الغرضُ فيه:
أن يبين ما يجوزُ في التوكيد بالمضمر مما لا يجوزُ.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوزُ في التوكيد بالمضمرِ؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولمَ ذلك؟
ولم لا يجوزُ أنْ يُؤكد المظهرُ بالمضمرِ؟ وهل ذلك لأن المضمرَ لم يُوضع ليَتْبع على جهة التأكيد، فلم ينْعقد بالمظهرِ على جهةِ التابعِ، وجاز أن ينعقدَ بالمضمر؛ للمشاكلةِ التي بينه بالإضمارِ؟
ولِمَ جاز أن يؤكد بعلامة المرفوع المنصوبِ والمجرورُ حتى جرى ذلك في: أنتَ، وأنا، وهُوَ، ونحنُ، وهُمْ، وهنَ، وهيَ، وأنتُمْ، وهما، وأنتما، وأنتن؟ .
ولِمَ جاز: مررت بك أنتَ، مررت به هُوَ، ولم يجز: مَرَرْتُ بزيدٍ هُوَ؟ وهل ذلك لأنَ المخاطبَ والمتكلم لا يكونان إلا بعلامة الإضمار، فلم يَجُزْ أنْ يؤكدا غائبًا؛ لاختلاف دلالتهما، والتوكيدُ يجبُ أن يكونَ موافقًا لمعنى المؤكد؟ .
[ ٦٦٦ ]
وما الفرق بين الصفةِ والتوكيد، وكلاهما يتبعُ بغير حرفٍ؟ وهل ذلك منْ جِهةِ أن للصفةِ معنى خلاف معنى الموصوفِ، وليس كذلك التوكيدُ؟ .
ولِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ (أجمعونَ) تأكيدًا للنكرةِ؟ وهل ذلك لأنه معرفةٌ يُؤكدُ العمومَ، والعمومُ في الاسمِ بالتعريفِ؛ لِبُطلان الاشتراكِ؟ .
وما وجه القياسِ في تركِ المظهرِ على ترك تأكيدِ النكرةِ بأجمعينَ؟ وهل ذلك مِنْ جِهةِ أنَ التأكيد له حدٌ لا يُتجاوزُ فيهما؟ .
ولِمَ جاز: مَرَرْتُ بالقومِ أجمعينَ، ولم يَجُزْ: مَرَرْتُ بقومٍ أجمعين؟ .
وهل يجوزُ: رأيتُكَ إياكَ، ورأيُته إياهُ؟ ولِمَ جاز على البدَلِ، ولم يَجُزْ على التأكيد؟ .
ولِمَ جاز في: فَعَلْتَ أَنْتَ، وفعلَ هُوَ، أنْ يكون تأكيدًا وبدلًا؟ .
[ ٦٦٧ ]
ولِمَ جاز في المضْمَرِ أنْ يكونَ بدلًا من المظهرِ، ولم يجُزْ أنْ يكونَ تأكيدًا لهُ؟ وهل ذلك لأن التأكيد يُرتبُ كما تُرتَبُ الصفةُ، ولا يكون ذلك إلا لما وُضعَ للتأكيدِ؟ .
وهل يجوزُ: مَرَرْتُ به وبزيدٍ هما، على التأكيدِ؟ ولِمَ لا يجوزُ؟ وما نظيرُه من امتناعِ: مَرَرَتُ بزيدٍ وبه الظريفينِ؟ .
[ ٦٦٨ ]
الجوابُ:
الذي يجوز في حروف الجر التي لا يَصْلُحُ فيها الإضمارُ/٦٩ أ- إذا كانت لا تتمكنُ في حروف الجرِ للاشتراك الذي فيها، مع الاستغناء عن اتصالها بالضمير بغيرها- أنْ تمتنِعَ من الضميرِ؛ لهذه العلَةِ من الاستغناءِ عنها بما هو أولى منها، مع استواء الأحوال إلا من هذه الجهة.
ولا يجوزُ الإضمارُ في كاف التشبيهِ؛ للاستغناء عنه ب: مْثلِهِ، ومثْلي، ومثْلِك، على ما بينا.
ولا يجوزُ الإضمارُ في: حتى؛ للاستغناءِ عنه بإليهِ.
[ ٦٦٩ ]
ولا يجوزُ الإضمارُ في: مُذْ؛ للاستغناءِ عنه بالمبهمِ في: مُذْ ذاك.
وذلك أنَ حتى مشتركةٌ بين حرف العطفِ وحرفٍ من حروفِ الابتداء؛ فضعُفَتْ عن العملِ في المضمرِ، وعمِلَتْ في المظهرِ الذي هو الأصلُ.
وكذلك (مُّذْ) مشتركةٌ بين الاسم والحرف في قولك: ما رأيتُه مُذ اليومِ، فهي هاهنا حرفٌ، وما رأيته مٌذْ يومان، فهي هاهنا اسمٌ.
وأما الكافُ فمُشتركةٌ بين الحرف والاسم، فإذا قلت: الذي كزيدٍ عمرٌو؛ فهذه حرفٌ لا محالة، وأما كونها اسمًا ففي مثل قول الشاعرِ:
أَتَنْهونَ ولا يَنهى ذوي شطَطٍ كالطعْنِ يَذْهَبُ فيه الزيتُ والفُتُلُ
أي: مثلُ الطَعْنِ.
فالمستغنى به عن كاف التشبيه: مثلٌ، والمستغنى به عن (حتى): إلى، في الإضمار، والمستغنى به في (مُذْ): ذاك؛ لأنه مُبهمٌ تصلحٌ الإشارةُ به إلى كلِ معنى كما يَصْلُحُ في المضمرِ.
[ ٦٧٠ ]
ووجهُ اعتلاله بالاستغناء الذي يمنعُ جوازَ الشيِء هو الاستغناءُ عنه بما هو أولى منه، مع استواء الأحوال الداعيةِ إليه إلا من هذه الجهةِ.
ولا يلْزمُ من سقوطِ أحدِ الشيئينِ من قولك: شِبْهي، ومِثْلي، الاستغناءُ بأحدهما عن الآخر؛ لأنه ليس بأولى منه.
وقال العجاجُ:
وأمَ أوْ عالٍ أو أقْربا
وقالَ:
فلا ترى بَعْلًا ولا حَلائلا كَهُ ولا كَهُنَ إلا حاظِلا
فهذا يجوز في الضرورةِ على طريق التشبيه بالمظهرِ.
ولو أضاف الكافَ إلى المتكلمِ؛ لوجب فيه: ما أنْتَ كي، ولم يِجُزْ: كَي؛ لأنَ ياء الإضافةِ لا يكونُ ما قبلها مفتوحًا أصلًا، وكلُ حرف مُتحرك يكونُ قبل ياءِ الإضافة فإنه يُكْسَرُ لها، فتجري في الكافِ على ذلك القياسِ.
[ ٦٧١ ]
/٦٩ الجوابُ عن البابِ الثاني:
الذي يجوزُ في التوكيدِ بالمضمرِ إجراؤه بعلامةِ المرفوعِ المنفصلِ في كل مضمرٍ مُؤكَدٍ.
وإنما جاز تأكيدُ المجرورِ والمنصوبِ بعلامةِ المرفوعِ؛ لأنه ليس للمُضمَرِ المجرورِ منفصلٌ، فأكد بما نٌقِل إليه منْ غيره، وجرى في المنصوبِ على ذلك القياسِ؛ لأنه نظيرهُ، فكان في المرفوعِ والمنصوبِ والمجرورِ على منهاجٍ واحدٍ؛ لأنَ المعنى فيه واحدٌ، وهو تأكيد المضمرِ المتصلِ، ولو أُكِد بعلامة ِ المنصوبِ؛ لاختلف في المرفوعِ والمجرورِ، وإجراؤه على قياسٍ واحدٍ أحقُ به، مع الإيذانِ بأنه ليس بمعربٍ، بل هو مبنيٌ، فيه دليلٌ على الإعرابِ.
ولا يجوزٌ أنْ يُؤكدَ المظهرِ؛ لأن المضمرَ يُبينُ المخاطب من المتكلمِ، فيُخالفُ المظهرَ بهذا المعنى، والتأكيدُ يجبٌ أنْ يكونَ موافقًا في معناه للمؤكدِ، مع أن علامة المضمرِ لم توضعْ للتأكيدِ، وإنما هي مُدخلةٌ على الضميرِ المتصلِ؛ للمشاكلةِ بينهما، فلم تَقْوَ على المظهَرِ، ولم يُتجاوزْ بها المضمرُ؛ لضعفها في باب
[ ٦٧٢ ]
التأكيد من حيثُ لم تُوضع له في الأصلِ.
وتقول: مَرَرْتُ بك أًنْتً، على التأكيدِ، وكذلك: مَرَرْتُ به هو، ولا يجوز: مَرَرْتُ بزيدٍ هو؛ لما بينا من مخالفة التأكيد لحال المؤكدِ.
والفرق بين الصفةِ والتأكيدِ أن الصفةَ لها معنى خلاف الموصوفِ، وليس كذلك التأكيدُ؛ لأنه بمنزلةِ التكريرِ، فالمعنى فيهما واحدٌ.
ونظيرُ امتناعِ تأكيدِ المظهرِ بالمضمر امتناع تأكيد بالنكرةِ: بأجمعينَ؛ لأنه معرفةٌ يُؤكدُ به العمومٌ في المعرفةِ؛ وذلك أن المعرفةَ لا اشتراك فيها، فهي تَعُمُ من هذه الجهةِ على طريقِ اسمِ الجنسِ، أو الجماعةِ المعهودةِ، فهذا يدلُ على أن التأكيدَ له حدٌ لا يتجاوز فيهما.
وتقول: مَرَرْتُ بالقومِ أجمعين، ولا يجوزُ: مَرَرْتُ بقومٍ أجمعينَ؛ (قومًا) نكرةٌ على ما بينا.
وتقول: رأيتك إياك، ورأيته إياه، على البدل' ولا يجوز على التأكيد؛ لأن التأكيد يُرتبُ كما تُرتب الصفة، وليس كذلك البدل، والترتيبُ لا يكون إلا بعلامة وضعيةٍ في الأسماء، فأما ما يلي العاملَ؛ فمعلقٌ في الأسماءِ، لا يحتاج إلى
[ ٦٧٣ ]
علامة في ذلك.
وتقول: فعلت/٧٠ أأنت، وفعل هو، فيجوزُ على التأكيد، وعلى البدلِ؛ لأن العلامةَ واحدةٌ في المرفوعِ، وليس كذلك المنصوبُ والمجرور.
ولا يجوزُ: مَرَرْتُ به وبزيدٍهما، على التأكيد، كما لا يجوزُ: مَرَرْتُ بزيدٍ وبه الظريفين، على الصفةِ؛ لأنك قد خلطتَ ما يصلُحُ أن يؤكدِ بالمضمر بما لا يَصلُحُ أن يؤكد به، كما خلطت ما يصلحُ أنْ يُوصف بما لا يَصلُحُ أن يُوصفَ، فامتنع التأكيدُ كما امتنعتْ الصفةُ.
[ ٦٧٤ ]