الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الاستثناء من موجب، مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الاستثناء من موجب؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يجوز الاستثناء من موجب إلا بالنصب؟ وهل ذلك لأنه لا يصلح فيه تفريغ العامل لما بعد (إلا) كما يصلح في النفي؟ .
ولم وجب أنه مفعول لا يتسلط العامل عليه إلا بإلا؟ .
وما الفرق بينه وبين حروف الجر في تسليط العامل على ما بعدها؟ ولم وجب أن تكون مسلطة عاملة، ولم يجب مثل ذلك في: إلا؟ .
وما حكم: أتاني القوم بإلا أباك، ومررت بالقوم إلا أباك، والقوم فيها إلا أباك؟ وما العامل في: أبيك؟ .
[ ٤٩٢ ]
ولم يجوز في الاستثناء من موجب البدل؟ وهل ذلك لأنه لو جاز البدل جاز تفريغ العامل لما بعد (إلا)؛ إذ المبدل منه على تقدير الطرح من الكلام؟ .
وما حكم قولهم: ما فيهم أحد إلا قد قال ذاك إلا زيدا؟ [ولم] كان هذا استثناء من موجب، مع دخول حرف النفي في أول الكلام؟ وهل ذلك لأنه بمعنى: قد قالوا ذلك إلا زيدا؟ .
[ ٤٩٣ ]
الجواب عن الباب الأول:
الذي يجوز في الاستثناء الذي تقع فيه (أن) بعد (إلا) أن يكون على معنى المصدر وتقديره.
ولا يجوز أن تكون في الموجب إلا على معنى النفي؛ لأن (إلا) لابد من أن يكون ما بعدها على خلاف ما قبلها في الإيجاب والنفي، كما أن (لكن) بهذه المنزلة، إلا أن (إلا) تختص بإخراج بعض من كل، وليس كذلك (لكن)، ولابد أن يرجع في التأويل إلى أصل الاستثناء من إخراج بعض من كل، وإن اختلفت التقديرات في ذلك.
وتقول: ما أتاني إلا أنهم قالوا ذاك، كأنك قلت: ما أتاني شيء إلا قولهم ذاك.
وتقول: ما منعني إلا أن يغضب على فلان، كأنك قلت: ما منعني إلا غضب فلان علي.
وقال الشاعر:
(لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في غصون ذات أو قال)
فيجوز في (غير) الرفع والنصب. أما الرفع فلأنه فاعل (يمنع)، وأما النصب
[ ٤٩٤ ]
فعلى البناء؛ لأنه مبهم أضيف إلى مبني أصله البناء، وعلى ذلك يجري القياس في كل مبهم أضيف إلى مبني أصله البناء.
ولا يجوز - إذا أضيف إلى مبني أصله الإعراب - أن يبني، لو قلت: لم يمنع الشرب منها غيرك؛ لم يجز؛ لما بينا من أنه أضيف إلى مبني أصله الإعراب.
وعلى ذلك قول النابغة:
(على حين عاتبت المشيب على الصبا فقلت: ألما تصح والشيب وازع)
فبني (حين)؛ لأنه أضافه إلى مبني أصله البناء، إلا أن الاختيار في مثل هذا البناء؛ لا طراد إضافة أسماء الزمان فيه، فالإضافة بكثرتها فيه تقوى ما تقتضيه، وهي بقلتها في الحرف تضعفه عن هذه المنزلة.
[ ٤٩٥ ]
الجواب عن الباب الثاني:
الذي يجوز في الاستثناء من موجب النصب؛ لأنه مفعول على معنى المستثنى، إلا أن الفعل لا يدل على أنه مستثنى إلا بوسيطة (إلا)، ولو دل بحقيقة معناه؛ لعمل فيه كما يعمل: استثنيت زيدا، وأستثنى زيدا.
فلا يجوز الاستثناء من موجب إلا بالنصب؛ لأنه لا يصلح فيه تفريغ العامل لما بعد (إلا)، ولا تكون (إلا) فيه إلا مسلطة للعامل بعد تمام الكلام في التقدير.
والفرق بينه وبين حروف الجر - وإن اجتمعا في التسليط - أن حروف الجر عاملة؛ لأنها على معنى الإضافة، والجر في أصل قسمة الموضوع للإضافة، كما أن الرفع للفاعل وما أشبه الفاعل، والنصب للمعول وما أشبه المفعول، فكذلك الجر للمضاف إليه وما أشبهه.
ولا يجوز في الاستثناء من موجب البدل؛ لأنه لو جاز البدل؛ جاز تفريغ العامل لما بعد (إلا)، وليس يجوز ذلك في الإيجاب؛ لأنه يضمن الكلام بمدلول لا يدل عليه، وليس كذلك النفي؛ لأنه يدل - إذا أطلق - على أعم العام.
وليس يعارض هذا أن الإيجاب - إذا أطلق يدل على أخص الخاص؛ [لأن أخص الخاص] لا يستثنى منه شيء، نحو: زيد، وعمرو، مع أن أخص الخاص
[ ٤٩٦ ]
ينقسم قسمة تبطل دلالة الفعل عليه، حتى يكون مستغنى عنه، وليس كذلك: (أحد)؛ لأن الفعل المنفي إذا أطلق في الاستثناء؛ دل عليه دلالة توجب أنه مستغنى عن ذكره، وليس في الإيجاب مثل هذا.
وتقول: أتاني القوم إلا أباك، ومررت بالقوم إلا أباك، والقوم فيها إلا أباك، فالعامل فيه معنى الاستقرار الذي الظرف خلف منه، وقد عمل معنى الاستقرار في المعرفة ها هنا.
وتقول: ما فيهم أحد إلا قد قال ذاك إلا زيدا، فهذا استثناء من موجب؛ إذ المعنى: قد قالوا كلهم ذاك إلا زيدا.
[ ٤٩٧ ]