الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الاستثناء الذي يكون المستثنى فيه بدلا من الأول مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الاستثناء الذي يكون فيه بدلا من الأول؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يجوز البدل إلا من الموجود، دون المقدر؟ .
ولم جاز البدل من غير أن يقع الثاني موقع الأول في التقدير؟ وهل ذلك لأنه قد وقع موقعه في المرتبة التي له من العامل؛ إذ لو فرغ العامل؛ لعمل فيه في هذا الموضع، وإن لم يل العامل؟ .
وما حكم: ما أتاني أحد إلا زيد، وما رأيت أحدا إلا عمرا، وما مررت بأحد إلا زيد؟ .
وما دليل صحة البدل في هذا؟ وهل دليله تفريغ العامل في: ما لقيت إلا زيد،
[ ٤٤١ ]
وما أتاني إلا زيد؟ .
وما حكم: ما أتاني القوم إلا عمرو، وما فيها القوم إلا زيد، وليس فيها القوم إلا أخوك، وما مررت بالقوم إلا أخيك؟ . ولم جاز في (القوم) ما جاز في (أحد) [مع] أن (أحد) لأعم العام، وليس كذلك القوم؟ وهل ذلك لأن صحة البدل فيهما على قياس واحد، وإن انفصلا من جهة الحذف، فجاز حذف (أحد)، ولم يجز حذف: القوم؟ .
وهل يلزم من قال: ما أتاني القوم إلا أباك؛ (لأنه بمنزلة الإيجاب في: أتاني القوم إلا أباك)، أن يقول: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦٦]، وأن يرد ما هو مسموع عن أبي عمرو بن العلاء في: [ما] أتاني القوم إلا عبد الله؟ .
[ ٤٤٢ ]
وهل يلزمه ألا يجيز: ما أتانب أحد، كما لا يجوز: أتاني أحد؛ إذ قد جعل النفي في هذا على حد الإيجاب؟ .
وهل يلزمه، إذا اعتل بأن الأول جمع ينفصل من (أحد)؛ ليس بجمع، فيصلح بدل الاسم الذي ليس بجمع من الاسم الذي ليس بجميع؛ أن يمتنع البدل في: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [سورة النور: ٦]، وأن يجوز في: ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك إلا زيد؛ لأنه ذكر واحدا، فيلزمه هذا الفساد على العلة الفاسدة؟
وما حكم: ما فيهم أحد اتخذت عنده يدا إلا زيد؟ .
ولم جاز: ما مررت بأحد يقول ذاك إلا عبد الله؟ ولم يكن إلا جرا على البدل؟ .
وما حكم: ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا؟ ولم جاز بالنصب والرفع، ولم يجز: ما ضربت أحد يقول ذاك إلا زيدًا، بالرفع؟ .
[ ٤٤٣ ]
وما الشاهد في قول عدي بن زيد:
(في ليلة لا نرى بها أحد يحكى علينا إلا كواكبها؟)
فلم جاز بالرفع؟ .
ولم جاز: ما أظن أحدا يقول ذاك إلا زيدا، بالنصب والرفع، وما علمت أحدا يقول ذلك إلا زيدا، وزيد، بالنصب والرفع؟ . ولم كان الاختيار النصب؟ وهل ذلك لأنه أجرى في قياس النظائر؛ إذ يجوز في كل فعل من (ضربت) ونحوه، ولا يجوز الرفع في مثل هذا إلا في الأفعال التي تلغى؟ .
وما نظيره في الحمل على المعنى من قولهم: قد عرفت زيد أبو من هو؟ .
[ ٤٤٤ ]
وهل يجوز: ما أظن أحدا فيها إلا زيد؟، وهل ذلك بالحمل على التأويل، كأنه قيل: ما فيها إلا زيد فيما أظن؟ .
وما حكم: لا أحد منهم اتخذت عنده يدا إلا زيد؟، ولم جاز بالجر والرفع على موضع: لا أحد، ولم يجز بالنصب على لفظ: أحد؟ .
ولم كان (رأيت) من رؤية العين بمنزلة: ضربت؟ .
وما في قولهم: ما رأيته يقول ذاك إلا زيد، وما أظنه يقول ذاك إلا عمرو؟ وهل يدل على أنه اعتمد على القول؛ إذ ليس قبله ما يصلح أن يبدل منه، كأنك قلت: ما أظن هذا الأمر يقوله إلا عمرو، بمنزلة: ما يقوله إلا عمرو؟ .
وما حكم: أقل رجل يقول ذاك إلا زيد؟ ولم وجب أنه محمول على التأويل في قولك: ما أحد يقول ذاك إلا زيد؟ ولم يجوز أن يكون بدلا من (أقل) في الحقيقة؟ وهل ذلك لأنه إذا ارتفع من الكلام؛ ارتفع العامل معه، فلم يبق ما يعمل في زيد؟ .
[ ٤٤٥ ]
ولم وجب أن: قل رجل يقول ذاك إلا زيد، لا يجوز فيه أن يكون بدلا من الرجل في (قل)، ولكن (قل رجل) في موضع (أقل رجل)، وهو محمول على التأويل؟ .
وهل يجري: أقل من، وقل من، مجرى (رجل) في هذا إذا كانت (من) نكرة؟ .
وما الشاهد في قول الشاعر:
(رب ما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال؟)
الجواب:
الذي يجوز في الاستثناء الذي يكون المستثنى فيه بدلا من الأول، إذا وقع
[ ٤٤٦ ]
في النفي، وكان يصلح تفريغ العامل للثاني؛ أن يبدل الثاني من الأول كأنه قد فرغ له في التقدير.
ولا يجوز أن يبدل الثاني من الأول المقدر إذا كان محذوفا؛ لأنه يتبعه بأن يجتذى بالثاني على مثال الأول.
ونظير ذلك مقدار يقطع عليه، فإذا حصر؛ صح القطع عليه، وإذا لم يحصر؛ لم يصح أن يقطع عليه، وإن عمل العامل على ما يوافق ذلك المقدار، فإنما يعمله، لا أنه قطع على مقدار من المقادير، وكذلك جميع التوابع.
وإنما جاز البدل، وإن لم يقع الثاني موقع الأول الذي يلي العامل؛ لأنه وقع موقعه في تفريغ العامل له في التقدير.
وتقول: ما أتاني أحد إلا زيد، وما رأيت أحدا إلا عمرا، وما مررت بأحد إلا زيد، فهذا كله على البدل؛ لأن على تفريغ العامل للثاني كقولك: ما لقيت إلا زيدا، وما أتاني إلا زيد.
وتقول: ما أتاني القوم إلا عمرو، وما فيها القوم إلا زيد، وليس فيها القوم إلا أخوك، وما مررت بالقوم إلا أخيك، فيجوز في (القوم) ما جاز في (أحد).
وقد خالف في ذلك بعض النحويين المتقدمين، فذهب إلى أن (القوم) يجري
[ ٤٤٧ ]
أمرهم في النفي مجرى الإيجاب، وفرق بينهم وبين (أحد) بعلل ثلاث:
فمنهم من اعتل في ذلك بأن (أحدا) على معنى أعم العام الذي لو ترك؛ لكان النفي يدل عليه في قولك: ما قام إلا زيد، وليس كذلك (القوم)، فألزمه سيبويه أن ينصب ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦٦] على هذه العلة التي أوجبت عنده: ما قام إلا زيدا.
والعلة الثانية: أنه يصح أن يبدل الاسم الذي ليس بجميع من الاسم الذي ليس بجمع في (أحد)، ولا يصلح في (القوم)، فألزمه على هذا سيبويه ألا يجوز ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ [سورة النور: ٥]؛ لأن الشهداء جمع هو أعم، والأنفس أخص بمنزلة الواحد من الكل.
والعلة الثالثة: أن النفي في (القوم) على حد الإيجاب، على أصل ما يجب في النفي من قولك: ضربت زيدا، وما ضربت زيدا، فألزمه على هذا ألا يجيز: ما قام أحد كما لا يجوز: قام أحد.
فإن قال قائل: فما علتكم في جواز البدل من (القوم) في: ما قام القوم إلا زيد؛ قيل له: إنه على قياس البدل في جميع الكلام، إذا كان الثاني هو الأول، أو بعض الأول، كقولك: رأيت قومك ناسا منهم، أو كان المعنى مشتملا عليه، فلما كان زيد بعض القوم، والمعنى مشتمل عليه؛ جاز البدل فيه على قياس غيره من سائر
[ ٤٤٨ ]
الأبدال، وجرى في بابه مجر (أحد).
وحكى أبو عمرو: ما أتاني القوم إلا عبد الله، فهذا كلام العرب يجرون (القوم) وما أشبهه مجرى (عبد الله)، وقد ذكرنا الشاهد على ذلك من القرآن.
وتقول: ما فيهم أحد اتخذت عنده يدا إلا زيد، على البدل من (أحد)، ويجوز إلا زيد، على البدل من الهاء في (عنده)، كأنك قلت: إلا عند زيد.
وتقول: ما فيهم خير إلا زيد، إذا كان الخير هو زيد.
وتقول: ما مررت بأحد يقول ذاك إلا عبد الله، على البدل من (أحد).
وتقول: ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا، بالنصب والرفع، فيجوز هذا في الأفعال التي تلغى من: علمت وأخواتها، ولا يجوز في الأفعال التي لا تلغى، فلا يجوز: ما ضربت أحدا يقول ذاك إلا زيد، بالرفع على البل مما في: يقول؛ لأنه ليس بمنزلة: ما يقول ذاك إلا زيد، كما أنه في (علمت) بهذه المنزلة، كأنك قلت: ما يقوله إلا زيد فيما أعلم.
[ ٤٤٩ ]
وكذلك: ما أظن أحدا يقول ذاك إلا زيد؛ لأنه بمنزلة: ما يقول إلا زيد فيما أظن.
وقال عدي بن زيد:
(في ليلة لا نرى بها أحدا يحكي علينا إلا كواكبها)
فأبدل مما في (يحكي)، كأنه قال: لا يحكي علينا إلا كواكبها فيما نرى.
والاختيار النصب؛ لأنه أجرى في قياس النظائر؛ إذ يجوز في كل من: ضربت، ونحوه.
ونظيره في الحمل على المعنى: وقد عرفت زيد أبو من هو.
وتقول: لا أحد منهم اتخذت عنده يدا إلا زيد، على البدل من الهاء في: عنده، ويجوز الرفع على البدل من موضع: لا أحد، بالحمل على التأويل، ولا يجوز النصب على (أحد)؛ لأن (لا) لا تعمل في معرفة.
وقول العرب: ما أظنه يقول ذاك إلا عمرو، يدل على إلغاء الظن أن الاعتماد على القول، كأنه قال: ما يقول ذاك إلا عمرو.
[ ٤٥٠ ]
[وتقول: أقل رجل يقول ذاك إلا زيد، كأنك قلت: ما رجل يقول ذاك إلا زيد] وما أحد يقوله إلا عمرو، فهذا محمول على التأويل.
وكذلك: قل رجل يقول ذاك إلا زيد، لا يجوز فيه أن يبدل من (رجل)؛ لأن (قل) لا يعمل في الاسم العلم، وإنما هو محمول على التأويل، كأنه قال: ما أحد يقول ذاك إلا زيد، فقد أفصح سيبويه بأن هذا ليس ببدل من (رجل)، وإنما هو محمول على التأويل، وأنه في موضع: أقل رجل، وبمنزلة: ما أحد يقول ذاك إلا زيد.
وسبيل (من) سبيل (رجل) إذا كان نكرة، وقال الشاعر:
(رب ما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل [العقال].
وعلى ذلك قال الشاعر:
[ ٤٥١ ]
(فكفى بنا فضلا على من غيرنا حب النبي محمد إيانا)
[ ٤٥٢ ]