الذي يجوز فيه إجراء الحروف التي ينادي بها على أربعة أوجه:
حرف للبعيد، وحرف للقريب، وحرف للوسط بين القريب والبعيد، وحرف للجميع؛ ليكون أم حروف النداء
ولا يجوز أن يستعمل الحرف الذي هو للقريب في موضع البعيد؛ لأنه ليس فيه شيء من حروف المد واللين.
وحروف النداء خمسة: أيا، وهيا، وأي، والألف ويا، فـ (أيا) و(هيا) للبعيد؛ لأنه قد مكن حرف المد فيه بالألف، والياء، وهما حرفا المد، وإنما (هيا) على بدل الهاء من الهمزة؛ للمناسبة التي بينهما بمخرج الحرف.
فأما (أي) فللوسط بين القريب والبعيد؛ لأن فيه حرف مد لم يمكن تمكين (أيا) إذ ليس ما قبله [منه، وهو حرف واحد، وهي الياء.
[ ٢١٣ ]
وأما النداء الذي للقريب؛ فالألف، كقولك: أزيد أقبل] كما قال ذو الرمة:
(أدارًا بحزوي هجت للعين عبرة .. فماء الهوى يرفض أو يترقرق)
فهذا دليل على أنه منها قريب، وإنما وقف عليها، فقال هذا القول.
وأما (يا) فهي للجميع؛ لأن فيها حرفي المد على أتم حال، مع إيجاز لفظه، فهو أحق بأن يكون أما؛ لتمكنه مع خفته.
[ ٢١٤ ]
ويجوز أن تستعمل الأحرف التي للبعيد والوسط بينهما في موضع القريب على أحد وجهين.
إما على تنزيل المنادي منزلة الغافل عنك بضرب مما يشغله، فيحتاج إلى ذلك فيه.
وإما للتوكيد الذي يدل على شدة مبالغتك في أنك مناد له بخطابك إياه دون غيره. إلا أن الأغلب هو ما بدأنا به قبل.
ولا يجوز في الألف أن تكون للبعيد؛ لأنه ليس فيها مد.
ويجوز حذف حرف النداء مع الاسم العلم؛ لأن البيان الذي فيه بكونه علمًا، مع الإقبال عليه قد يستغنى به عن حرف النداء، كقولهم:
(حاربن كعب )
[ ٢١٥ ]
وفي التنزيل: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾، وفيه: ﴿رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾، و﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾.
ولا يجوز حذف حرف النداء من النكرة ولا المبهم، لأنه قد حذف منه (أيها)؛ إذ الأصل: يا أيها الرجل، ويا أيهذا، فلم يجمع عليه حذف حرف النداء، وحذف الوصلة إلى ندائه؛ لئلا يخل به.
/٢٠٠ أويجوز: من لا يزال محسنًا افعل كذا وكذا؛ لأنه ليس مما حذف معه (أيها)، فيصلح حذف النداء؛ لأنه لا يخل به.
وقال العجاج:
(جاري لا تستنكري عذيري)
[ ٢١٦ ]
فحذف (يا) مع النكرة للضرورة على تشبيهه بالمعرفة التي تحذف معه (يا).
وقيل في مثل: افتد مخنوق، وأصبح ليل، و:
أطرق كرا
وهو قليل نادر، وإنما جاز للإيذان بقوة النداء على التغيير، مع أن المثل نادر، فشوكل به النادر في حذف حرف الندار.
ولا يجوز في المستغاث به إلا (يا)؛ لأنها أم حروف النداء؛ تدخل في سائر وجوهه من أصله وفرعه، فأصله النداء المجرد، وفرعه نداء المستغاث به، ونداء
[ ٢١٧ ]
المندوب.
ولا يجوز حذفها من المستغاث به؛ لأنه أحق بمد الصوت للاجتهاد في الاستغاثة، مع أنه يطلب الإجابة، وكشف البلية، فهو موضع تحقيق، وتوكيد.
وكذلك التعجب يلزمه (يا)؛ لأنه قد دخله مع النداء معنى التعجب؛ فلم يصلح فيه الحذف؛ لأنه لما زاد المعنى؛ اقتضى زيادة اللفظ، أو تمامه.
ولا يجوز حذف (يا)، أو (وا) من الندبة؛ لأنها موضع اجتهاد في مد الصوت للبيان عن عظيم ما نزل من المصيبة، ومع ذلك أن الندبة موضع ترنم على طريق التحزن، فلا يصلح فيها الحذف.
[ ٢١٨ ]