الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في علامة المضمر المنصوب مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في علامة المضمر المنصوب؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يجوز أن يقع المنفصل فيه موقع المتصل مع أنه ليس كالمرفوع في البناء مع العامل؟ وهل ذلك لأنه - وإن لم يبن معه - فله مرتبته منه؟ .
وما علامة المضمر المنصوب المنفصل؟ ولم وجب أن تكون (إيا) في الأوجه الثلاثة من المتكلم، والمخاطب، والغائب، إلا أنه يبين بالعلامات في: إياي، وإياك، وإياه،؟ وهلا انفصل الغائب كما انفصل في المرفوع من قولك: هو؟ وهل ذلك لأن المرفوع أول فهو أحق بتمكين العلامة، والمنصوب فضلةٌ في الكلام فهو أنقص مرتبة؟ .
وما نظير: إياك رأيت، من المتصل؟ وهل هو: رأيتك؟ .
[ ٥٨٣ ]
وما نظير: إيا كما رأيت، من المتصل، وإياكم رأيت، وإياكن رأيت، وإياها رأيت، وإياه وإياهما رأيت، وإياهم وإياهن، فما نظير جميع ذلك من المتصل؟ وإياي رأيت، وإيانا رأيت، فما نظيره من المتصل؟ .
ولم جاز /٥٢ ب: إياك ضربت، ولم يجز ضربت زيدًا وإياك؟ وهل ذلك لأن الأنبه له حق التقديم في صدر الكلام على العامل وغيره، فاحتيج لهذه العلة: إياك ضربت، كما قال جل وعز: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وليس كذلك سبيل التأخير الذي تقدم فيه المعطوف، وهو يؤخر؟ .
[ ٥٨٤ ]
الجواب عن الباب الأول:
الذي يجوز في مواقع علامة الإضمار المرفوع المنفصل الموقع الذي لا يلي العامل. ولا يجوز في موقع المنفصل إلا الموقع الذي لا يلي العامل؛ لأن الذي يلي العامل له بحق عمله المتصل؛ وذلك أنه يوجب في المعمول الترتيب والإعمال، فإذا منع أحدهما لعلةٍ صحيحةٍ جاز، وإن منعهما جميعًا لم يجز؛ لما في ذلك من الإخلال [به].
وتقول: كيف أنت؟ وأين هو؟ ومن أنا؟ فلا يجوز في هذه المواقع إلا المنفصل. قال سيبويه: (لأنك لا تقدر على المتصل فيها)، ومعنى ذلك: أنه بمنزلة ما لا يقدر عليه في الامتناع عند جميع أهل اللسان، لا أنه لا يمكن أن ينطق به على الفساد الذي فيه، فيقال: كيفت؟ في: كيف أنت؟، وإلات في: إلا أنا، ولكن ذلك فاسدٌ بإجماع أهل اللسان، لا ينطق بمثل هذا أحدٌ منهم، فهو بني على علةٍ وضعيةٍ صحيحةٍ من إجماع أهل اللسان. (فأما العلة البرهانية)؛ فلأنه يجب المتصل للعامل بحق عمله على ما شرحنا من لزوم الترتيب إذا لم يكن هناك إعرابٌ، ولا يصلح الاتساع في مثل هذا؛ للإخلال بالعامل على ما بينا.
[ ٥٨٥ ]
وتقول: نحن وأنتم ذاهبون، فلا يجوز في هذا إلا المنفصل، دون الظاهر والمتصل. أما امتناع المتصل؛ فلأنه لم يل العامل، وأما امتناع الظاهر؛ فلأنه الموضع الذي يستغني فيه عن الإظهار بالحضور كما يستغني بتقديم الذكر، وكل موضعٍ يستغنى فيه عن الظاهر فواجبٌ له المضمر.
وتقول: جاء عبد الله وأنت؛ لأن الواو ليست عاملةً، وكذلك: فيها أنتم؛ لأن (فيها) ليست عاملةً في أنتم، وفيها هم قيامًا؛ لأن الظرف / ٥٣ أيعمل في الحال، ولا يعمل في الاسم المبتدأ.
وتقول: أما الخبيث فأنت، وأما العاقل فهو، وكذلك: كنا وأنت ذاهبين، وأهو هو؟، فالقياس في جميع هذا واحدٌ؛ لأنه ولي غير عاملٍ، وهو ضميرٌ مرفوعٌ، وكل ضميرٍ مرفوعٍ ولي غير عاملٍ فهو منفصلٌ ومن ذلك قول الله ﷿: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل: ٤٢]، وقال الشاعر:
[ ٥٨٦ ]
(فكأنها هي بعد غب كلالها أو أسفع الخدين شاة إران)
فـ (هي) - هنا - للمؤنث نظير (هو) في ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] في المذكر.
وتقول: ما جاء إلا أنا، وقال عمرو بن معدي كرب:
(قد علمت سلمى وجاراتها ما قطر الفارس إلا أنا)
لأن (إلا) ليس بعاملٍ.
وتقول: ها أنا ذا، ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكون على تقدير: أنا هذا، إلا أنه قدم (ها) التي للتنبيه، وهذا مذهب الخليل.
ويجوز أن تكون (ها) في موقعها لم تقدم، وإنما دخلت على المضمر؛ لما فيه من الإبهام؛ وذلك أن الأسماء على ثلاثةٍ أوجهٍ: مبهمٍ، ومضمرٍ، وظاهرٍ مبينٍ.
[ ٥٨٧ ]
فالمبهم أحق بـ (ها) التي للتنبيه؛ لاجتماع أمرين فيه: الإبهام، والإشارة المعرفة، وأما المضمر ففيه إبهامٌ لا يحتاج معه إلى إشارةٍ معرفةٍ.
فـ (هذا)، و(ذاك) أشد إبهامًا من المضمر؛ لحاجته إلى الإشارة المعرفة مع صلاح وقوعه على كل حاضر.
ثم دخول حرف التنبيه على المضمر؛ لأن فيه ضربًا من الإبهام بصلاحه لكل مكني.
ثم الظاهر البين لا يحتاج معه إلى حرف التنبيه، ولو ذكر في بعض الكلام؛ لكان على التأكيد.
ودليل أن (ها) من قولك: ها أنت ذا، يصلح أن تكون في موقعها، لم تقدم على الموقع الذي تلي فيه (ذا) - كما قال سيبويه - قوله جل وعز: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [محمد: ٣٨]، فلو كان على التقديم؛ لم تذكر في الثاني.
وتقول على ذلك: ها نحن أولاء، وها هو ذاك، وها أنت ذا، وها أنتم أولاء، وها أنتن أولاء.
وتقول: أنا هذا، وهذا أنا، ووجه الفائدة فيه أن القائل يقوله، فيعرف بنغمته
[ ٥٨٨ ]
من هو، وقد يقوله / ٥٣ ب عند الطلب لإنسانٍ بصفةٍ، فكأنه قال: أنا هذا المطلوب.
وقال الشاعر:
(ونحن اقتسمنا المال نصفين بيننا فقلت لها: هذا لها ها وذا ليا؟)
فهذا على مذهب الخليل مستقيمٌ؛ لأنه مقدمٌ، كأنه قال: وهذا ليا، فأما على المذهب الآخر فيضعف في هذا الموضع؛ لأنه ذكره بعد الضمير، وإنما التنبيه قبل المنبه عليه، ولكن يجوز على طريق التأكيد.
ويجوز على مذهب الخليل: هذا لزيدٍ ها وذا ليا، كأنه قال: وهذا ليا.
وتقول: إي ها الله ذا، فتحتمل الوجهين؛ لأن (إي) مبهم.
[ ٥٨٩ ]
ويجوز على التقديم: ها زيدٌ ذا.
وتقول: هذا أنت، فوجه الفائدة فيه أنه يقال عند الطلب لأمرٍ أو الذكر بفعلٍ، كأنه قال: هذا الفاعل أنت، أو هذا القائل أنت، أو هذا المطلوب أنت؛ حتى تصح الفائدة.
وفي التنزيل: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٨٥]، ودخل (ها) على المبهم، وفي موضعٍ آخر: ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، فدخل على المضمر؛ لأنه في موضع الابتداء الذي هو معتمد التبيين والتنبيه، وهو أحق به من الخبر الذي هو في موضع النكرة، فلم يدخل فيه، يعني في ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٨٥]، ليشاكل به المعطوف عليه.
[ ٥٩٠ ]
الجواب عن الباب الثاني:
الذي يجوز في علامة المضمر المنصوب المنفصل: إيا.
ولا يجوز أن ينفرد الغائب بعلامةٍ تخصه كما انفرد في: هو؛ لأن المرفوع أول، وهو معتمد البيان، والمفعول فضلةٌ في الكلام، فالمرفوع أحق بتمكين العلامة من جهة إخلاصها له من المنصوب.
ولا يجوز أن يقع المنفصل فيه موقع المتصل، مع أنه ليس كالمرفوع في البناء مع العامل؛ لأنه - وإن لم يبن معه - فله مرتبته منه، فالمرفوع أحق بالمتصل من وجهين:
أحدهما: مرتبته منه.
والآخر: شدة اتصاله، حتى يصلح أن يستتر فيه.
والعلامات تتعاقب في: إيا؛ لبيان الأوجه الثلاثة، فتقول: إياي، وإياك، وإياه.
وتقول: إياك رأيت، فإن أخرت المفعول؛ قلت: رأيتك، وإياكما رأيت، فإن أخرت المفعول؛ قلت: /٥٤ أرأيتكما، وكذلك: إياكم رأيت، ورأيتكم، وإياكن رأيت، ورأيتكن، وإياها رأيت ورأيتها، وإياه وإياها رأيت، ورأيتهما، وإياهم وإياهن
[ ٥٩١ ]
رأيت، ورأيتهم؛ لاختلاط المذكر بالمؤنث.
وإياي رأيت، ورأيتني، وإيانا رأيت، ورأيتنا.
وتقول: إياك ضربت، ولا يجوز: ضربت زيدًا وإياك؛ لأن صدر الكلام يجب للأنبه الأعظم كقوله جل وعز: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، ولا يجب فيما ذكر بعد الفعل على جهة تقديم معمولٍ على معمولٍ.
[ ٥٩٢ ]