الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الاستثناء بغير مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الاستثناء بغير؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز وقوع المبتدأ بعد (غير) كما يجوز بعد (إلا)؟ وهل ذلك لأن
(غير) لا يضاف [إلا] إلى المفرد على الإضافة الحقيقية؟ .
وما حكم: أتاني القوم غير زيد؟ ولم أعرب (غير) بإعراب الاسم الواقع بعد
(إلا) في الاستثناء؟ وهل ذلك لأنه لما دل على معنى التعدية إليه؛ عمل الفعل فيه،
كما أنه لو دل زيد على معنى الاستثناء من غير ذكر (إلا)؛ لجاز: أتاني القوم زيدًا،
وصار بمنزلة: أتاني القوم زيدًا؟
وما الفرق بين: أتاني القوم غير زيد، بالرفع على الصفة، وبينه بالنصب على
الاستثناء؟ وهل ذلك أن الرفع لا يوجب أن زيدًا لم يجيء؛ بمنزلة: أتاني القوم
مثل زيد؟ .
وما حكم: ما أتاني غير زيد؟ وما الفرق بينه على الاستثناء، وبينه على
الصفة؟ وهل هو في الصفة بمنزلة: ما أتاني مثل زيد، في احتمال أن يكون زيد قد
[ ٥٣٥ ]
أتى، واحتمال أن يكون ما أتى؟ .
وهل كل موضع جاز فيه الاستثناء بإلا، فإنه يجوز بغير، إلا أن يقع بعد (إلا)
مبتدأ وخبر،.إنما يصلح في المفرد الذي يخرج بعضًا من كل، / ٤٢ ب ولا يجوز أن
يكون بمنزلة الاسم المبتدأ بعد (إلا)، لأنه يفسد معنى الجملة؟ .
وما معنى: أتاني غير عمرو؟ وهل يصلح في هذا الكلام أن يكون قد أتاه
عمرو؟ ولم ذلك، مع دلالته في غالب أمره على أنه لم يأته؟ .
وما معنى: ما أتاني غير زيد؟ وهل يحتمل أن يكون على طريق الصفة،
ويقوم مقام الاستثناء؟ ولم جاز ذلك؟ وهل لتقارب المعاني؛ لأنها إذ تقاربت
تداخلت؟ .
[ ٥٣٦ ]
الجواب عن الباب الأول:
الذي يجوز في استثناء الذي يبتدأ فيه ما بعد (إلا) - إذا كان الاستثناء يرجع
إلى معنى الجملة في النفي - أن يقع بعد (إلا) مبتدأ وخبر.
ولا يجوز ذلك في الإيجاب؛ لأنه بمنزلة مفعول: ضربت، ونحوه في أنه
لا يكون مفردًا، وإذا كانت (إلا) فيه لتعديه الفعل على جهة إخراج بعض من كل.
وتقول: ما مررت بأحد إلا زيد خير منه، فهذه الجملة في موضع صفة (أحد)،
كأنك قلت: مررت بإنسان زيد خير منه، ثم أدخلت (إلا) لمعنى الاختصاص،
فقلت: ما مررت بأحد إلا زيد خير منه.
والفرق بين: مررت بقوم زيد خير منهم، وبين: ما مررت بقوم إلا زيد خير منهم، أن الأول يحتمل أن يكون قد مر بقوم آخرين هم خير من زيد، ولا يحتمله
الكلام الثاني.
وقول العرب: والله لأفعلن كذا وكذا إلا حل ذلك أن أفعل كذا وكذا، فهذا
الاستثناء منقطع، بمعنى: لكن حل ذلك أن أفعل كذا وكذا، ووجه رجوعه إلى
أصل الاستثناء أن فيه معنى: ليقعن فعل كذا إلا مالا يقع منه لتحلة اليمين.
[ ٥٣٧ ]
وقولهم: والله لا أفعل إلا أن تفعل، فهذا في موضع المصدر، وليس هو من باب
الاستثناء بالابتداء والخبر، وإن كان فيه معنى الجملة، ووجه رجوعه إلى أصل
الاستثناء أن فيه معنى: والله لا يقع مني فعل إلا فعل منعقد بفعلك.
ووجه رجوع: ما مررت بأحد إلا زيد خير منه، إلى أصل الاستثناء أن فيه
معنى: ما مررت بإنسان إلا إنسان خير منه.
[ ٥٣٨ ]
الجواب / ٤٣ أعن الباب الثاني:
الذي يجوز في الاستثناء بغير أن تعرب بإعراب الاسم الواقع بعد (إلا) إذا كان
مفردًا.
ولا يجوز إذا كان ابتداء وخبرًا؛ لأن (غيرًا) لا تضاف إلى الجملة، كما
لا تضاف: مثل؛ لأنها تقتضي المفرد كما تقتضيه: مثل.
وتقول: أتاني القوم غير زيد، فهذا بمنزلة: أتاني القوم إلا زيدًا.
ووجب الإعراب لغير الذي يكون مستثنى؛ لأنها لما كانت اسمًا يدل على
تعدي الفعل؛ عمل فيها، كما أنه إذا دل الفعل على التعدية؛ عمل في الاسم، فإن
لم يدل المعمول، ولا العامل على التعدية؛ فلابد من وسيطة حرف؛ ولذلك قال
سيبويه: لو دل زيد على التعدية بمعنى الاستثناء؛ لجاز: سار القوم زيدًا.
[ ٥٣٩ ]
فلما كانت (غير) تدل على الاستثناء؛ استغنت عن الحرف، وعمل فيها الفعل.
ونظير ذلك مما يدل المعمول فيه على العامل وقوله جل وعز:
﴾ [محمد: ٤]، أي اضربوا الرقاب، وكذلك: سقيًا ورعيًا؛ أي: فَضَرْبَ الرِّقَابِ ﴿
سقاك ورعاك، والمعمول في هذا يدل على العامل، فكذلك (غير) معمول يدل
على تعدية العامل في معنى الاستثناء.
والفرق بين: أتاني القوم غير زيد، بالرفع على الصفة، وبينه بالنصب على
الاستثناء أن الصفة لا توجب أن زيدًا قد أتى، ولا أنه لم يأت؛ لأنه بمنزلة: أتاني
القوم مثل زيد.
وكذلك: ما أتاني غير زيد، إذا كان على الصفة أو الاستثناء، فالاستغناء
يوجب أنه قد أتى زيد، كما يوجبه في: ما أتاني إلا زيد، وليس كذلك الصفة
إذا جرت على أصلها، ولكن قد تكفي من الاستثناء.
وكل موضع جاز فيه الاستثناء بإلا في المفرد فإنه يجوز بغير، ولا يجوز في
الجمل: لما بينا.
[ ٥٤٠ ]
وقد تقول أتاني غير زيد، على جهة الصفة، ويكفي من الاستثناء؛ لأنه
في غالب الأمر قد جرى على هذا، فإن صحبه دليل؛ جاز أن يرجع إلى موجب
الصيغة في الأصل. وإنما جاز مثل هذا؛ لتقارب المعاني، وهي إذا تقاربت
تداخلت.
[ ٥٤١ ]