الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الاستثناء بإلا مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الاستثناء بإلا، وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
وما (إلا) المسلطة؟ وما الملغاة؟ ولم جاز فيها التسليط والإلغاء؟ وهل المسلطة هي الواقعة قي الإيجاب، والملغاة هي الواقعة في النفي على تقدير تفريغ العامل؟ .
وما نظير الملغاة من قولهم: لا مرحبا، ولا سلام عليك؟ .
ولم كان الإيجاب أحق بالتسليط على العمل؟ وهل ذلك لأنه لا يصلح فيه تفريغ العامل كما يصلح في النفي؟ ولم ذلك؟ .
ولم صارت ملغاة في: ما أتاني إلا زيد، وما لقيت إلا زيدا، وما مررت [إلا بزيد].
ولم يجوز في: سار القوم إلا زيدا، تفريغ العامل؟ .
[ ٤٣٦ ]
الجواب [عن الباب الأول]:
الذي يجوز في الاستثناء من الحروف ما فيه معنى إخراج بعض من كل؛ لأن الاستثناء على هذا المعنى.
ولا يجوز أن يكون في الأصل إلا بالحرف؛ لأنه لتعدية الفعل، كما أن حرف الجر للتعدية، وكما أن حرف العطف للتعدية، إلا أن حرف الجر - مع ذلك - عامل؛ لما فيه من معنى الإضافة التي يجب لها ضرب من الإعراب في أصل القسمة.
وأصل حروف الاستثناء (إلا)؛ لأنه حرف لازم لمعنى الاستثناء، فأما ما كان من غيره فيه معنى (إلا)؛ فجائز أن يستثنى به، وما ليس فيه معنى (إلا) فلا يجوز أن يستثنى به.
[ ٤٣٧ ]
وكل ما يستثنى به سوى (إلا) فهو تفريع عليها، فمن ذلك: غير، وسوى، يجوز أن يستثنى بهما إذا كان فيهما معنى (إلا)، ولا يجوز أن يستثنى بهما إذا خرجا عن ذلك.
وإنما دخل (غير) معنى (إلا)؛ لأنها مما يلزمه الإضافة، ويكون الثاني فيه على خلاف معنى الأول، فإذا جرى على كلام قبله يوجب أن الفعل لما بعد (إلا)، وأن الاسم المضاف خارج من ذلك المعنى؛ صار - حينئذ بمنزلة (إلا) في إخراج بعض من كل بإيجاب، أو نفي.
وإذا استؤنف الكلام به؛ بطل معنى الاستثناء، كقولك: غير زيد عندي. وكذلك سوى؛ لأنها بمنزلة (غير) فيما ذكرنا، فهذه الأسماء التي جرت مجرى (إلا) في الاستثناء.
وأما: ليس، ولا يكون، وخلا، وعدا؛ فهي أفعال يدخلها معنى: إلا، فيستثنى بها، ويخرج عنها بالرجوع إلى أصلها فلا يستثنى بها.
وإنما دخلها معنى (إلا) إذا اتصلت بإيجاب [ما] فبلها، ونفت ما بعدها، فصارت كإلا في إيجاب ما قبلها، ونفي ما بعدها، فإذا استؤنف الكلام بها، بطل أن يستثنى بها؛ لأنها قد خرجت عن معنى (إلا)، وكان ذلك لها بحق الأصل فيها.
[ ٤٣٨ ]
وحاشا حرف يكون فيه معنى الاستثناء إذا اتصل بإيجاب معنى لما قبله، وتنزيه ما بعده عنه، فصار يدل على الإيجاب والنفي على طريقة: إلا.
ولا يجوز أن يكون أصلا في حروف الاستثناء؛ لأنه يجر، وحرف الاستثناء لا يجب له العمل، وقد تقول: حاشا زيد أن يدخل في هذا الأمر القبيح، فيخرج بهذا عن جهة الاستثناء؛ لأنك نفيت عنه الدخول في هذا الأمر فقط، من غير أن توجبه لأحد يكون هو خارجا عنهم، فهذا دليل على أنه ليس بأصل في الاستثناء.
والاشتراك في (خلا) بين الفعل والحرف كالاشتراك في (على) بينهما، فإذا تصرف، فقيل: خلا، يخلو؛ فهو بمنزلة: علا، في أنه فعل، وإذا جر الاسم، ولم يتصرف، فقيل: خلا زيد؛ فهو: كعلى زيد، في أنه حرف إضافة يجر، ومعناه فيما دخل عليه.
[ ٤٣٩ ]
الجواب عن الباب الذي يليه:
الذي يجوز في الاستثناء بإلا إجراؤه على وجهين: التسليط، والإلغاء، فالتسليط في الإيجاب كقولك: سار القوم إلا زيدا، والإلغاء في النفي؛ لأنه يصلح فيه تفريغ العامل لما بعد (إلا) كقولك: ما قام إلا زيدا، وما ضربت إلا زيدا، وما مررت إلا بزيد، فالعامل بمنزلته لو لم تكن (إلا) معه، فهي ملغاة من الإعراب، دخولها مخروجها فيه، إلا أنها لمعناها في إخراج بعض من كل على هذه الجهة، فالمسلطة هي الواقعة في الإيجاب، والملغاة هي الواقعة في النفي على تفريغ العامل.
ونظير الملغاة قولهم: لا مرحبا ولا سلام، فهي ملغاة ها هنا من العمل وتسليك العامل، وهي على أصلها في النفي، فكذلك (إلا) هي ملغاة من التسليط، وهي على معناها في الاستثناء.
وإنما كان الإيجاب أحق بالتسليط على العمل؛ لأنه لا يصح فيه أعم العام، وإنما يصح فيه الوسائط، وهي على معان كثيرة، إذا تركت؛ لم يدل الفعل على شيء منها.
فأما النفي فيصح فيه أعم العام، وهو معنى واحد يدل الفعل المنفي عليه، ولا يعارض هذا أخص الخاص في الإيجاب؛ لأن أخص الخاص لا يستثنى منه.
وإنما كانت (إلا) للتعدية في: سار القوم إلا زيدا؛ لأنك لو قلت: سار القوم زيدا؛ لم يكن له معنى، كما لو قلت: مررت بزيدا؛ لم يكن له معنى، فإذا قلت: مررت بزيد؛ صار له معنى، فكذلك إذا قلت: سار القوم إلا زيدا؛ صار له معنى.
[ ٤٤٠ ]