الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الاستثناء الذي يقدم فيه المستثنى مما يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الاستثناء الذي فيه المستثني؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم
ذلك؟ .
ولم لا يجوز أن يقدم المستثنى في أول الكلام كما جاز أن يقدم على المستثنى
منه؟ وهل ذلك لأنه تقييد لما دل أول الكلام عليه باقتضائه له، وإن لم يذكر
المستثى منه؟
وما حكم: ما فيها إلا إباك أحد، ومالي إلا أباك صديق؟ فلم جاز النصب على
الاستثناء بطريقة الموجب، ولم يجز البدل؟
ولم لا يتقدم البدل على المبدل منه؟ وهل ذلك تابع له مقدر به، والمقدر
لا يصح إلا بعد حضور والمقدر به، وهلا كان الوجه الرفع في الأول، وجعل (أحد)
بلا منه؟ وهل ذلك لايصلح؛ لأنه إنما يستثنى الأخص من الأعم، و(أحد) أعم،
[ ٥١٠ ]
فهو المقدم الذي يستثنى منه؟
ولم صار الوجه الضعيف في التأخر هو القوي الذي لا يجوز غيره في التقديم؟
وما نظير ذلك في تقديم/ ٣٨ أصفة النكرة؟ .
وما الشاهد في قول كعب بن مالك:
الناس ألب علينا فيك ليس لنا إلا السيوف وأطراف القنا وزر؟
وهلا امتنع التقديم؛ لما يوجب من الحمل على الوجه الضعيف؟ وهل ذلك
لأنه يبطل سبب الضعف في التقديم، وهو اقتضاء الإتباع؟ .
وهل يبطل الضعف في التقديم، وهو اقضاء الإتباع؟ .
وما حكم: ما أتاني أحد إلا أبوك خير من زيد، وما مررت بأحد إلا
[ ٥١١ ]
عمرٍو خير من زيد؟ ولم جاز بالرفع والنصب إذا تأخرت صفة الأول؟ .
وما مذهب أبي عثمان في هذا ولم اختار النصب؟ وهل ذلك لأنه فر من أن
يوصف مالا يعتد به في الكلام كما لا يعتد بالمبدل منه، فإذا نصب؛ بطل أن يكون
لا يعتد به، وحسنت الصفة له؟
وهل يقوى قول سيبويه أن الصفة وقعت موقع المستدرك به بعد ما مضى
البدل؟ .
وما حكم: من ولي إلا زيد صديقا؟ ولم حمل (صديقًا) على الحال؟ وهل هو
على تفريغ العامل لزيد، حتى عمل فيه على جهة الخبر، وجاءت الحال بعد تمام
الكلام؟ .
وما وجه قول بعضهم: ما مررت بأحد إلا زيدًا خير منك، ومالي [أحد]
[ ٥١٢ ]
إلا زيدًا صديق؟ وهل ذلك على أن تأخير الصفة بمنزلة تأخير الموصوف؛ إذا الصفة
والموصوف بمنزلة شيء واحد؟
وما وجه قول بعض العرب: مالي إلا أبوك أحد، وما مررت بمثله أحد؟ وهل
ذلك على الاستدراك بأحد؟
ولم جاز: مالي إلا أبوك صديقا؟ وهل هو بمنزلة: لي أبوك صديقًا،
وبمنزلة: ما مررت بأحد إلا أبيك خيرًا منه؟ .
وما الشاهد في قول الكحلبة:
( ولا أمر للمعصي إلا مضيعًا؟).
[ ٥١٣ ]
وهل هو على: فيها رجل قائما، ويجوز على قولك: لا أحد فيها إلا زيدًا؟ .
وهل يجوز: من لي إلا زيد صديق، على أن يكون زيد بدلًا من (من)، ويكون
صديق خبر الابتداء؟ وهل يجيء على هذا: ما مررت بأحد إلا زيد خير منك، في
أن البدل قبل الوصف بمنزلته قبل الخبر؟ .
الجواب:
/٣٨ ب الذي يجوز في الاستثناء الذي يقدم فيه المستثنى النصب على طريقة
الاستثناء من موجب؛ لأنه كان يجوز فيه وجهان في التأخير: البدل، والنصب
على طريقة الاستثناء من موجب، فلما تقدم بطل البدل، وبقي الوجه الاخر.
ولا يجوز تقديم الاستثناء في أول الكلام؛ لأنه تقييد لما قبله، ولا يصح
التقييد لما لم يوجد.
[ ٥١٤ ]
ولا يعارض هذا تقديمه على المستثنى منه؛ لأن المستثنى منه إذا كان يجوز
تركه؛ لدلالة الكلام عليه؛ فتأخيره أجوز، وقد صار الكلام الذي يدل على
المستثنى منه بمنزلة ذكره في التقديم.
وتقول: ما فيها إلا أباك أحد، ومالي إلا أباك صديق، فتنصب الاستثناء المقدم
على طريقة الموجب.
ولا يجوز البدل؛ لأنه تابع يحتذي فيه على مثال المقدم، ولا يجوز أن يكون
الوجه الرفع على جعل (أحد) بدلًا منه؛ لأن في ذلك استثناء الأعم من الأخص،
وفي هذا قلب ما يجب أن يكون عليه؛ إذ (أحد) أعم، فلا يصلح: ما مررت إلا
بزيد أحد، على هذا الوجه.
وجاز الوجه الضعيف في التأخير؛ قد بطل سبب الضعف، وهو ما يقتضي
الإتباع.
[ ٥١٥ ]
ونظير ذلك من تقديم صفة النكرة قول الشاعر:
(لمية موحشًا طلل )
فهذا على الحال، وقد كانت تضعف في التأخير؛ لاقتضاء النكرة أن تتبعها
الصفة النكرة، فلما تقدم؛ بطل سبب الضعف، وصار لا يجوز غير الحال،
فالاستثناء المقدم على هذا القياس.
وقال كعب بن مالك:
(الناس ألب علينا فيك، ليس لنا إلا السيوف وأطراف القنا وزر)
فهذا على تقديم الاستثناء.
وتقول: مالي إلا أباك صديق، فصديق يجري مجرى أحد في أنه الأعم.
[ ٥١٦ ]
وتقول ما أتاني أحد إلا خير من زيد، وما مررت بأحد إلا عمرو خير من
زيد، فسيبويه يجيز في هذا الرفع والنصب على منزلة واحدة، والمازني
يختار النصب؛ لأن البدل بمنزلة ما ليس في الكلام، فلا يحسن أن تصفه صفة /
٣٩ أتقوم مقام التوكيد، أو أكثر، وهو - مع ذلك - يجعله بمنزلة مالا يعتد به.
ويلزمه على هذا أن يكون [لو] أتى بالصفة في موضعها؛ لكان الوجه
النصب أيضا، كقول: ما أتاني أحد خير من زيد إلا أباك.
ويقوي مذهب سيبويه أن الصفة تقع موقع الاستدراك بعدما مضى صدر الكلام
على البدل، فيحسن هذا، ولا يعترض عليه ما ذكره أبو عثمان.
وتقول: من لي إلا زيد صديقًا، على الحال؛ لأن الكلام قد تم في قولك: من
لي إلا زيد.
[ ٥١٧ ]
وبعض العرب يقول: ما مررت بأحد إلا زيدًا خير منك، ومالي إلا زيدًا
صديق؛ لأنه إذا أخر الصفة؛ صار بمنزلة تأخير الموصوف؛ إذ الصفة والموصوف
بمنزلة شيء واحد، كما أنه إذا قدم الموصوف؛ صار بمنزلة تقديم الصفة؛ لهذه العلة.
فكلا الوجهين جائز.
وبعض العرب يقول: مالي إلا أبوك أحد، وما مررت بمثله أحد، فيبدل الأعم
من الأخص؛ لأنه جعله في الموضع الذي يستدرك [به]، كأنه أراد أن يقول: مالي
إلا أبوك، ثم استدرك بقوله: أحد؛ ليدل على مثل المعنى إذا قال: مالي أحد إلا أبوك.
وتقول: مالي إلا أبوك صديقًا، على الحال، بمنزلة: لي أبوك صديقًا، وبمنزلة
ما مررت بأحد إلا أبيك خيرًا منه.
وقال الكحلبة:
( ولا أمر للمعصي إلا مضيعا)
فجاء بالحال من نكرة، وقد قيل: إنها من الضمير في:
[ ٥١٨ ]
المعصي، ويجوز أن يكون على الاستثناء، كقولك: لا أحد فيها إلا زيدًا.
وتقول: من لي إلا زيد صديق، على البدل من (من)، وجعل (صديق) خبر
الابتداء، وهو بمنزلة: ما مررت بأحد إلا زيد خير منك، في أن الصفة بعد البدل،
كما أن الخبر بعد البدل في الأول.
[ ٥١٩ ]