الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الاستثناء الذي يُكرر فيه الاستثناء مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز الرفع فيهما إذا كان الثاني غير الأول؟ .
وما حكم: ما أتاني إلا زيد إلا عمرًا؟ ولم جاز رفع الأول ونصب الثاني،
ونصب الأول ورفع الثاني، ولم يجز رفعهما جميعًا، ولا نصبهما جميعًا؟ ولم
لا يكون الثاني بدلًا من الأول؟ وهل ذلك لأنه غيره مما ليس المعنى مشتملًا عليه؛
وما أتاني أحد إلا زيد؛ ليس زيد فيه غير أحد، ولكنه بعضه، والبعض يبذل من
الكل؟ .
وما حكم: ما أتاني إلا عمرًا إلا بشرًا أحد؟ ولم قدر أحدهما على البدل المقدم،
ولم يجز مثل ذلك في الآخر؟ وهل وجه نصبه على طريقة الاستثناء من موجب،
من غير أن يكون على معنى البدل المقدم؛ لأنه لا يبدل من (أحد) إلا واحد،
[لو] قلت: ما أتاني أحد إلا عمرو إلا بشر؛ لم يصلح على البدل في الثاني؛
[ ٥٢٢ ]
لأنه إذا وقع البدل بالأول؛ صار بمنزلة ما لم يُذكر، وامتنع أن يبدل منه الثاني
فلهذا قدره هذا التقدير؟ .
وما الشاهد في قول الكُميت:
(فمالي إلا الله رب غيره ومالي إلا الله غيرك ناصر)؟
وهل في هذا دليل على أنه بمنزلة المعطوف؟ ولم جاز أن تكون (إلا) بمنزلة
حرف العطف في هذا، كأنه قال: مالي إلا الله وإياك ناصر؟ .
وما الفرق بين حرف العطف وبين (إلا) في هذا، حتى جاز: ما أتاني إلا زيد
وعمرو، لم يجز: ما أتاني إلا زيد إلا عمرو؟ وهل ذلك لن (إلا) توجب أن
الثاني فضلة في الكلام كالمفعول، والواو توجب الشركة في فعل الفاعل، و(إلا)
تقع موقع الاستدراك الذي يقيد به الكلام مما لو لم يقيد بإلا لم يصح؛ إذ قولك:
مالي إلا زيد إلا عمرًا أحد، (لو أطلق القول فيه فقيل: مالي إلا زيد أحد)؛
[لا ختل المعنى اختلال ما لم يقيد]، وهو في الواو يختل اختلال ما افرد عن
الشركة، وهو عليها؟ .
[ ٥٢٣ ]
وما الشاهد في قول حارثة بن بدر الغداني:
(يا كعب صبرًا على ما كان من مضض يا كعب لم يبق منا غير أجساد)
(إلا بقيات أنفاس نحشرجها كراحل رائح أو باكر غاد؟)
فلم رفع الأول والثاني؟ ولم جعله سيبويه على تفسير: لم يبق منا مثل
أجساد؟ وهل يقع الثاني على البدل من الأول أم على الصفة؟ .
وما الشاهد في قول الفرزدق:
(ما بالمدينة دار غير واحدة دار الخليفة إلا دار مروان؟)
[ ٥٢٤ ]
وكم وجهًا يجوز في هذا البيت؟ ولم جاز فيه أربعة أوجه: رفعهما جميعًا،
[ونصبهما جميعًا]، ورفع الأول ونصب الثاني، ورفع الثاني ونصب الأول؟ .
ولم إذا كانت (غير) بمنزلة (إلا) في الاستثناء؛ لم يكن بد من نصب
أحدهما؟ ولم حكاه ابن أبي إسحاق؟ (وهل ذلك لأنة موضع إشكال)؟ .
(ولم جاز: مالي غير زيد إلا عمرو، ولم يجز: مالي إلا زيد إلا عمرو)؟ .
وهل ذلك لأن (إلا) لا تكون صفة بمنزلة: [مثل، إلا أن يذكر قبلها موصوف،
وليس كذلك غير؟ .
وما حكم: ما أتاني إلا زيد] إلا أبو عبد الله؟ ولم جار رفعهما جميعًا، ولم
يجز: ما أتاني إلا زيد إلا عمرو؛ وهل ذلك لأنه إذا كان الثاني هو الأول؛ جرت
مجرى التكرير للتوكيد، كقول العرب: رأيت زيدًا زيدًا؟ .
وما الشاهد في قول الشاعر:
[ ٥٢٥ ]
(/٤٠ ب مالك من شيخك إلا عمله إلا رسيمه وإلا رمله؟)
فلم رفعهما جميعًا؟ .
[ ٥٢٦ ]
الجواب عن الباب الأول:
الذي يجوز في الاستثناء المقدم الذي يعطف عليه وجهان: النصب، والرفع.
أما النصب؛ فلأنه عطف منصوب على منصوب.
وأما الرفع؛ فلأنه حمل على تأويل المرفوع بوجهين:
أحدهما: أن الأول في تأويل مرفوع.
والآخر: أنه مبتدأ قد دل الكلام الأول على خبره، فيصير بمنزلة خبرين،
والأول خبر واحد.
ولا يجوز أن يعطف على الاستثناء المقدم بالرفع إلا أن يحمل الكلام على
التأويل؛ لأن ما ظهر فيه النصب؛ فليس له موضع يحمل الثاني عليه، ولكنه قد
يكون في تأويل كلام آخر يحمل الثاني عليه.
وتقول: مالي إلا زيدًا صديق وعمرًا، وعمرو. أما النصب؛ فلأنه عطف
منصوب على منصوب، وأما الرفع؛ فلأنه حمل على التأويل؛ لأن تأويل الأول:
مالى صديق إلا زيد.
وقياس الرفع حكاه سيبويه عن يونس، والخليل، فبين ذلك؛ لأنه موضوع إشكال.
[ ٥٢٧ ]
الجواب عن الباب الثاني:
الذي يجوز في الاستثناء الذي يكرر فيه المستثنى رفع أحدهما، ونصب
الآخر، وإن كانا في معنى الفاعل.
ولا يجوز رفعهما جميعًا كما يجوز بالواو؛ (إلا) ليست حرف
عطف، وإنما توجب تقييد الكلام بما يصحح المعنى، فهمي بمنزلة المفعول الذي يأتي
بعد تمام الكلام في أنه فضلة فيه، والواو توجب الشركة في العامل، ولا يجب بها
التقييد لا محالة؛ لأنك لو قلت: سار القوم وزيد، فتركت المعطوف، فقلت: سار
القوم؛ لصح الكلام، وليس كذلك (إلا)، لو قلت: سار القوم، والمعنى على:
سار القوم إلا زيدًا؛ لم يصح؛ لأنك تركت تقييده بما يصحح المعنى. فهذا في (إلا)
لازم في كل موضع، وليس كذلك الواو.
وتقولك ما أتاني إلا زيد إلا عمرًا، وإن شئت قلت: ما أتاني إلا زيدًا إلا عمرو.
ولا يجوز رفعهما جميعًا؛ لما بينا من أن أحدهما على تقدير المفعول الذي هو
فضله في الكلام، ولا يجوز فيه البدل من الأول / ٤١ أ؛ لأنه غيره مما ليس المعنى
مشتملًا عليه.
ولا يجوز نصبهما جميعًا؛ لأنه يبقى الفعل من غير فاعل.
[ ٥٢٨ ]
ولكن ترفع أيهما شئت، وتنصب الآخر.
وتقول: ما أتاني إلا عمرًا إلا بشرًا أحد، فبشر على تقدير البدل المقدم،
وعمرو على [تقدير] الاستثناء من موجب، كأنك قلت: ما أتاني أحد إلا بشر
إلا عمرًا، ثم قدمت عمرًا في هذا الكلام، فصار: ما أتاني إلا عمرًا أحد إلا بشر،
ثم قدمت بشرًا - أيضًا - فصار: ما أتاني إلا عمرًا إلا بشرًا أحد.
ولو قلت: ما أتاني أحد إلا عمرو إلا بشر، على البدل لم يجز في الأول
والثاني؛ لأنك إذا أبدلت الأول؛ صار المبدل منه في تقدير المنتفي، فلم يصلح
أن يبدل منه بعد ذلك.
وقال الكميت:
(فمالي إلا الله لا رب غيره ومالي إلا [الله] غيرك ناصر)
[ ٥٢٩ ]
كأنه قال: إلا الله إلا إياك ناصر، فلا يجوز إلا نصبهما جميعًا على التقدير الذي
بينا، وإنما خرجت (إلا) إلى مقاربة معنى الواو في هذا؛ لأنه يقيد بالواو في
النفي كما يقيد بـ (إلا).
فأما الإيجاب فيختلف حكمها فيه، فيجوز: ما أتاني إلا زيد وعمرو،
ولا يجوز: ما أتاني إلا زيد إلا عمرو؛ لأن (إلا) للتقييد في هذا بمنزلة الفضلة في
الكلام، ولا توجب شركة.
وقال حارثة بن بدر الغداني:
(يا كعب صبرًا على ما كان من مضض يا كعب لم يبق منا غير أجساد)
إلا بقيات أنفاس نحشرجها كراحل رائح أو باكر غاد»
فرفعهما جميعًا، لو كان موضع غير: إلا؛ لم يجز ذلك؛ لما بينا، ولكن جعل:
غير أجساد، في هذا الموضع صفة بمنزلة: مثل أجساد، وأبدل الثاني منه، أو جعله
وصفًا له.
وقال الفرزدق:
(ما بالمدينة دار غير واحدة دار الخليفة إلا دار مروان)
[ ٥٣٠ ]
فقد سمع برفعهما جميعًا على هذا الذي بينا من جعل (غير) بمنزلة (مثل)،
ومن جعلها بمنزلة (إلا) في الاستثناء؛ لم يكن بد من نصب أحدهما.
ويجوز في البيت أربعة أوجه: رفعهما جميعا / ٤١ ب، ونصبهما جميعًا،
ورفع الأول ونصب الثاني، ونصب الأول ورفع الثاني.
أما رفعهما جميعًا؛ فقد بينا وجهه.
وأما نصبهما جميعًا؛ فعلى طريقة الاستثناء من موجب.
وأما رفع الأول ونصب الثاني؛ فعلى أن الأول صفة (دار)، والثاني على
الاستثناء بدل من (دار).
وتقول: مالي غير زيد إلا عمرو، ولا يجوز: مالي إلا زيد إلا عمرو؛ لأن (إلا)
لا تكون صفة إلا أن يتقدم موصوف، وليس كذلك (غير)؛ لأنها يجوز أن تقوم
مقام الموصوف مع ترك ذكره.
[ ٥٣١ ]
وتقول: ما أتاني إلا زيد إلا أبو عبد الله، فترفعهما جميعًا؛ لأن الثاني هو
الأول، وهو يجري مجرى التكرير، كأنك قلت: ما جاءني إلا زيد إلا زيد،
ومثله قول الشاعر:
(مالك من شيخك إلا عمله إلا رسيمه وإلا رمله)
فرسيمه ورمله هو عمله، فالثاني فيه هو الأول؛ فلذلك جاز رفعهما جميعًا.
[ ٥٣٢ ]