الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الاستثناء الذي فيه المستثنى] مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الاستثناء الذي يحذف [فيه] المستثنى؟ وما الذي
لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يجوز الحذف إلا وقد صحب الكلام دليل يقوم مقام المحذوف في إفهام
المعنى؟ .
وما حكم قولهم: ليس غير، وليس إلا؟ ولم قدر على: ليس غير ذاك، وليس
إلا ذاك؟ .
وما دليل المحذوف؟ وهل هو حال تقتضي لزوم أمر لابد منه، فيقال: ليس إلا،
في حال اقتضاء لزوم أمر لا ينفك منه، فيفهم معنى الكلام، وكأنه مؤكدا لما قد
دلت عليه الحال من أن ذلك الأمر لابد منه؛ ولهذا قدر بليس إلا ذاك؛ لأنه إشارة إلى
ما قد دلت الحال عليه؟ .
[ ٥٤٤ ]
وهل يجوز: ما منعهما مات حتى رأيته في حال كذا وكذا؟ وما دليل المحذوف
فيه؟ وهل هو حال ذكر اثنين، يفصل أحدهما بمن في قوله: ما منهما، فيقتضي:
ما منهما أحد إلا بصفة كذا؟ .
وما تأويل قوله جل وعز: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]؟
وهل دليل المحذوف حال ذكر أهل الكتاب مع فصل بعضهم بمن، فيقتضي ذلك:
وإن من أهل [الكتاب] أحد إلا / ٣٣ ألَيُؤْمِنَنَّ [به]؟ .
وما الشاهد في قول النابغة:
(كأنك من جمال بني أقيش يقعقع خلف رجليه بشن)؟
وما دليل المحذوف؟ وهل هو ذكر جمال قد فصل بعضها بمن؛ ليصفه بالصفة
التي ذكر، فاقتضى ذلك: كأنك من جمال بني أقيش جمل يقعقع خلف رجليه
بشن؟ .
[ ٥٤٥ ]
وما الشاهد في قوله:
(لو قلت ما في قومها لم تيثم يفضلها في حسب وميسم؟
وما دليل المحذوف فيه؟ وهل هو ما يقتضيه حرف النفي من الاسم العام إذا
أطلق، كما يقتضي في قولك: ما فيها إلا زيد، فيقتضى ليوصف بالصفة التي ذكرت
في البيت، فتقديره: لو قلت: ما في قومها لم تيثم أحد يفضلها؟ .
وهل يجوز: لو أن زيدًا هاهنا؟ ولم جاز على حذف الجواب؟ وما دليله؟
وهل هو حال تفخيم الشأن في خير أو شر؛ ولذلك كان حذف الجواب أبلغ في مثل
هذا؟ .
[ ٥٤٦ ]
وهل يجوز: ليس أحد؟ وما دليل المحذوف فيه؟ وهل هو حال طلب إنسان
هناك، فقيل: ليس أحد، أي: ليس أحد هاهنا؟ .
وما الشاهد في قول ابن مقبل:
(وما الدهر إلا تارتان فمنها أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح؟)
وما دليل المحذوف فيه؟ وهل هو حال ذكر تاركتين قد فصلت إحداهما بـ (من)،
فاقتضى: إلا تارتان فمنها تارة أموت، ومع ذلك فقوله: وأخرى أبتغي العيش
أكدح، دليل على تقدم ذكر (تارة) في التقدير والمفهوم؟ .
وهل يجوز: هذا الذي أمس؟ وما دليل المحذوف فيه؟ وهل هو حال فعل له أمس
قد اشتهر، فكأنه قيل: هذا الذي فعل أمس؟ .
[ ٥٤٧ ]
وما الشاهد في قول العجاج:
(بعد التيا والتيا والتي)؟
وما دليل المحذوف فيه؟ وهل [هو] حال حدوث أمور عظام، فكأنه قال:
بعد اللتيا حدثت من تلك الأمور؟ .
[ ٥٤٨ ]
الجواب عن الباب الأول:
الذي يجوز في الاستثناء الذي يحمل المعطوف فيه على التأويل وجهان:
أحدهما: الحمل على اللفظ.
والآخر: الحمل على معنى كلام يخالف المذكور في الإعراب، ويوافقه في
المعنى.
ولا يجوز أن يحمل على موضع مفرد معرب؛ لأنه لا موضع له غير ما ظهر في
لفظه؛ / ٤٤ ب إذ كان لا يقع موقعه اسم مفرد إلا ظهر فيه مثل ذلك الإعراب
وتقول: ما أتاني غير زيد وعمرو، فيجوز في عمرو وجهان: الجر بالعطف
على اللفظ، والرفع بالعطف على تأويل الكلام، إذا تأويله: ما أتاني إلا زيد
وعمرو، فالجر الوجه؛ لأنه أشكل في اللفظ، مع اتفاق المعنى.
فأما قول الشاعر:
( فلسنا بالجبال ولا الحديدا)
فهذا عطف على الموضع؛ لأن موضع (بالجبال) نصب؛ وإذ لو وقع موقعه مفرد
معرب؛ لظهر النصب، وإنما الحمل على التأويل مشبه لهذا من جهة أنه حمل على
[ ٥٤٩ ]
غير صريح اللفظ، إلا أنه ينفصل من الوجه الذي بينت لك، فلا يجوز أن تعطف
على (غير)؛ لأنه ينقلب المعنى، فيوجب أن عمرًا لم يأت، كما يوجبه في: ما
أتاني مثل زيد ولا عمرو.
وقول العرب: ما أتاني غير زيد وإلا عمرو، دليل على أن الأول في معنى
الاستثناء، حتى صح أن يعطف بإلا؛ إذ لا يجوز: ما أتاني مثل زيد وإلا عمرو،
وما أتاني غلام زيد وإلا عمرو، فهذا يفسد؛ لأنه لم يتقدم معنى الاستثناء.
[ ٥٥٠ ]
الجواب عن الباب الثاني:
الذي يجوز في الاستثناء الذي يحذف فيه المستثنى إذا ظهر دليلٌ يقوم مقام المحذوف في الإفهام؛ جاز حذفه.
ولا يجوز إذا لم يكن دليلٌ يقوم مقام المحذوف في الإفهام؛ لأنه لا يعمل على كلامٍ لا يفهم له معنى.
وتقول: ليس غير، وليس إلا، وتقديره: ليس غير ذاك، وليس إلا ذاك، ودليل المحذوف حالٌ تقتضي لزوم أمرٍ لابد منه، فيقول القائل: ليس إلا، فيتحقق ذلك الأمر أنه لابد منه، وتكون الحال التي ذكرنا قد قامت مقام المحذوف في: ليس إلا ذاك الذي لابد منه.
ومما حذف للدلالة عليه قولهم: ما منهما مات حتى رأيته في حال كذا وكذا،
[ ٥٥١ ]
فدليله ذكر شيئين قد فصل أحدهما بمن ليوصف بصفٍ خاصةٍ، فاقتضى ذلك: ما منهما أحدٌ مات حتى كان كذا.
وفي التنزيل: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، ودليل المحذوف فصل (من) بعض أهل الكتاب، فاقتضى ذلك: وإن من أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمنن به.
وقال النابغة:
(/٤٥ أكأنَّكَ مِنْ جِمالِ بني أْقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفُ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ)
ودليل المحذوف فصل (مِنْ) بعض الجمال؛ ليوصف بالصفة الذي ذكرت، فاقتضى ذلك أن يكون على معنى: كأنك من جِمالِ بني أْقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفُ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ.
يتلوه: وقال الشاعر:
لو قُلْتَ ما في قومِها لم تِيْثَمِ
والحمد لله وحده، وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.
[ ٥٥٢ ]
الجزء التاسع والعشرون من شرح كتاب سيبويه، إملاء أبي الحسن
على بن عيسى النحوي.
/٤٥ ب بسم الله الرحمن الرحيم، وبالله التوفيق.
وقال الشاعر:
(لو قُلْتَ ما في قومِها لم تِيْثَمِ يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيْسَمِ)
فدليل الحذف حرف النفي الذي يقتضي الاسم العام، مع الصفة التي تقتضي الموصوف، وذلك على قياس: (ما في الدار إلا زيدٌ، في دلالته على (أحدٍ) التي تقوم مقام اللفظ) به، (فتقديره: لو قلت): ما في قومها، لم تِيْثَمِ أحدٌ يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيْسَمِ.
وتقول: لو أن زيدًا هاهنا، على حذف الجواب في حال تفخيم الشأن، كما تقول: لو أن عليًا بين الصفين، فهذا في تعظيم شأنه في الفتاء، فإذا ذكرت جبانًا مشهورًا بالجبن، فقلت: لو كان فلان بين الصفين، لفهم المعنى] أنه [: لكادت نفسه أن تخرج، أو لذهب عقله من جزعه، أو لولى مدبرًا لا يلوي على شيءٍ، فهذا في ضد تلك الحال.
[ ٥٥٣ ]
وتقول: ليس أحدٌ، فدليل المحذوف حال طلب إنسانٍ هناك، فكأنه قيل: ليس أحدٌ هاهنا.
وقال ابن مقبلٍ:
(وما الدَّهْرُ إِلا تارَتانِ فمِنْهما أَمُوتُ وأُخرى أَبْتَغي العَيْشَ أكْدَحُ)
ودليل المحذوف ذكر تارتين،] ثم [فصلهما بمن؛ ليوصف المفصول، فاقتضى ذلك: فمنهما تارةٌ أموت، وبين ذلك بقوله: وأخرى.
وتقول: هذا الذي أمس، ودليل المحذوف اشتهار إنسانٍ بفعلٍ، فكأنك قلت: هذا الذي فعل أمس.
وقال العجاج:
بَعْدَ اللَّتَيّا واللَّتَيّا والَّتي
فحذف الصلة، ودليل المحذوف حدوث أمور عظامٍ، فكأنه قال: بَعْدَ اللَّتَيّا حدثت من الأمور العظام، وأوضح ذلك بالتكرير للتأكيد؛ لأنه لا يؤكد إلا ما عظم شأنه.
[ ٥٥٤ ]