الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في إضمار المجرور مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في إضمار المجرور؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يجوز أن يكون للمجرور إضمار منفصلٌ؟ .
ولم استوت علامة إضمار المنصوب والمجرور المتصل إلا في الإضافة إلى نفس المتكلم، نحو: بي، ولي، وعندي؟ .
وما حكم: مررت بزيدٍ وعمروٍ، إذا كان عمروٌ مخاطبًا؟ ولم وجب فيه: مررت بزيدٍ وبك، على إعادة الجار، وما مررت بأحدٍ إلا بك؟ وهل ذلك لأن الكاف وأخواتها لا تكون إلا متصلةً بالعامل؟ .
[ ٦٠٩ ]
الجواب عن الباب الأول:
الذي يجوز في الإضمار فيما جرى مجرى الفعل الضمير المتصل.
ولا يجوز أن يستتر فيه الضمير /٥٧ أكما يستتر في الفعل؛ لأن هذا من خاصة الفعل التي تجب له بقوة عمله، وهو لئلا يخلو من الفاعل مظهرًا أو مضمرًا، فإذا استغنى عن إظهاره؛ أضمر واستتر في الفعل؛ حتى يكون انعقاده به على أتم ما يمكن، في أعلى مرتبةٍ من الانعقاد الذي ليس فوقه ما هو أعلى منه، وقد بينا لم كان أقوى العوامل.
وما يجري مجرى الفعل في العمل إنما يكون له العمل بحض الشبه، فالضمير المتصل يجوز له؛ لأنه عاملٌ قد وليه الضمير، وذلك في باب إن وأخواتها، وباب رويد وأخواتها مما يتعدى إلى مفعولٍ.
فإذا قلت: عليك زيدًا، أو رويد زيدًا، ثم كنيت عن زيدٍ؛ قلت: عليكه، ورويده.
ويجوز: عليك إياه، ورويد إياه؛ لأنه في المرتبة الوسطى من مراتب
[ ٦١٠ ]
العوامل، مع أنه في تقدير ما قد فصله الفاعل الذي له ضمير المرفوع. ومثل ذلك: عليكني، وعليك إياي، والمتصل أولى؛ لأنه عاملٌ يجري مجرى الفعل.
وبعض العرب يقول: عليك بي، وعليك بنا، على رفض: ني، ونا، مع: عليك؛ لأنه لما ضعف الضمير المتصل، وكان لحاق الباء لا يغير المعنى؛ اختاره؛ ليكون الضمير المتصل فيما يقوى فيه دون ما يضعف فيه.
ويجوز: عليك إياه، ولا يجوز: إن إياه؛ لأن إياه في: عليك إياه، وقع موقعًا منفصلًا من العامل في التقدير بالفاعل، وليس كذلك باب: إن، والدليل على أن معه ضميرًا مرفوعًا مقدرًا جواز تأكيده في: عليكم أنفسكم زيدًا.
وتقول: رأيت فيها زيدًا، فإن كنيت عنه بضمير المخاطب؛ قلت: رأيتك فيها، ولا يحسن: رأيت فيها إياك، ولا رأيت اليوم إياك؛ لأنه يمكن المتصل من غير أن يقلب المعنى، ولا يغيره عن حد الأولى؛ فلهذا قبح: رأيت فيها إياك، وكذلك يقبح: ضرب زيدٌ إياك، وإن فيها إياك.
ولا يلزم على هذا امتناع: ما رأيت إلا إياك، وما أتاني إلا أنت، لأن هذا لو أتي فيه بالمتصل؛ لانقلب المعنى؛ إذ يصير: ما رأيتك، وما أتيتني.
[ ٦١١ ]
وكذلك لا يلزم عليه امتناع: إياك رأيت؛ لأنه يوجب تغيير المعنى عما هو أولى؛ إذ الأولى في الأنبه الأعرف تقديمه في صدر الكلام /٥٧ ب إذا أريد البيان عن منزلته.
[ ٦١٢ ]
الجواب عن الباب الثاني:
الذي يجوز في الشعر من الإضمار وقوع المنفصل موقع المتصل، ولا يجوز أن يقع المنفصل موقع المتصل في المجرور؛ لأن المجرور ليس له منفصلٌ كما للمرفوع والمنصوب.
وقال حميدٌ الأرقط:
إليك حتى بلغت إياكا
فأوقع إياك موقع الكاف في: بلغتك.
وقال الآخر:
كأنا يوم قرى إنما نقتل إيانا
في موضع: نقتل أنفسنا.
[ ٦١٣ ]
الجواب عن الباب الثالث:
الذي يجوز في إضمار المجرور الضمير المتصل الذي يكون للمنصوب؛ للمؤاخاة بين الجر والنصب.
ولا يجوز للمجرور ضميرٌ منفصلٌ؛ من أجل أنه لا يفرق بين الجار والمجرور، ولا يقدم عليه.
وتستوي علامة الضمير المنصوب والمجرور المتصل إلا في الإضافة إلى نفس المتكلم، نحو: بي، ولي، وعندي، وصاحبي، ويكون قبلها في الفعل نونٌ؛ ليسلم بناء الفعل من لفظ الجر، كقولك: ضربني، ويضربني.
وتقول: مررت بزيدٍ وعمروٍ، فإن كنيت عن عمروٍ، وهو مخاطبٌ؛ قلت: مررت بزيدٍ وبك، وإن كان غائبًا؛ قلت: مررت بزيدٍ وبه، فأعدت حرف الجر؛ حتى يصح الضمير المتصل في المجرور.
[ ٦١٤ ]