الغرض منه:
أن يبين ما يجوز في ضمير المجرور الذي يقع موضع ضمير المرفوع مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في ضمير المجرور الذي يقع موقع ضمير المرفوع؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
/ ٦٢ ب ولم لا يجوز أن يطرد مثل هذا؟ وهل ذلك لأنه للإشعار بمناسبة الضمير مع الإيجاز الذي فيه، ومع الإيذان بأنه مبني، وإن كان فيه دليلٌ على وجوه الإعراب؟ .
وما حكم: لولاك، ولولاي؟ ولم وجب أن الأصل: لولا أنت، ولولا أنا؟ .
وما موضع الكاف في: لولاك؟ وما وجه قول سيبويه: إن موضعها جر؟
ولم خالفه الأخفش، وابن السراج، وقالا: موضعها رفعٌ؟ .
[ ٦٣٦ ]
ولم جاز أن يخرج (لولا) إلى حروف الجر، وليس فيه معنى الإضافة، ولا يرجع إلى عاملٍ فيه كما ترجع حروف الجر إلى عمل الفعل؟ وهل ذلك على شبه حرف الجر من جهة عقد المعنى فيه بالجواب، وإن لم يعمل فيه فعلٌ؟ .
وهل يجوز أن يعمل فيه الاستقرار، على تقدير: لولاك استقررت بالمحل الذي أنت به، لئلا ينكسر الباب في حروف الإضافة؟ .
وما في قوله جل ثناؤه: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] من الشاهد؟
وما الفرق بين أن تكون الياء والكاف في هذا علامة مضمرٍ مرفوعٍ وبين أن تقعا موقع علامة مضمرٍ مرفوعٍ؟ وهل ذلك في وقوع كلمةٍ موقع كلمةٍ أخرى لا يفسد الموضع؛ لأنه مضمنٌ بالدليل كما يقع المصدر موقع الحال، وموقع الصفة، ولا يكون حالًا، وكما جاز:
(أرسلها العراك )
على وقوعه موقع الحال، ولم يجز أن يكون حالًا، وهو معرفٌ بالألف واللام؟ .
[ ٦٣٧ ]
وما الشاهد في قول يزيد بن الحكم:
(وكم موطنٍ لولاي طحت كما هوى بأجرامه من قلة النيق منهوي؟)
وما حكم: عساك؟ ولم وجب أن الكاف في موضع نصبٍ عند سيبويه؟ وما في قولهم: عساني، من الدليل؟ ولم خالف الأخفش في ذلك، وذهب إلى أن الكاف في: عساك، في موضع رفعٍ، وكذلك النون والياء في: عساني؟ .
وما الشاهد في قول رؤبة:
(يا أبتا علك أو عساكا)
[ ٦٣٨ ]
وقول عمران بن حطان:
(ولي نفسٌ أقول لها إذا ما تنازعني لعلي أو عساني؟)
وما نظير الشذوذ /٦٣ أفي ذا من قولهم: لدن غدوةً، ولات حين أوان؟ .
ولم جاز: ما أنت كأنا، وما أنا كأنت؟ وما في ذلك من الدليل على مذهب
[ ٦٣٩ ]
الأخفش؟ وهل وجه جوازه تنكب التضعيف في: كك، فوقع ضمير المرفوع موقع ضمير المجرور؛ لهذه العلة، وجرى نظيره في المتكلم مجراه في: ولا أنت كأنا؟ .
ولم لا يجوز موافقة علامة الرفع للجر في أصل الموضوع كما جاز موافقة علامة النصب للجر في الأصل؟ .
وما وجه إنكار سيبويه لمذهب من جعل العلامة في هذا موافقةً لعلامة الرفع من جهة كسر الباب، وهو مطردٌ؟ وهل ذلك إذا جعله في أصل الموضوع؟ .
الجواب:
الذي يجوز في ضمير المجرور الذي يقع موقع ضمير المرفوع إجراؤه في موقعٍ لا يخل بأنه في معنى المرفوع، وذلك بعد: لولا، كقولهم: لولاك، ولولاي، فهذا الموقع موقع مرفوعٍ قد ظهر أمره بالاسم الظاهر في: لولا زيدٌ لكان كذا وكذا، من غير أن يجوز فيه الجر، وظهر بقولهم: لولا أنت لكان كذا وكذا، وفي التنزيل: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١]، فهذا هو الأصل.
وإنما جاز: لولاك؛ لاجتماع سببين:
[ ٦٤٠ ]
أحدهما المناسبة بين علامات المضمر من ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: الاشتراك في الإضمار.
والثاني: البيان عن المخاطب من المتكلم من الغائب.
والثالث: أنها كلها مبنيةٌ، وإن كان فيها دليلٌ على وجوه الإعراب، فإنها تنحط عن منزلة ما فيه الإعراب.
فأشعر بهذه المناسبة بينها بإيقاع بعضها موقع بعضٍ من غير إخلالٍ بالمعنى، ولا يجوز أن يطرد مثل هذا؛ لأن الأصل أحق به؛ لأن الأصل أحق به؛ إذ كان ليس فيه إلا ما بينا من الإشعار والإيجاز.
واختلفوا في موضع الكاف:
فذهب الخليل ويونس وسيبويه إلى أنها في موضع جر.
وذهب الأخفش وبعض النحويين المتقدمين وابن السراج إلى أنها في موضع رفعٍ، وإنما أوقعت علامة المجرور موقع علامة المرفوع لما بينا على طريقة الاستعارة، كما يقع المصدر موقع الحال في قولهم: إنما أنت /٦٣ ب سيرًا سيرًا، وكما يقع المصدر المعرف في:
(أرسلها العراك )
موقع الحال، وكل ذلك على طريق الاستعارة، ويستحيل أن يكون على
[ ٦٤١ ]
الحقيقة، وكذلك يقع ضمير المجرور موقع ضمير المرفوع على الاستعارة، ويمتنع أن يقع على الحقيقة، ولا يجوز أن يوضع على الاشتراك بين المجرور والمرفوع؛ لأنه لا مناسبة بين المرفوع والمجرور يصلح لأجلها هذا كما أن بين المجرور والمنصوب مناسبةً يصلح لأجلها اتفاق العلامة، فأما أن ينقل ضمير المجرور إلى موضع ضمير المرفوع فغير ممتنعٍ، وشواهده كثيرةٌ.
والذي نختاره في هذا مذهب الأخفش؛ لأنه لو كان موضع الكاف جرًا؛ لوجب أن يكون الحرف عاملًا؛ إذ لا يجوز الجر إلا بعامل الجر، والحرف الذي يعمل الجر لابد أن يكون فيه معنى الإضافة، ولابد من أن يعمل في موضعه الفعل، وليس كذلك في: لولا.
فإن قال قائلٌ: فلم لا يجوز أن يعمل فيه الاستقرار، ويكون قد أضاف المخاطب إلى الاستقرار كما تقول: زيدٌ بالبصرة، فتضيفه إلى الاستقرار بالبصرة؟ .
قيل له: إن الباء يفهم منها هذا المعنى في المضمر والمظهر، وليس كذلك: لولا؛ لأنه لا يفهم منها معنى الإضافة كما لا يفهم من: أما، ولا من: هل، ولا من أكثر الحروف معنى الإضافة، ويفهم من حروف الجر معنى الإضافة، وأنها لتعدية الفعل، وليس ذلك في: لولا.
ولابد لمن ذهب هذا المذهب من أن يجعلها عاملةً للجر، وكأنه يشبهها بحرف
[ ٦٤٢ ]
الجر، وفي ذلك بعدٌ، وإن كانت قد عقدت بعض الكلام ببعضٍ، وليس كل شيءٍ عقد الكلام بغيره فإنه من حروف الجر كحروف العطف، وإنما يحتاج فيها إلى أن تكون للتعدية، ولو صح هذا فيها؛ لجاز في المظهر كما يجوز في المضمر؛ إذ الحال واحدةٌ.
ولا خلاف في أنه شاذٌ، إلا أن الشاذٌ إذا قل ما يخرج به عن الأصل، وكثر نظائره في جهة الشذوذ، كان أولى به، فوقوع كلمةٍ موقع كلمةٍ كثيرٌ، وإن كان على طريق الشذوذ، فأما جعل الحرف حرف إضافةٍ، وليس فيه معنى حرف الإضافة؛ ففاسدٌ.
فإن قال قائلٌ: فإن فيه معنى اللام إذا قلت: لولا زيدٌ لكان كذا وكذا، فهو بمنزلة: لأجل زيدٍ لم يكن كذا وكذا.
/٦٤ أقيل له: ليس هو على هذا المعنى، كما أن: إذا، وإن، ليسا على معنى حرف الإضافة في قوله: إذا أتيتني أكرمتك، وإن أتيتني أكرمتك، وإن كان جملة الكلام يدل على: إني أكرمك لإتيانك، فالحرف لا يدل على هذا؛ لأنه لو كان كذلك؛ لجرى مجرى اللام في تعدية الفعل إذا قلت: أكرمك لإتيانك، فكان: أكرمك إن أتيني، بهذه المنزلة من تعدية الفعل، وليس كذلك عند أحدٍ من العلماء بالعربية؛ إذ كانت (إن) إنما هي شرطٌ تعلق الأول بالثاني على خلاف تعليق حرف الإضافة؛ لأن حرف الإضافة يوجب القطع بالفعل الذي وقع المعنى لأجله، وليس كذلك الشرط، فهذه معانٍ مختلفةٌ، ودلالتها مختلفةٌ؛ لتدل على المعاني المختلفة.
[ ٦٤٣ ]
ومن زعم أنه يجوز أن يكون (لولا) حرف إضافةٍ؛ لزمه أن يكون (إن) يصلح أن يكون حرف إضافةٍ، فهذا ما لا إشكال في فساده.
وقال يزيد بن الحكم:
(وكم موطن لولاي طحت كما هوى بأجرامه من قلة النيق منهوي)
فهذا شاهدٌ في وقوع علامة المجرور موقع علامة المرفوع.
وقال رؤبة:
(يا أبتا علك أو عساكا)
وقال عمران بن حطان:
(ولي نفسٌ أقول لها إذا ما تنازعني لعلي أو عساني)
فالكاف في موضع رفعٍ عند الأخفش، وفي موضع نصبٍ عند سيبويه، ودليله:
[ ٦٤٤ ]
عساني، وأن الفعل لا يعمل الجر أصلًا.
ونظير ذلك في الشذوذ: لدن غدوةً، ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣].
واستشهد الأخفش على مذهبه بقول العرب: ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا. فهذا شاهدٌ بينٌ، وعلته تنكب التضعيف في: ما أنا كك، وجاء في نظيره من المتكلم على قياسه.
ولا تجوز موافقة الجر للرفع في أصل الموضوع كما تجوز موافقة النصب للجر في ذلك؛ لأن الرفع لا يناسب الجر، فهذا الذي أنكره سيبويه على ما قال، وهو يكسر ما يجب أن توضع عليه الأصول، وليس كذلك إذا وقعت كلمةٌ موضع كلمةٍ على جهة الاستعارة.
[ ٦٤٥ ]