الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في النفي الذي يوصف فيه المنفي مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في النفي الذي يوصف فيه المنفي؟ وما الذي يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يجوز في الصفة الثانية إلا التنوين؟ .
ولم جاز في صفة المنفي ثلاثة أوجه: النصب بغير تنوين، والنصب بالتنوين، والرفع بالتنوين؟ ولم كان النصب بالتنوين أكثر في الكلام؟ .
وما حكم: لا غلام ظريفا لك؟ ولم جاز: لا غلام ظريف لك؟ .
ولم كان الأجود النصب بالتنوين، ثم النصب بغير التنوين، ثم الرفع؟ .
ولم جاز: لا غلام ظريفا عاقلا لك، على الخيار في الصفة الأولى، دون الثانية؟ .
[ ٣٧١ ]
ولم لا يكون ثلاثة أشياء بمنزلة اسم واحد؟ وهل ذلك لخروجه عن التعديل، ولا يلزم في الاسمين إذا جعلا بمنزلة اسم واحد؛ لأنهما على أقل ما يصح به التركيب، فجرى الثاني مجرى زيادة هاء التأنيث؟ .
ولم لا يجوز في قولك: لا غلام فيها ظريفا، إلا التنوين؟ .
وما حكم التكرير في هذا الباب؟ ولم جاز فيه ما يجوز في الصفة، إذا قلت: لا ماء باردا، ولا ماء باردا؟ ولم لا يجوز عنده إلا التنوين في: البارد؟ وهل ذلك لأنه بمنزلة الصفة الثانية؟ .
وهل يتوجه على ترك التنوين فيه إذا كرر الأول بعين، ولم يقدر على غيره، فتقول: لا ماء ماء باردا، كما تقول: إن إن زيدا منطلق، وضربت زيدا زيدا، لا على تعدية (ضربت) إلى مفعولين، ولا على الإتباع، ولكن على تكرير الأول بعينه في التقدير؟ .
[ ٣٧٢ ]
الجواب:
الذي يجوز في النفي الذي يثبت فيه التنوين في الاسم - إذا كان موصولا بمعمول فيه - النصب بالتنوين؛ لأنه قد امتنع البناء بأن المعمول من تمام الاسم العامل، ولا تبنى ثلاثة أشياء، فتجعل بمنزلة اسم واحد، فسبيل ذلك أن ينون كما ينون في النداء؛ لأنه موصول بمعموله كما هو موصول في النداء بمعموله، ولا يجوز مثل ذلك فيما كان على معنى الخبر؛ لأنه منفصل من الاسم بأنه مذكور للفائدة، لا للسان عن معنى الاسم.
وتقول: لا خيرا منه لك، ولا حسنا وجهه لك، ولا ضاربا زيدا لك، بالتنوين في جميع ذلك، ولا يجوز حذفه؛ لأنه الثاني لا يتوجه إلا على أنه معمول الأول.
فأما: لا عشرين درهما لك؛ فهو بمنزلة ما ذكرنا في أنه موصول، وليس بمنزلته في ذهاب النون.
وتقول: لا آمرا بالمعروف لك، فيجوز بالتنوين، وترك التنوين، والفرق
[ ٣٧٣ ]
بينهما أن أحدهما نفي عام، والآخر نفي خاص بالمعمول؛ إذ المعمول يخصص كما تخصص الإضافة، وكما تخصص الصفة، وكل ذلك مذكور للبيان عن معنى الاسم الأول، وإذا جعل منفصلا؛ جرى الأول على عموم النفي، وصار العامل في الثاني عاملا آخر، إما مذكور أو محذوف، فالمذكور كقولك: (لك) على معنى الخبر، كأنك قلت: لم يستقروا لك بالمعروف، فليس العامل هو الاسم، بل هو على عموم النفي في هذا الوجه.
وكذلك: لا آمر يوم الجمعة فيها، بالتنوين، وترك التنوين، على أن أحدهما على النفي العام؛ لأنه مطلق، والآخر على النفي الخاص؛ لأنه مقيد بالمعمول المخصص له، ويصلح تقديم: يوم الجمعة على أنه ظرف ملغي، كأنك قلت: لا آمر فيها يوم الجمعة، فالخبر (فيها)، و(يوم الجمعة) متصل، كقولك: زيد في الدار يوم الجمعة، أي: يستقر في الدار يوم الجمعة.
وتقول: لا داعي إلى الله لك، فيجوز بالتنوين، وترك التنوين، فالتنوين على الإعمال، وترك التنوين على قطعة عن العمل، كأنك أردت أن تقول: لا داعي
[ ٣٧٤ ]
لك أصلا، ثم استدركت بالبيان، فقلت: إلى الله؛ أي: أعني إلى الله.
وكذلك: لا مغيرا على الأعداء لك، يجوز فيه الوجهان: من التنوين، وترك التنوين.
ونظيره: سقيا لك، في أن (لك) ليس بخبر، ولا معمول (سقيا)؛ لأنه قد كثر (سقيا) من غير ذكر (لك)، فإذا ذكر؛ فكأنه استدرك به بعد ما قد مضى (سقيا) على الإلغاء من العمل.
وتقول: لا ضاربا يوم الجمعة لك، فيجوز فيه الوجهان: على عموم نفي الضاربين، وعلى خصوص نفي ضاربي يوم الجمعة إذا نصبت بالتنوين، فقلت: لا ضاربا يوم الجمعة لك.
[ ٣٧٥ ]
والجواب عن الباب الثاني:
الذي يجوز في النفي الذي يوصف فيه المنفى إجراء الصفة على ثلاثة أوجه:
النصب بالتنوين، وهو الأجود، ثم النصب بغير تنوين، ثم الرفع بالتنوين.
وإنما كان النصب بالتنوين أجود؛ لأنه أشكل بالموصوف، وأجرى في الباب، وأشبه بالنظير من النداء، وأبعد من الكلفة بفك الاسم من (لا) ثم بنائه مع الصفة.
وإنما جاز النصب بغير تنوين مع تكلف فك [الاسم] من (لا)؛ طلبا للنظير الأكثر من بناء اسم مع اسم من نحو: خمسة عشر.
وجاز الرفع بالتنوين؛ حملا على الموضع؛ إذ كانت (لا) مع الاسم بمنزلة اسم واحد موضعه رفع.
ولا يجوز في الصفة الثانية إلا بالتنوين؛ لأنه لا تبنى ثلاثة أشياء فتكون بمنزلة اسم واحد، كما لا يجوز في الفصل بين الصفة والموصوف بالظرف إلا التنوين.
[ ٣٧٦ ]
وتقول: لا غلام ظريفا لك، ولا غلام ظريف لك، ولا غلام ظريف لك، فيجوز فيه الأوجه الثلاثة، على ما بينا.
وإذا قلت: لا غلام ظريفا عاقلا لك؛ فليس في (عاقل) إلا التنوين؛ لما بينا من أنه لا تبنى ثلاثة أشياء فتكون بمنزلة اسم واحد؛ وذلك لأنه خروج عن التعديل بكثرة التركيب، ولا يكون بأقل قليل التركيب خروجا عن التعديل.
وتقول: لا غلام فيها ظريفا؛ فلا يجوز إلا التنوين؛ للفصل بالظرف.
وحكم التكرير كحكم الصفة عنده، تقول: لا ماء ماء باردا، ولا ماء ماء باردا، فهذا [على] أن المكرر الثاني في اللفظ غير الأول، فلا يجوز في
[ ٣٧٧ ]
الصفة على هذا إلا التنوين.
وقد يجوز - عندي - أن يكرر الأول بعينه، كقول العرب: ضربت زيدا زيدا، على أن الثاني ليس بتابع الأول، وإنما هو مكرر لم يتعمد الفعل فيه إلى مفعولين.
وإنما يصح هذا فيما اتفق فيه اللفظ، والمعنى على أن الثاني هو الأول على معناه، فيصح أن يقدر تقدير الشيء بعينه، فيجوز على هذا: لا ماء ماء بارد.
ولو كرره أكثر من مرتين؛ لجاز أيضا: فقال: لا ماء ماء [ماء] بارد؛ جاز وحسن على هذا الوجه.
[ ٣٧٨ ]