الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الترخيم على: يا حار، مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الترخيم على: يا حار، وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز في المعتل اللام على: يا حار، ما يجوز على: يا حار؟ وهل ذلك لأنه يجعل بمنزلة اسم لم يحذف منه شيء؛ من أجل أنه يضم آخره كما يضم ما لم يحذف منه شيء؟
وما ترخيم (قمحدوة) على: يا حار؟ ولم وجب فيه على هذا الأصل: يا قمحدي، وعلى يا حار: يا قمحدو أقبل؟
وما ترخيم (رعوم) - اسم رجل- على الأصلين؟ ولم وجب/ ٢٠٩ ب في أحدهما: يا رعي، وعلى الآخر: يا رعو؟
[ ٢٧٣ ]
وما ترخيم: قطوان؟ ولم وجب فيه: يا قطا، ويا قطو، على الأصلين المختلفين؟
وما ترخيم: طفاوة؟ ولم وجب فيه: يا طفاء، ويا طفاو أقبل؟
ولم كان الترخيم على: يا حار، أكثر؟ وهل ذلك لأنه أدل على الأصل بترك الحرف على ما كان عليه قبل الحذف، مع أن الحذف عارض.
ولم جاز الوجه الآخر؟ وهل ذلك ليشاكل نظائره في النداء بضم آخره؛ وإن كان قد انفصل منه بالحذف الذي وقع فيه، فجاز حرصا على طلب المشاكلة؟
وما الشاهد في قول العجاج:
(فقد رأى الراؤون غير البطل أنك يا معاو يابن الأفضل؟)
[ ٢٧٤ ]
ولم جاز في هذا أن يحذف مع الهاء غيرها، وهو مخالف للأصول المطردة في هذا الباب، والتي ينبغي أن يكون عليها الكلام في القياس؟ وهل ذلك لأنه قدره تقدير ما لم تكن فيه الهاء؛ للإيذان بقوة حذف الهاء، حتى كأن الاسم لم يحذف منه شيء، وهذا على طريق النادر؛ للإيذان بهذا المعنى.
وما ترخيم (حيوة) على الأصلين؟ ولم وجب فيه: يا حيو، ويا حيو، ولم يجز قلب الواو ياء كما تقلب في قوله: لويت يده ليا؟ وهل ذلك لأن هذا الاسم قد أظهر فيه الواو؛ للإيذان بحروف الأصل، فالعلة فيه في حال الترخيم كالعلة قبل الترخيم؟
ولم جاز: يا طلح أقبل، في (طلحة)، ولم يجز: يا خبيث أقبلي؟ وهل ذلك لأن الهاء في هذا؛ الفرق بين المؤنث، والمذكر، فلا يجوز أن تحذف على: يا حار، وهو صفة، ويجوز أن تحذف على: يا حار، والاسم علم؟
[ ٢٧٥ ]
ولم كان ترك الحذف فيما ليست فيه الهاء أكثر؟ وهل ذلك لأنه أبعد من الإخلال بالاسم بحذف التنوين، وإذهاب الإعراب، وحذف حرف من نفس الاسم، فهذا كالإجحاف به، فقل في الكلام؛ لهذه العلة؟
ولم جاز مع هذا الإجحاف؟ وهل ذلك للتخفيف من غير إجحاف؛ للبيان الذي يقع في الحال للمخاطب من الإقبال عليه، والإشارة إليه؟
ولم كان الترخيم في حارث، ومالك، وعامر أغلب منه في غيرها من الأسماء؟ وهل ذلك لكثرة التسمية بها على منزلة تزيد على غيرها؟
وما الشاهد في قول مهلهل بن ربيعة:
يا حار لا تجهل على أشياخنا إنا ذوو السورات والأحلام
[ ٢٧٦ ]
وقال امرئ القيس:
/٢١٠ أأحار ترى برقا أريك وميضه كلمع اليدين في حبي مكلل
وقول الأنصاري:
( يا مال، والحق عنده، فقفوا)
[ ٢٧٧ ]
وقول النابغة:
(فصالحونا جميعًا إن بدا لكم ولا تقولوا لنا أمثالها عام؟)
ولم جاز الترخيم في غير هذه الأسماء، مع أنها أحق به؛ لكثرتها؟ وهل ذلك للتخفيف من غير إخلال بالاسم؟
وما الشاهد في قول يزيد بن مخرم:
(فقلتم: تعال يا يزي بن مخرم فقلت لكم: إن حليف صداء)
[ ٢٧٨ ]
وقول مجنون بني عامر:
(ألا يا ليل إن خيرت فينا بنفسي فانظري أين الخيار)
وقول أوس بن حجر:
(تنكرت منا بعد معرفة لمي )
وقو امرئ القيس:
[ ٢٧٩ ]
(لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره طريف بن مال ليلة الجوع والخصر)
فلم جاز ترخيم (مال) في غير النداء؟
وقول رجل من بني مازن:
(على دماء البدن إن لم تفارقي أبا حردب- ليلًا- وأصحاب حردب)
[ ٢٨٠ ]
وقول طرفة:
(أسعد بن مال ألم تعلموا وذو الرأي مهما يقل يصدق)
ولم لا يجوز ترخيم اسم على ثلاثة أحرف، ليست فيه الهاء؟ وهل ذلك لأنه لما كان المطلوب بالترخيم تخفيف الاسم، وكانت الثلاثة أخف الأسماء، وأمكنها، وأكثرها استعمالا؛ لم يجز أن يرخم؛ لأنه الأخف، وترخيمه يخرجه عن المطلوب بالترخيم- وهو التخفيف- إلى الإخلال به، والإخلال ثقيل على الطباع في الكلام.
ولم لا يجوز ترخيم غير الاسم العلم، إذا لم تكن فيه هاء التأنيث؟ وهل ذلك لأن العلم أكثر، فهو أحق بأن يخفف؟
[ ٢٨١ ]
وما نظيره من قولهم: هذا زيد بن عمرو، ولا يجوز: هذا زيد بن أخينا؟
وهل يلزم من رخم غير العلم أن يقول في ترخيم (مسلمين): يا مسلم أقبلوا؟
ولم جاز: يا صاح، ولم يجز: ياراك؛ وكلاهما غير علم؟ وهل ذلك لكثرة استعمال (صاحب) فجاز كما جاز: لم يك، و[لا] أدر، ولم أبل؟
الجواب:
الذي يجوز في الترخيم على: يا حار، إجراء المعتل مجراه لو لم يحذف منه شيء في الكلام، فما كان يجب أن يعل/ ٢١٠ ب بالقلب إلى الياء، أو إلى الألف، أو الهمزة أجري على ذلك المجرى؛ لأنه قد جعل بمنزلة اسم لم يحذف منه شيء.
وأما على: يا حار؛ فيترك على حاله؛ لأنه ينوي فيه الحرف المحذوف، فكأنه موجود في الاسم، فلا يغير بأكثر من الحذف.
ولا يجوز أن يسوي بينهما؛ لاختلاف التقدير فيهما؛ إذ أحدهما على تقدير اسم لم يحذف منه شيء، يضم آخره كضم ما لم يحذف منه شيء، والآخر على
[ ٢٨٢ ]
تقدير المحذوف، فترك آخره على حاله. فعلى هذا قياس المعتل اللام.
وترخيم (قمحدوة) على يا حار: يا قمحدي، وعلى يا حار: يا قمحدو أقبل، وكذلك ترخيم (رعوم) - اسم رجل-: يا رعي على: يا حار، ويا رعو، على: يا حار.
وترخيم (قطوان): يا قطا، ويا قطو أقببل، على الأصلين.
وترخيم (طفاوة): يا طفاء أقبل، ويا طفاو أقبل، على الأصلين؛ لأنه بمنزلة (شقاوة)، إذا حذفت منه الهاء، فليس فيه إلا (شقاء)
والترخيم عل: يا حار، أكثر؛ لأنه أدل على الأصل، ويجوز الترخيم على: يا حار؛ للمشاكلة بينه وبين نظائره في النداء بضم آخره كضمها.
وقال العجاج:
(فقد رأى الراؤون غير البطل أنك يا معاو يا بن الأفضل)
وإنما جاز حذف الياء من (معاوية)؛ للإيذان بأن للهاء منزلة ليست لغيرها في قوة الحذف، حتى إن الاسم يصير مع حذفها بمنزلة ما لم يحذف منه شيء فعلى هذا جاز ترخيمه بعد حذف الهاء بأنه بمنزلة اسم لم يرخم، فرخم بحذف الياء.
[ ٢٨٣ ]
وترخيم (حيوة): يا حيو، ويا حيو، على الأصلين، من غير تغيير بأكثر من الضم، لأن هذا الاسم قد ظهرت فيه (الواو)؛ للإيذان بالأصل فهو يجري على ذلك في سائر المواقع من فاعل، مفعول، مضاف، ومرخم على قياس واحد؛ لأن العلة لازمة له.
وتقول: يا طلح أقبل، ولا يجوز في (خبيثة): يا خبيث أقبلي؛ لأن الهاء للفرق بين المذكر والمؤنث في المعنى، فلو جاز هذا؛ لجاز: هذه خبيث قد أقبلت، وهذا خطأ، وليس كذلك (طلحة)؛ لأن الهاء فيه لتأنيث الاسم فقط، فلا يخل بالمعنى حذفها، ولا بالاسم؛ لأنه حذف زائد يجري مجرى ما زيد لتكثير الاسم، فهو يحذف في حال التقليل والتخفيف.
وترك الحذف فيما ليست فيه الهاء أكثر؛ لأنه أبعد من الإخلال بالاسم بحذف التنوين، وإذهاب الإعراب، وحذف حرف من نفس الاسم، ولكنه جائز؛ لما يكون في النداء من البيان بالإقبال على المنادي، والإشارة إليه، فيصير
[ ٢٨٤ ]
لذلك تخفيفا لا يخل بالاسم، ويجوز لهذه العلة.
والترخيم في: حارث، / ٢١١ أومالك وعامر؛ أكثر؛ لكثرة هذه الأسماء في الاستعمال؛ لأن العرب تسمي بها أكثر. وقال مهلهل بن ربيعة:
(يا حار لا تجهل على أشياخنا إنا ذوو السورات والأحلام)
وقال امرؤ القيس:
(أحار ترى برقا أريك وميضه كلمع اليدين في حبي مكلل)
وقال الأنصاري:
( يا مال، والحق عنده فقفوا)
وقال الذبياني:
(فصالحونا جميعًا إن بدا لكم ولا تقولوا لنا أمثالنا عام)
ويجوز الترخيم في غير هذه الأسماء؛ لأنه تخفيف، من غير إخلال، وإن كان في تلك أكثر، وقال يزيد بن مخرم:
(فقلتم: تعال يا يزي بن مخرم فقلت لكم إني حليف صداء)
وقال مجنون بني عامر:
(ألا يا ليل إن خيرت فينا بنفسي فانظري أين الخيار)
فهذه شواهد في غير الأسماء التي كثرت في التسمية،.
[ ٢٨٥ ]
وقال امرؤ القيس:
(لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره طريف بن مال ليلة الجوع والخصر)
فرخم في غير النداء على: يا حار.
وقال رجل من بني مازن:
(علي دماء البدن إن لم تفارقي أبا حردب [ليلا، وأصحاب] حردب
أراد (ليلى) فرخم، وصرف، كأنه سمي بـ (ليل) وليس هذا على ترخيم (حردبة): لأنه في ذكر ترخيم ما ليس فيه الهاء.
وقال طرفة:
(أسعد بن مال ألم تعلموا وذو الرأي مهما يقل يصدق)
ولا يجوز ترخيم ما هو على ثلاثة أحرف ليست فيها الهاء؛ لأنه أخف الأبنية،
[ ٢٨٦ ]
وأكثرها، وأمكنها، فلما بلغ من التخفيف إلى الأعلى في الخفة الذي ليس فوقه ما هو أعلى منه؛ صار ترخيمه لا يجوز؛ لأنه يصير تثقيلا على الطباخ بإخراج المتمكن عن البناء هو أمكن، كإخراجه لو جعل على حرف واحد. وليس التخفيف كله بالحذف، إذ قد يكون بكثرة الاستعمال، وقد يكون بالتمكن الذي يخف النطق به على الطباع.
/٢١١ ب ولا يجوز ترخيم غير الاسم العلم، إذا لم تكن فيه الهاء؛ لأن العلم أكثر، فهو بالتخفيف أحق، ونظير ذلك قولهم: هذا زيد بن عمرو، بحذف التنوين؛ لوقوع (ابن) صفة بين علمين، ولا يجوز: هذا زيد ابن أخينا إلا بالتنوين؛ لأن (أخانا) ليس بعلم.
ويلزم من رخم غير العلم أم يقول في ترخيم (مسلمين): يا مسلم أقلبوا. فإن
قال: هذا يلبس، قيل له: وترخيم الثلاثي يخل بالاسم، فإذا جاز الإخلال للتخفيف؛ جاز الإلباس لما يصحبه من البيان الذي ينفيه عن الاسم.
ويجوز: يا صاح؛ لكثرة استعمال (صاحب) ولا يجوز في (راكب): يا راك؛
[ ٢٨٧ ]
لأنه لم يكثر استعماله إلى ذلك الحد، كما يجوز (لم يك) في: لم يكن، ولا يجوز في (لم يحن): لم يح.
[ ٢٨٨ ]