة تخفيفًا، وسقطت الألف لالتقاء الساكنين، ورده سيبويه بجواز تقديم معمولها نحو: زيدًا لن يضرب.
أجيب بأنه يجوز أن يحدث بعد التركيب ما لم يكن قبله، على أنَّه منع الأخفش [الصَّغير] ذلك التقديم، وعند الفراء نونها مُبْدَلَة من الألف، كما أُبْدِلت الألف من النون وهو ضعيف.
حرف نصب ينصب المضارع. وحكى بعضهم أن الجزم بـ لَنْ لغة بعض العرب، وأنَّ الجزم والرفع جائز عند البعض، ذكره "شارح الألفية".
ونفي استقبال ذكر في "شرح الألفية" أيضًا: أن (لن) حرف نفي ينصب المضارع ويخلصه للاستقبال، ويلزم أن يكون مؤبدًا خلافًا للزمخشري. ذكر ذلك في "أنموذجه" وقال في غيره أنّ (لن) لتأكيد ما تعطيه لا من نفي المستقبل.
[ ١٦٩ ]
لم حرف جزم لنفي المضارع وقلبه ماضيا
قال ابن عصفور: وما ذهب إليه دعوى لا دليل عليها، بل قد يكون المنفي بـ (لا) آكد من المنفي بـ (لن)، لأنَّ المنفي بـ (لا) قد يكون جوابًا للقسم، والمنفي بـ (لن) لا يكون، ونفي الفعل إذا قُسم عليه آكد، وقال صاحب "الإقليد": والمراد بالتأكيد هو التصميم وإبرام العزيمة على ما خبر به من سلب وإيجاب عما هو يصدره وليس كما زعم بعضهم أنها للتأبيد، إذ التأبيد مناف للتحديد. وقد جاء التحديد معها في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾. وحتى لانتهاء الغاية.
وذهب قوم ومنهم ابن السَراج إلى أنه يجوز أن يكون الفعل بعدها دعاء. واختاره ابن عصفور، وجعلوا منه قوله تعالى ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ والصحيح أنَّه لم يستعمل من حروف النفي في الدعاء إلَّا (لا) خاصة.
وفي (لم) حرف جزم يدخل على المضارع، وقد تلغى فلا [يجزم بها]، قال في "شرح التسهيل"، حملًا على (لا) وفي "شرح الكافية" حملًا على (ما) قاله شارح الألفية، وهو أحسن.
لأنَّ (ما) يُنفى بها الماضي كثيرًا بخلاف (لا) وأنشد الأخفش على إهمالها:
لَوْلَا فَوَارسُ مِنْ ذُهْلٍ وأسرتهم يَوْمَ الصَّليفِ لم يوُفُونَ بِالْجَارِ [البسيط]
قال بعض النحويين: إنه ضرورة، وقال بعضهم: إنَّه شاذ، وفي "التسهيل": وقد لا يُجزَمُ بها، فلم يخصه بالضرورة، وذكر في "شرحه" أن الرَّفع بها لغةُ قوم، ولا يجوز الفصل بينها وبين الفعل، وحذفه بعدها إلَّا في الضرورة.
[ ١٧٠ ]
أما المفتوحة المشددة حرف شرط وتفصيل وتأكيد
لنفي المضارع، فيجوز أن يكون ذلك النفي منقطعًا عند الحال نحو قوله تعالى ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾، ومتصلًا بها نحو: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾.
وقلبه ماضيًا: هذا صريح بأنها تدخل على المضارع، وتصرف معناه إلى الماضي، وهو مذهب [المبرد] وأكثر المتأخرين.
وقد ذهب أبو موسى ومن وافقه، وقد نُسب هذا القول [إلى] سيبويه إلى أنها تدخل على الماضي، وتصرف لفظه إلى المضارع. وقال ابن الحاجب: وإن لم يكن بين هاتين العبارتين خلاف في المعنى، لكن العبارة الثَّانية ليست بجيدة لأنَّ قولهم مما يوهم صحّة دخول (لم) على الماضي، وليس كذلك. ويوهم أيضًا بقاء المضارع على معناه، لأنّهم لم يقولوا: إنَّها تقلب لفظ الماضي إلى المضارع ولم يتعرض إلى كون معنى الماضي مُرادًا، فكان الأوَّل أَوْلى.
وفي أمّا المفتوحة المشدَّدة حرف شرط قال محشي الضوء: إن النُّحاة اختلفوا بعد اتفاقهم على أنها حرف، في أنها موضوعة للشرط، أو قائمة مقام ما وُضع للشرط.
فذهب ابنُ الحاجب إلى الأوَّل، قال في "الكافية": وحرف الشرط: إنْ ولَوْ وأمّا. وصاحب "الكشاف" إلى الثَّاني حيث قال في "مفصله": ومن أصناف الحروف حرفا الشرط وهما: إنْ ولو. ثم ذكر بعد عدّة فصول. (أما) كلمة فيها معنى الشرط والخلاف في أنها حرف أو اسم ليس بمشهور. انتهى
[ ١٧١ ]
ولا يُلْزِم من تعبير صاحب الكشاف: "أما كلمة فيها معنى الشرط" كونها اسمًا، لأنَّ إطلاق الكلمة على الحرف جائز، وإنَّما عبَّر بالكلمة إشعارًا إلى خفاء حرفيتها، من حيث إنَّها عملت في الظروف النصب، وتضمنت معنى (مهما). وبعض الفضلاء تكلف في التوفيق بين ما قال ابن الحاجب والزمخشري بأن قال: يجوز أن يكون مراد ابن الحاجب (أمّا) المركبة التي أصلها (أن) (ما)، ومراد الزمخشري (أما) المفردة المتضمنة للشرط لأنَّ جميع شراح الكافية فسروها بمهما يكن، فلو كان مراد ابن الحاجب (أما) المركبة لما جاز التفسير به، والحقُّ أن النزاع في (أما) المفردة وإن التوفيق ما قاله: جلال الدين العجدواني، وهو أن صاحب "الكشاف" اعتبر ما كان خالصًا للشرط، وابن الحاجب ما فيه معنى الشرط.
وأدرج ماله معنى الشرط (في حرف الشرط)، فيكون جمعًا بين الحقيقة والمجاز. ومن هذا قال: إطلاق حرف الشرط على (أما) التفصيلية مجاز.
ولهذا فسر بعض شراح تلك الرسالة قوله: حرف شرط، أبي حرف مؤوّل باسم شرط وتفصيل. وذلك التفصيل قد يكون لمجمل سابق كقوله:
أنا أود وأقلى؛ أما من أوده فالعالم، وأمَّا من أقلاه فالجاهل. وقد يكون لتفصيل ما أجمَلَهُ في الذهن [ويكون] معلومًا للمخاطب بواسطة سبق ما يدل على المتعدد بوجه ما، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ: مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا. .﴾.
وقد يجيء للإستئناف من غير أن يتقدمها ما يدل على المتعدد كـ (أما) الواقعة في أوائل الكلام المنقطع عما قبله، ومنها ما يأتي في أوائل الكتاب والرسالة، ومتى كان تفصيلًا لمجمل وجب تكرارها.
[ ١٧٢ ]
أن المفتوحة حرف مصدري ينصب المضارع
الفاء بعد الشرط، رابطة لجواب الشرط
وقد يكتفى بذكر قسم واحد حيث يكون المذكور [ضد غير المذكور] لدلالة أحد الضدين على الآخر كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ﴾. فإنَّ ما يقابل (أما) المذكورة ههنا غير مذكور لكنه مقدّر، يعني: فأما الذين [ليس] في قلوبهم زيغ فيتبعون المحكمات.
وتأكيد، لأنَّ تفصيلَ المجمل يدل على زيادة الاعتناء بشأن المذكور.
وفي أنْ المفتوحة المخففة حرف مصدري ينصب المضارع، مرّ تفصيله في الباب الثالث.
وفي الفاء التي بعد الشرط، إنما قال بعد الشرط، ولم يقل قبل الجواب مع أنَّها قد تقع بعد الفضلات المتعلقة بالشرط اكتفاء بقوله: رابطة لجواب الشرط لأنَّه يُعلم منه دخولها على الجواب.
ولا تقل جواب الشرط كما يقولون؛ أي: بعض المُعْرِبين. لأنَ الجوابَ الجملة بأسرها. هذا الكلام ظاهر في أنَّ الفاء داخل في الجواب، وهو مذهب أكثر النحاة، وقال بعضهم: إن الفاء خارج عن الجواب، لأنها رابطة [والرّابطة] غير المربوط.
لا الفاء وحدها. وارتكاب المجاز في مثل هذا المقام ليس ممَّا ينبغي.
وفي نحو زيد من قولك: جلست أمام زيدٍ، مخفوض بالإضافة أو بالمضاف قال الشَّيخ الرضي:
اعلم أن بينهم خلافًا في العامل في المضاف إليه؛ هو اللام المقدّر أو المضاف، فَمَن قالَ الحروف المُقدّرة نظر إلى معناه في الأصل المتقدم هو الموقع للإضافة بين الفعل والمضاف إذ أصلُ غلام زيدٍ، غلام جُعل لزيد، ومن قال: إن عامل الجر هو المضاف، وهو الأَوْلى، قال: إن
[ ١٧٣ ]
المخفوض بالإضافة أو المضاف إليه
فاء (فصل لربك وانحر) السببية
الواو العاطفة حرف عطف لمجرد الجمع
حروف الجر شريعة منسوخة، والمضاف مفيدة معناه، وقال بعضهم: العامل معنى الإضافة، فليس بشيء.
فَعُلِمَ من هذا أن قوله مخفوض بالإضافة ليس بصحيح.
ولا تقل [مخفوض] بالظرف، وهو أمام في هذا المثال، لأنَّ المقتضى للخفض في المضاف إليه هو الإضافة على رأي، أو المضاف من حيث هو مضاف مع قطع [النَّظَر] عن الحيثيات على رأي.
لا المضاف من حيث هو ظرف بدليل: غلام زيد وإكرام زيد، فإن المضاف في هذين المثالين ليس بظرف مع أن المضاف إليه مخفوض به، فلو قلت مخفوض بالظرف ليُفهم مدخلية الظرف في الخفض، وليس كذلك.
واعلم أن قول المصنف (لأن المقتضى للخفض) مساهلة لأنه يُفهم منه كون العامل نفس المقتضى وليس كذلك، لأنَّ العامل ما به يتقوم المعنى المقتضي للإعراب على ما صرح به ابن الحاجب في مقدمته، اللَّهم إلَّا أن يُقَدر ويُقَال لأنَّ ما به يتقوم المعنى المقتضى أن تقول:
في الفاء من نحو: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ فاء السببية، ولا تقل فاء العطف لأنه لا يجوز عند بعض النحويين أو لا يحسن عند أكثر النحويين ومنهم سيبويه حيث قال: إن كانت الجملتان مرتبطتين من حيث المعنى يجوز عطف الطلب على الخبر ولا العكس.
أي: لا يجوز أولًا يحسن عطف الخبر على الطلب على اختلاف الرأيين لما بينهما من التنافي في المعنى، وأن تقول: وجه تغيير الأسلوب السابق بذكر أن تقول: أما طول العهديين المعطوفات، هو إشعار إلى أن ما ذكره بعده ليس من جنس ما ذُكر قبله في الواو العاطفة: حرف عطف لمجرّد الجمع من غير أن يكون المبتدأ داخلًا في الحكم قبل الآخر، ولا أن
[ ١٧٤ ]
حتى العاطفة عطف للجمع والغاية
ثم حرف عطف للترتيب والمهلة
الفاء العاطفة للترتيب والتعقيب
يجتمعا في وقت واحد، بل الأمران جائزان، وجائز عكسهما. هذا هو المختار عند فحول هذا الفن، وإن ذهب بعضهم إلى لزوم المعيّة، وبعضهم إلى دخول الأوَّل في الحكم قبل الذي.
وفي حتَّى التي للعطف حرف عطف للجمع والغاية، وإنَّما لم يقل لمطلق الجمع كما قال في النوع الثالث من الباب الثَّاني إشعارًا إلى ما قاله بعض النُّحاة، وهو أن يكون فيها جمع وترتيب، ومهملة متوسطة بين الفاء وثمَّ.
وفي ثمَّ حرف عطف للترتيب والمهلة. قال في "القاموس": ثمّ حرف يقتضي ثلاثة أمور:
التشريك في الأمر أو قد يتخلّف [بأن تقع زائدة كما في: ﴿أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾].
[والثالث: المُهْلَة]، أو قد يتخلّف كقولك: أعجبني ما صنعتَ اليوم، ثمَ ما صنعتَ أمسِ أعجبُ. لأنَّ ثمّ فيه لترتيب الأخبار ولا تراخي بين الإخبارين انتهى.
وفي الجوهري: وربما أدخلوا عليها التّاء كما قال:
ولَقَدْ أمُرُّ على اللَّئيم يَسُبُّني فَمَضَيْتُ ثُمَّت قُلْتُ لَا يَعْنِيني [الكامل]
وفي الفاء حرف عطف للترتيب والتعقيب.
اعلم أن الفاء إذا كانت من حروف العطف يُعطف بها وتُفيد التّرتيب، وهو نوعان:
- معنوي كقام زيد فعمرو.
- وذِكري. وهو عطف مفصَّل على مجمل نحو: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا
[ ١٧٥ ]
حرف الجر واسمه: الجار والمجرور
حرف النصب والفعل: ناصب ومنصوب
إن المكسورة حرف توكيد
أن المفتوحة حرف توكيد مصدري ينصب الاسم ويرفع الخبر
كَانَا فِيهِ﴾ والتّعقيب مع الاشتراك عنهما تقول: ضربت زيدًا فعمرًا، والتّعقيب بدون الاشتراك فيكون ما قبلها علّة لما بعدها نحو: ضربه فبكى، والتّعقيب في كلّ شيء بحسبه نحو: تَزَوَّج فَوَلَدَهُ، مع أنَّ بينهما مدّة الحمل. هذا إذا أطنبت في التَّعبير عن الأدوات، وإذا اختصرت فيهنّ، أي: في تعبير تلك الأدوات فقل عاطف ومعطوف.
أي: قل في حروف العطف مع المعطوف، كما تقول عند الاختصار في حروف الجرّ مع مجرورها: جار ومجرور. وهذا التعبير شائع عند أرباب هذا الفنّ فلذلك جعله مشابهه، وإنَّه من باب التشابه لا من التشبيه. وكذلك أي: كما تقول عند الاختصار في حروف العطف والجرّ.
تقول إذا اختصرت في نحو: ﴿لَنْ نَبْرَحَ﴾، ولَنْ نَفْعَلَ ناصبٌ ومنصوبٌ هذا هو المختار لما عرفت أن الرَّفع بهما والجزم بـ لن جائز عند البعض.
وأن تقول في (إنّ) المكسورة المشدَّدة: حرف توكيد، لأنّها يُجاب بها (القسم كما يُجابُ) باللام، وعن الفرّاء أنَّ (إنَّ) مقدَّرة لِقَسَم محذوفٍ استغنى بها عنه، فالتقدير: واللهِ إنّ زيدًا لقائم.
يَنْصِبُ الاسم ويرفع الخبر [عند] البصريين، وأمَّا عند الكوفيين وتبعهم "التسهيل" إلى أنّ الخبر مرفوع بالابتداء، كما كان قبل دخول (إنّ) عليه، فلذلك جوّزوا العطف على اسم إنّ المكسورة بالرَّفع قبل مُضيّ الخبر.
وتزيد في (أنّ) المفتوحة فتقول: حرف توكيد مصدري ينصب الاسم ويرفع الخبر وإنَّما قيل: حرف مصدري لأنَّها تعامل معاملة المصدر حيث تؤولّ مع معمولها بالمصدر وتقع فاعلًا نحو: بلغني أن زيدًا منطَلِقٌ، فإنَّه مؤولّ بـ (بلغني انطلاق زيدٍ).
[ ١٧٦ ]
ذكر الفعل وعدم البحث عن فاعله
ذكر المبتدأ وعدم التفحص عن خبره
أن يأتي بالظرف والجار والمجرور، ولا يبحث عن متعلقه
أن يذكر الجملة ولا يذكر ألها محل من الإعراب أم لا
أن يذكر موصولا ولا يبين صلته
ومفعولًا نحو: سمعت أن عَمْرًا عالمٌ، وهو مؤوّل بـ (سمعت عِلْمَ عمرو).
ومضافًا إليه نحو: عَجِبْتُ من أنّ بكرًا واقفٌ، وهو مؤوّل بـ (عجبت من وقوف بكرٍ).
ولهذا أي: لأجل وقوعها مع معمولها موقع المفرد لم يجز العطف على اسمها بالرَّفع سواء كان قَبْلَ مُضيّ الخبر أو بعده.
[مَا يُعَابُ على الْمُعْرِب]
واعلم أنَّه، الضمير للشَّأن، يُعَابُ يُقال: عابَ المتاعَ إذا صار ذا عيب، وعِبْتُهُ أنا مُتَعَدٍّ. كذا في الجوهري. على الناشيء. هذا القيد ليس للاحتراز لكونه عيبًا على الدَّخيل أيضًا، وإنما قال ترغيبًا للطّالب، يدل عليه قوله: والصَّواب لأنّه يُستعمل في مقابلة الخطأ. ووقع في بعض النُّسَخ (على النَّاس) فحديثه لا يحتاج إلى الاحتراز، فقوله: على الناشئ أي: المتمرّن، مأخوذ من نَشَأ الغلام إذا ارتفع وبلغ.
في صناعة الإعراب. عبَّر بالصّناعة إشعارًا بلزوم المجادلة والمزاولة وكونها آلة كسائر العلوم، فقوله: يُعَابُ: فعل مضارع لم يُسَمّ فاعله.
وجملة أن يَذْكُرَ فعلًا نائبًا عن الفاعل، أي: يعيب المُعْرِبُون على الناشئ ذكر الفعل ولا يبحث عن فاعله، عطف على يذكر، أو أن يذكر مبتدأ ولا يتفحّص عن خبره. أو ظرفًا أو مجرورًا بحرف جرّ، ولا يُنبِّه إلى متعلّقه، والضمير راجع إلى ظرفٍ أو مجرور على سبيل البدل.
أو جملةً ولا يذكر أَلهَا محل أم لا، أو موصولًا ولا يُبيِّن صلته، سواء كان اسميًّا أو حرفيًا، وعائده. إذا [كان] الموصول اسميًّا، لِمَا عَرَفْتَ أنّ الحرفي لا يحتاج إلى العائد.
[ ١٧٧ ]
أن يذكر اسما موصولا ولا يذكر محله
أن يذكر اسم إشارة ولا يذكر محله
اعلم أنّ ذكر المبحث في: الفاعل، والتفحص في الخبر، والتَّنْبِيه في المتعلَّق، والذّكر في المحل، والتّبّين في الموصول فيما لا يخفى وَجْهُهُ على طبع وقّاد وذِهْنٍ نقّادٍ.
وأن يقتصر على أن يذكر في إعراب الاسم من نحو: قام ذا أو نحو: قام الَّذي، على أن يقول: اسم إشارة في ذا أو موصول في الذي، فإن ذلك أي كون (ذا) اسم إشارة، والَّذي: اسم موصول، لا يقتضي إعرابًا حتَّى يُعلم كونها في محل الرَّفع على [الفاعليّة].
والمراد من الموصول ما يوجد مع الصّلة، وإلا لا يكون له محل ولا اقتضاء.
والصَّواب في التعبير أن يُقال: فاعل وهو اسم إشارة، أو فاعل وهو اسم موصول فإن قلتَ لا فائدة في قوله في نحو (ذا) إنه اسم إشارة، لأنَّ الغرض منه إعلام فاعليته والاقتصار على فاعل كافٍ فيه مع أَنَّه لا فائدة في التطويل.
بخلاف قوله في الذي: إنَّه موصول فإنَّ فيه أي؛ في ذكر اسم الموصول، تنبيهًا على ما يفتقر إليه الموصول من الصّلة بيان لـ (ما)، والعائد عطف على الصلة لِيَطلُبهما أي: الصلة والعائد، المعربُ وليعلم عطف [على ليَطلبهما] أي: لأجل أن يَطْلُبَ ويَعْلَمَ المعربُ، أنّ جملةَ الصّلة لا محل لها. لأنَّ الموصول لا يتمّ إلّا بصلة فيكون كشيء واحد. قلتُ: بلى فيه، أي في ذكر اسم إشارة فائدة؛ وهي التَّنبيه، أي الإشارة. إنَّما فسَّرنا به لتعدّيه بـ إلى، إلى أنَّ ما يلحقه من الكاف، بيان لـ (ما) وجملة ما يلحقه في محل النصب على [أنَّها] اسم إنّ، حرفُ بالرَّفع خبرها مضاف إلى خطاب لاسم مضاف إليه. لأنَّ اسم الإشارة معرفة فلا يضاف إلى شيء، والاسم مرفوع لأنَّه لا رافع هنا، ولا منصوب لأَنَّه لا (ينصب فتعيّن) أن يكون حرفًا، ولا يرد عليه، لِمَ لا يجوز أن يكون في أسماء الإشارة معنى الفعل وهو أشير؟
[ ١٧٨ ]
فيعمل عمل النَّصب كما في: هذا زيد قائمًا، لأنَّ هذا التقديرُ لا يكون إلَّا باقتضاء المقام، ولا اقتضاء هنا، وقد يستدلّ بحرفيّة هذه الكاف بامتناعِ وقوعِ الضَّمير موقعها، ولو كان اسمًا يمنع وقوعها كما في: ضربتك وبك. وذكره الشَّيخ الرَّضي.
وإلى أنَّ الاسم بعد (ذا) العطف تعبير المصنّف باللّحوق في الأوَّل، وبالبعدية في الثَّاني ظاهر على المتأمّل في نحو قولك: جاءني هذا الرَّجل، نعت على أن تكون اللّام إشارة إلى حصّة غير معيَّنة، أو عطف بيان على أن يكون إشارة إلى حصّة معيَّنة [كما حققه ابن عصفور] على خلاف [بين النُّحاة] في المعرّف بـ أل [أي: بحرف التعريف الواقع بعد اسم الإشارة، وبعد أيّها في: أيّها الرجل. فإن تلك اللّام للعهد الذّهني عند البعض، ووجه التَّنبيه انحصار كون المعرّف بعدهما صفة أو عطف بيان كما جعله أكثر النُّحاة. وعند البعض أن يكون بدلًا. ذكره في "شروح الكافية" فلا يكون التَّنبيه تامًّا.
وفيما لا يتبيّن عليه إعرابٌ. عطف على قوله في إعراب الاسم، يعني: يُعاب على الناشئ أن يقتصر فيما لا يتبيّن عليه إعرابٌ، وقوله: أن يقول، عطف على أن يقول بعاطفٍ واحد، مضافٌ فإنّ المضاف ليس له إعراب مستقرٌّ كما للفاعل ونحوه. أي: إعراب مستقرٌّ للفاعل وفروعه، والمفعول وفروعه، والمضاف إليه وفروعه.
إنَّما إعرابه بحسب ما يدخل عليه أي: على المضاف [فيكون إعرابه على [حسب] العامل، فالصَّواب أن يقال في التعبير عن المضاف]. فاعل ومفعول ونحو ذلك من المعمول الَّذي يستقرّ إعرابه، والمصنّف لم يقل هو فاعل ومضاف مع أنَّه يتعلَّق بذلك فائدة، وهي كونه جارًّا للمضاف إليه. والفرق بين هذه الفائدة وما ذَكَرَهُ في الموصول واسم الإشارة فليس بواضحٍ.
بخلاف المضاف إليه في جواز الاقتصار عليه، فإن له إعرابًا مستقرًّا وهو. أي: الإعراب المستقر فيه الجرّ فإذا قيل في التعبير: مضاف إليه، عُلم أَنَّه مجرور بالمضاف.
[ ١٧٩ ]
ليس في كلام الله تعالى حرف زائد
الزائد عند النحويين
-الحرف الزائد من القُرآن-
وينبغي أن يتجنَّب المُعرِبُ؛ فاعل ينبغي؛ أي اجتناب المُعْرب أن يقول في حرفٍ الذي ثبت في كتاب الله تعالى أنَّه، الضمير راجع إلى الحرف من غير تأويل الكلمة زائد، بل يقولون: إنَّه صلة أو مؤكَدٌ لأنَّه يسبق إلى الأذهان عند إطلاق الزَّائد أنَّه هو معرب الَّذي لا معنى له أصلًا، وكلام الله تعالى منزه عن ذلك أي: عن الزَّائد الذي لا معنى له، وقد وقع هذا الوهم، أي كون المراد من الزائد ما لا معنى له، للإمام العلامة المحقّق فخر الدّين الرّازي فقال الإمام:
المحقّقون على أنّ المهمل لا يقع في كلام الله تعالى، والجملة محكي القول. وأمّا في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ فيمكن أن تكون استفهامية للتعجّب، والتقدير فبأي رحمة انتهى.
هذا الكلام يجوز أن يكون من طرف الإمام تصحيحًا لقول المحقّقين، ويجوز أن يكون من طرفهم تصحيحًا لما يدّعيه برفع سؤال مقدّر وهو أنَّ الباء في: فبما رحمة: زائدة. فأجاب بهذا، فإن قلت: لِمَ لا يجوز أن مراد الإمام أن يمنع إطلاق الزّائد على حرف من كتاب الله تعالى، لما فيه حرف حجاب الهيبة، ومخالفة باب الأدب.
نعم يجوز هذا التّوجيه إذا كان الجواب عن طرف المحقّقين، وأمَّا إذا كان عن طرفه وهو المتبادر، فهذا التّوجيه سخيف جدًا.
والزَّائد عند النّحويّين، جواب عمَّا قال المحقّقون، معناه الذي لم يؤت به إلا لمجرد التَّقوية والتَّأكيد، لا المهمل، على أنّ كون الشيء مفيدًا لمعنىً لا ينافي تسميته بالزَّائد، فإنَّ النَّحويين يسمّون كان في: كان زيدٌ فاضلٌ زائدة، وإن كانت مفيدة بمعنًى وهو المضيِّ والانقطاع، وذكر في "المغني" أنَّهم قد يريدون بالزَّائد المعترض بين الشيئين مُطَالِبين، وإن لم
[ ١٨٠ ]
يصحّ أصل المعنى بإسقاطه، كما في مسألة [لا في نحو:] (جئتُ بلا زاد)، وغضب من لا شيء، فإنَّهم لا يسمّون (لا) المعترضة بين الخافض والمخفوض زائدة انتهى.
فَعُلِمَ ممَا ذُكر أن إطلاق الزَّائد ليس فيه شيء سوى ترك ما ينبغي قوله.
والزائد: مبتدأ، وعند ظرف متعلّقٌ به مضاف إلى النَّحويين، ومعناه مبتدأ ثان والموصول مع صلته خبره، والمبتدأ الثَّاني مع خبره خبر الأوَّل.
والتَّوجيه المذكور في الآية من طرف الإمام باطل لأمرين:
أحدهما أنّ (ما) الاستفهاميّة إذا خفضت بحرف جرٍّ وجب حذف ألفها نحو قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ يمكن [ردُّ] هذا الوجه بأن يقال: إنّ بعضَ المفسرين جوّزوا إثبات ألفها على أصلها عند الخفض كما عرفت في النّوع الثامن.
والثاني: أي ثاني الأمرين: أنَّ خفض رحمةٍ حينئذٍ، من أسماء الزّمان، وهي مضاف إلى الجملة، فحذف المضاف إليه، وعوّضت التنوين، فالتقى السَّاكنان، الذَّال والتّنوين فحُرّكَت الذَّال بالكسر؛ لأنَّ الساكن إذا حُرِّك بالكسر، وذُكر فيه وجهٌ آخر وهو أنَّهم لمَّا حذفوا المضاف إليه، وحقّه أن يكون مجرورًا منوّنًا، طرحوا جرّه وتنوينه على المضاف ليكون بمنزلة استغنائه بعد ذهابه.
وما قاله الأخفش: إنَّه مجرور بالإضافة فليس بجيّد.
وقال بعضهم: بالفتح لكونها أخفّ الحركات، وتكرير اسم الزّمان بمنزلة التَّكرير في يا تيم تيم عديّ، ووجهه أنْ يراد الكسرة على الذّال ممَّا يمجّ السمع، وينفر عنه الطبع لكون السّكون أصلًا في المبنيَّات فأدخل الاسم الأوَّل على الثَّاني ليوهم إدخاله عليه
[ ١٨١ ]
أي عند النحويين
كم عند النحويين
الإضافة، ويرتفع بذلك الاستكراه والنّفرة، كذا قيل وهذا لا يجيء إلَّا بعدما تقدَّم حصته ليكون تقدّمها قرينته، تدل على خصوصيَّة ذلك المضاف إليه، فتقديره: أنّ خفض (رحمة) حين إذا كان ما وجّهت.
يُشْكِلُ لأنَّه أي لأنَّ جرّ رحمة، لا يكون إلَّا بالإضافة، إذ ليس في أسماء الاستفهام ما يُضاف. قيَّد به لأنَّها [لا] يجوز أن تكون مضافًا إليه، فيحذف ألفها فرقًا بين (ما) الاستفهاميَّة والخبرية كذا في الجاربردي.
إلّا أي عند الجميع، أي عند جميع النُّحاة، فإنَّ معنى أي أن يكون بعضًا من كل وحقه لذلك أن يكون مضافًا أبدًا.
قال في "الإقليد" يمكن أن يكون أصل أي أوي لأنَّه أبدًا بعض ما يضاف إليه، وبعض الشيء يأوي إليه كلّه إلّا أنَّ الواو قلبت ياءً.
وكم عند الزَّجّاج.
اعلم أنّ (كم) كناية عن العدد فيستعمل على وجهين:
خبرية واستفهامية.
فالخبريّة تجرّ مميّزها مفردًا أو مجموعًا كمميّز الثلاثة والمئة نحو: كم رجلٍ، وكم رجالٍ عندي.
والمفرد أكثر من المجموع لأنَّ (كم) للتكثير، فجعل مميّزها كمميّز العدد الكثير وهو المائة وألف، وإنَّما جاز الجمع فيه ولم يجز في العدد الصريح [لأنّ العدد الكثير يدلّ على الكثرة صريحًا فاستغنى به عن الجمع] بخلاف (كم) فإنَّها كناية عن العدد الكثير، وليس في لفظها ما يدلُّ على الكثير صريحًا، فيجوز ذكر مميّزها جمعًا صريحًا لكثرته.
وهذا الجرّ بالإضافة عند غير الفرَّاء حملًا على العدد الكثير وعند الفراء بـ (مِنْ) مقدّرة، وجوّز [عمل] الجار هنا، وإن كان مقدّرًا لكثرة دخول (مِنْ) على مميّز الخبرية. والشيء إذا عُرف في موضع جاز تركه لدلالة الموضع عليه، هذا إذا لم يُفْصَل بين كم
[ ١٨٢ ]
ومميّزها بجملة أو ظرف. وإنْ فُصِل فالمختار النَّصب حملًا على الاستفهامية.
والاستفهامية تنصب مميّزها مفردًا كمميّز أحد عشر لأنَّ [المُسْتَفْهِم لا يتحقق عنده في الأغلب كثرة العدد] المُسْتَفْهَم عنه ولا قلته، بل المستفهَم عنه يحتمل الأمرين، فحملت على المرتبة المتوسطة، ولأنَّها كعدد مقرون بهمزة الاستفهام فأشبهت العدد المركب. فأجريت مجراه في كون مميّزها منصوبًا مفردًا، ولا يجوز جرّ مميزها إلَّا إذا انجرّت هي، فإنَّه يجوز جرّ مميّزها لفقد تطابُقِ (كم) ومميّزها في الإعراب، وذلك الانجرار بتقدير (مِنْ) مع بقاء عملها عند الخليل وسيبويه، وبإضافة (كم) عن الزَّجَّاج.
هذا ولك أن تقول: لم لا يجوز تضمين ما يُضاف بالاتّفاق وهو أي؟
ويرشدك إليه ما قاله الإمام، والتقدير: فَبِأيِّ رَحْمَةٍ.
نعم. للاستفهام مميّز مشترك. لكن الكلام ليس فيه، بل فيما صارت (أي) في الاستفهام مميَّزة به عن غيرها.
ولا يكون خبر رحمة بالإبدال من (ما)، لأنَّ المبدَل من اسم الاستفهام لابد أي لا جرم أن يقترن بهمزة الاستفهام نحو: كيف أنت أصحيح أم سقيم؟ هذا مذكور في أكثر كتب النَّحو.
قال شارح "الألفيَّة": هذا مذهب البصريين، وذهب كثير من الكوفيين إلى أنَّ المبدل يجوز (ممَّا) الاستفهامية، والصحيح مذهب البصريين. انتهى.
ودليلهم أنّ المبدل منه في حكم السقوط، فلابد من بقاء ما يدلّ على الاستفهام لكونه مرادًا يمكن أن يجاب عنهم في طرف الكوفيين، بأن يقول ليس المراد في قولهم: "إنَّه في حكم التنحية الأوَّل إيذانٌ منهم باستقلاله بنفسه، ومفارقته للتأكيد والصفة في كونهما متممتين لما يتبعانه لا إهداره بالكليَّة على ما نصَّ عليه الزمخشري في "مفصله" حتَّى يلزم إبقاء ما يدلّ على الاستفهام".
[ ١٨٣ ]
ولا تكون رحمة صفة، ويجوز بالجرّ عطف بالإبدال و(لا) زائدة بعد حرف العطف، لكن لا يحتمل رسم الخط في قوله: ولا بيانًا لأنَّه وُجِدَ بالألف في جميع النسخ التي صادفناها لأنّ ما أي: لفظة (ما) لا يوصف إذا كانت شرطية أو استفهاميَّة كما عرفت فيما سبق أن كلا منهما قسم مستقلٌ ولا بيانًا لأن ما أي لأنَّ الشيء الذي لا يوصف. ولا يعطف عليه بيان كالمضمرات.
ظاهر هذا الكلام يُشعر أن جميع المضمرات لا يعطف عليها عطف بيان [والحق أن المضمرات التي غير ضمير الشّأن يعطف عليها عطف بيان] ما ذكره صاحب "اللّب" وفيه ما فيه الكليَّة. ممنوعة في المقيس عليه على أن كلام الإمام ينبو عن هذا لتَّوجيهات حيث قال: والتقدير: فبأي رحمة.
وكثير من النُّحاة المتقدّمين يسمّون الزائدة صلة، لأنّه يتوصّل به إلى زيادة فصاحةٍ أو استقامة وزن أو حُسنِ سجعٍ، أو تزيين لفظ وغير ذلك.
وبعضهم أي: بعض النُّحاة المتقدّمين وهو الأظهر، ويجوز أن يكون الضمير كناية عن النُّحاة مطلقًا.
قال الجوهري: بعضُ الشيء واحدُ أبعَاضِهِ.
وقال شارح "الألفية": والبعض عند البصريين يقع على أكثر الشيء وعلى نصفه وعلى أقلّه. وعند الكسائي وهشام: إن بعض الشيء لا يقع إلَّا ما دون نصفه انتهى.
وما ذُكِرَ في بعض شروح المتن أن إطلاق المؤكَّد ضعيف يدلّ عليه لفظ الـ (بعض) فليس بشيء لأنَّه على تقدير تسليم إطلاق البعض على ما دون النصف تمنع استلزام قلّة القائل ضعفَ القول.
ويُسَمّيه مؤكدًا لا تأكيدًا لإيصال الثابت، والمراد من هذا الكلام تأكيد ودليلٌ لقوله: وينبغي أن يجتنب المعرب بقوله المتقَدِّمين.
[ ١٨٤ ]
تمت. تمت. تمت. ١١٦٣ هـ.
[تمَّ كتاب شرح قواعد الإعراب، والحمد على من هو سبب الأسباب، والصلاة على من له النعم والشراب، وعلى الذين هم أولي العلوم والألباب. ربِّ اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم الحساب في وقت العصر في يوم الإثنين من شهر ذى القعدة سنة ستة وعشرين وألف ١٠٢٦ هـ كتبها عبد الكافي بن عبد السَّلام المرعشي].
[ ١٨٥ ]