الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في مواقع علامة الإضمار المرفوع المنفصل مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في مواقع علامة الإضمار المرفوع المنفصل؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يجوز في مواقع المنفصل إلا الموقع الذي لا يلي العامل؟ وهل ذلك لأن المتصل للموقع الذي يلي العامل بحق عمله فيه حتى يكون في مرتبته منه، فيوجب لزوم المرتبة؛ إذ لم يوجب له العمل؟ .
ولم لا يجوز في: كيف أنتَ؟ وأين هو؟ وكيف أنا؟ إلا المنفصل؟ .
وما معنى قوله: لأنك لا تقدر على التاء في: كيف أنتَ؟، وهو ممكنٌ أن يقول: كيفت؟ وهل ذلك لأنه بمنزلة ما لا يقدر عليه بامتناعه في الاستعمال الذي يستوي في علمه جميع أهل اللسان، فمثل هذا علةٌ وضعيةٌ، فأما العلة البرهانية فما ذكرت لك أولًا من أنه يجب للعامل بحق عمله ترتيب المعمول، وإعرابه
[ ٥٧٧ ]
بما يستحقه من العمل من ذلك العامل، فإذا امتنع أحدهما؛ لزم الآخر، ولم يجز الاتساع فيه؛ للإخلال الذي يقع به من منع العامل الأمرين جميعًا: الإعراب الذي يوجبه، والترتيب الذي يوجبه أيضًا، فمنعه أحدهما لا يخل به، ومنعه الأمرين جميعًا يخل به، فلهذا لم يجز: كيفت؟ ولا يجوز في قولك: ما جاء إلا أنا، ما جاء إلات، وهي التاء التي في: فعلتُ؛ لأنها تجب للعامل بحق عمله، و(إلا) ليست بعاملةٍ، فلا سبيل فيها إلا إلى المنفصل دون المتصل؟ .
ولم جاز: نحن وأنتم ذاهبون، بإضمار المنفصل، ولم يجز غيره من الاسم الظاهر؛ إذ قد امتنع المتصل الذي يجب للعامل بحق عمله؟ وهل ذلك لأنه قد وجب للموضع الذي يستغني فيه عن الظاهر بحضور المتكلم أو المخاطب؛ الإضمار كما وجب للموضع الذي يتقدم فيه الاسم الظاهر بالاستغناء عن الظاهر؛ الإضمار، فقياس الاستغناء بالحضور كقياس الاستغناء بتقدم الذكر، فلما لم يجز الإضمار المتصل / ٥١ ب وجب المنفصل؛ إذ كل موضعٍ يستغني فيه عن الظاهر فواجبٌ له المضمر؟ .
ولم جاز: جاء عبد الله وأنت؟ وهل ذلك لأن واو العطف ليست عاملة، وإنما تشرك بين الأول والثاني في العامل، وكذلك: فيها أنتم، لا يجوز فيها إلا المنفصل، وفيها هم قيامًا؟ .
[ ٥٧٨ ]
وهل قولهم: أما الخبيث فأنت، وأما العاقل فهو، [مثل ذلك]؟ .
وهل قياس: كنا وأنت ذاهبين، وأهو هو، ذلك القياس بأنه ولي غير عاملٍ، فكل ضميرٍ مرفوعٍ ولي غير عاملٍ فهو منفصل؟ .
ولم وجب المنفصل في قول الله جل وعز: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل: ٤٢]؟ .
وما الشاهد في قول الشاعر:
(فكأنها هي بعد غب كلالها أو أسفع الخدين شاة إران؟ .)
ولم وجب: ما جاء إلا أنا؟ .
[ ٥٧٩ ]
وما الشاهد في قول عمرو بن معدي كرب:
قد علمت سلمى وجاراتها ما قطر الفارس إلا أنا؟ .
وما حكم: ها أنا ذا؟ ولم وجب فيه المنفصل، وها نحن أولاء، وها هو ذاك، وها أنت ذا، وها أنتم أولاء، وها [أنتن] أولاء؟ .
ولم دخلت (ها) على المضمر في هذا، ولم تلزم الدخول على المبهم؟ ولم كانت أحق بالمبهم منها بالمضمر؟ وهل ذلك لأن المبهم تعرفه إشارة تصحبه، فهو أحوج إلى علامة التنبيه من المضمر الذي ليس بتلك المنزلة، مع أنه شبيهٌ به في الإبهام، فقد جمع (ذا) الإبهام والحاجة إلى الإشارة المعرفة، وأما (أنا) ففيه الإبهام فقط، فالمبهم أحوج إلى (ها) التي للتنبيه؟ .
ولم جاز: أنا هذا، وهذا أنا، مع أنهما معرفتان؟ فما فائدته؟ وهل ذلك لما يصحبه من الدليل على من هو، كأنه إذا سمع كلامه هذا عرف من هو؛
[ ٥٨٠ ]
لمعرفته بنغمته، أو يكون قد طلبه، فكأنه قال: أنا هذا الذي تطلبه، أو ما جرى هذا المجرى، وإلا لم يكن فيه فائدةٌ؟ .
وما الشاهد في قول الشاعر:
(ونحن اقتسمنا المال نصفين بيننا فقلت لها: هذا لها ها وذا ليا؟)
وما الفرق بينه وبين: هذا لزيدٍ ها وذا ليا؟ وهل ذلك لأن المضمر أحق بـ (ها) التي للتنبيه / ٥٢ أمن الظاهر؟ .
ولم جاز: إي ها الله ذا؟ وهل ذلك لأن: إي، بمنزلة المبهم؟ .
ولم جاز في: ها أنت ذا، أن تكون (ها) مقدمةً، وأن تكون في موقعها؟ وهل يجوز على أنها مقدمةٌ: ها زيدٌ ذا، ولا يجوز على أنها في موقعها: ها زيدٌ ذا؟ .
وما الدليل على جواز أن تكون في موقعها من قوله جل وعز: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [محمد: ٣٨].
[ ٥٨١ ]
وهل يجوز: هذا أنت؟ ولم جاز؟ وما فائدته؟ وهل هو على الحذف بتقدير: هذا أنت تفعل كذا وكذا، وكأنه قال: أنت الحاضر القائل كذا وكذا؟ .
وما تأويل: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٨٥]، وفي موضعٍ آخر: ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ﴾ [آل عمران: ١١٩]؟
فما وجه اختلاف موقع (ها) في الموضعين؟ وهل ذلك لأن العطف أحق بإخلاص المعطوف في ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٨٥]، فأما المبتدأ فهو أحق بالتنبيه من المعطوف في: ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ﴾ [آل عمران: ١١٩]؛ لأن المبتدأ معتد المعنى فيه على التنبيه فقط من غير إشراكٍ بينه وبين ما قبله؟ .
[ ٥٨٢ ]