الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في (أو) من الإعمال مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في (أو) من الإعمال؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز فيها الإعمال إلا أن تكون بمعنى: إلا أن؟
ولم جاز فيها الإعمال في الواجب، ولم يجز مثل ذلك في أختيها: الواو والفاء؟
ومن أين دخلها معنى: إلا أن؟ وهل ذلك لأنها لأحد الشيئين، فأحدهما يكون لا محالة إلا أن يكون الآخر؟
ومن أين دخلها معنى التعليق كالتعليق في الشرط؟ وهل ذلك لأنه يكون أحدهما لا محالة إن لم يكن الآخر؟
ولم لا يجوز إظهار (أن) بعدها كما يجوز بعد اللام؟ وهل ذلك لأن الثاني محمول على تأويل الأول بتقدير المصدر، وليس كذلك اللام؟
[ ٨٩٧ ]
وما حكم: /١١٩ ألألزمنك أو تعطيني حقي؟ ولم قدره: ليكونن اللزوم أو أن تعطيني حقي، [و: لأضربنك أو تسبقني، على: إلا أن تسبقني، و: لألزمنك أو تقضيني]، على: إلا أن تقضيني؟
وما الشاهد في قول امرئ القيس:
فقلت له لاتبك عينك إنما نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا؟
وما الفرق بين: ليكونن اللزوم أو الإعطاء، وبين: ليكونن اللزوم إلا أن يقع الإعطاء؟ وهل هذا على تغليب اللزوم، لأنه بمنزلة المستدرك بالتقييد، ولذلك قال: إنما نحاول ملكًا، لأن هذا هو الغرض، ثم استدرك بإلا أن نقتطع بالموت؟ وهل يجوز فيه الرفع على وجهين: أو نحن ممن يموت، على الاستئناف، وعلى العطف على: نحاول؟ ولم كان النصب أحسن؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾؟ ولم كان الرفع فيه الوجه على العطف وعلى:
[ ٨٩٨ ]
أو هم يسلمون؟ وهل ذلك لأن الغرض الإسلام لا القتال، فلا يجعل بمنزلة المستدرك به على جهة الفضلة في الكلام؟
وما الشاهد في قول ذي الرمة:
حراجيج لا تنفك إلا مناخة على الخسف أو نرمي بها بلدًا قفرًا؟
ولم جاز بالعطف على تأويل: لا تنفك تناخ أو نرمي، وعلى الابتداء؟
وما الوجه في: ألزمه أو يتقيك بحقك، واضربه أو يستقيم؟
وما الشهد في قول زياد الأعجم:
وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيما؟
[ ٨٩٩ ]
ولم جاز الرفع في الأمر على الابتداء، ولم يجز على العطف؟
وما حكم: هو قاتلي أو أقتدي منه؟ ولم جاز بالنصب والرفع؟
وما الشاهد في قول طرفة بن العبد:
ولكن مولاي امرؤ هو خانقي على الشكر والتسآل أو أنا مقتدي؟
وما تأويل قول الله جل وعز: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾؟ ولم لا يكون محمولًا على (أن) هذه المذكورة؟ وهل ذلك لأنه يصير: ما كان لبشر أن يرسل الله رسولًا، وهذا لا وجه له؟ وعلام يحمل النصب؟ ولم جاز في مثله إظهار: أن؟ وهل ذلك لأنه عطف على مصدر مصرح؟ ولم لا يجوز الرفع على: أن يكلمه الله إلا يرسل رسولا؟ وهل ذلك لأنه لا يعطف الفعل على الاسم إلا بتأويل المصدر؟
[ ٩٠٠ ]
وما الشاهد في قول الحصين بن حمام المري:
ولولا رجال من رزام أعزة وآل سبيع أو أسوءك علقما؟
ولم جاز إظهار (أن) في مثل هذا؟ وهل ذلك لأنه معطوف على (رجال)، فهو مثل الآية في جواز إظهار: أن؟
وما وجه قراءة أهل المدينة: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ﴾ بالرفع؟ وهل ذلك لأنه على تقدير وقوع المصدر موقع الحال، كأنه قيل: إلا موحيًا
أو مرسلًا رسولًا؟ ولم حمله على معنى: هذا كلامه إياهم، كقول العرب: تحيتك الضرب، وعتابك السيف، وكلامك القتل؟ ولم لا يكون الوحي كلامًا في الحقيقة؟ وهل ذلك لأنه ليس كل وحي يكون كلامًا، كما أنه ليس كل بيان يكون كلامًا، وأما الإرسال فهو كلام، وكذلك ما يسمع من وراء حجاب مما يدل على المعاني المختلفة؟
وما الشاهد في قول عمرو بن معدي كرب:
[ ٩٠١ ]
وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع؟
وما تأويل قول الأعشى:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا أو تنزلون فإنا معشر نزل؟
ولم حمله الخليل على: أتركبون أو تنزلون، وحمله يونس على الاستئناف، كأنه قال: وأنتم تنزلون، كما حمل يونس الرفع في الآية: أو هو يرسل رسولًا، /١٢٠ كما قال طرفة:
أو أنا مفتدي؟
وما صار قول زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئًا إذا كان جائيًا
أضيق وأضعف، ولم يكن تأويل الخليل في البيت على هذه المنزلة من الضعف؟ وهل ذلك لإضمار حرف الجر وإعماله في العطف؟
[ ٩٠٢ ]
وهل يلزم على تأويل الخليل: هو يأتينا ويحدثنا، على تقدير: هو يكون منه إتيان ويحدثنا؟ ولم ألزمه سيبويه بهذا؟ وبم ينفصل الخليل؟ وهل ذلك لأن في هذا مناقضة الأصول بالنصب في الواجب من غير تصريح بالمصدر، وليس كذلك قوله: أو تنزلون؟
الجواب:
الذي يجوز في (أو) من الإعمال النصب بإضمار (أن) إذا كانت في معنى: إلى أن، لأنها قد خرجت بهذا الوجه عن العطف على الفعل إلى الحمل على تأويل المصدر، فجرت مجرى أختيها في الصرف عن العطف إلى تأويل المصدر.
ولا يجوز إظهار (أن) فيه كما لا يجوز في أختيها، لأن الكلام محمول على تأويل المصدر.
ويجوز فيها الإعمال في الواجب، لأنها لما خرجت إلى معنى: إلا أن جرت
[ ٩٠٣ ]
على التعليق بمنزلة الجزاء، كأنه قيل: إن لم يكن ذاك، وليس كذلك الفاء والواو، لأنها إذ وقعت في الواجب، لم يكن فيها معنى تعليق الجزاء.
ودخلها معنى: إلا أن لأنها لأحد الشيئين، فما كان لأحد الشيئين فهو يقع [في] المعنى لأحدهما لا محالة إلا أن يقع للآخر.
وتقول: إلا أن تعطيني، وكذلك: لأضربنك أو تسبقني، و: لألزمنك أو تقضيني. وقال امرؤ القيس:
فقلت له لا تبك عينيك إنما نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا
على معنى: إلا أن نموت فنعذرا
والفرق بين: ليكونن اللزوم أو الإعطاء، وبين: ليكونن اللزوم إلا أن يقع الإعطاء، أن هذه على تغليب اللزوم، وجاء الاستثناء على /١٢٠ ب جهة الفضلة في الكلام، ولذلك كان النصب أحسن في البيت، لأن الغرض: أن نحاول ملكًا وإنما تنقطع عنه إن قطعنا الموت.
[ ٩٠٤ ]
ويجوز في مثله الرفع على وجهين: العطف على: نحاول، والاستئناف على: أو نحن نموت فنعذر.
وفي التنزيل: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾، فالرفع في هذا أحسن، لأن الغرض الإسلام، فلا يكون بمنزلة الفضلة في الكلام، والرفع بالعطف على: تقاتلون، ويجوز على الاستئناف: أو هم يسلمون.
وقال ذو الرمة:
حراجيج لا تنفك إلا مناخة على الخسف أو نرمي بها بلدًا قفرا
فهذا شاهد في الرفع، ويجوز على وجهين: على العطف بتقدير: لا تنفك تناخ أو نرمي بها، ويجوز على: أو نحن نرمي بها، على الاستئناف.
وتقول: ألزمه أو يتقيك بحقك، واضربه أو يستقيم، فهذا في غير الواجب، والمعنى معنى: إلا أن ويجوز فيه الرفع على الاستئناف، ولا يجوز على العطف، لأن الأول لم يعمل فيه عامل.
وقال زياد الأعجم:
وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيما
[ ٩٠٥ ]
فهذا على معنى: إلا أن تستقيم، ويجوز في مثله الرفع على الاستئناف.
وتقول: هو قاتلي أو أفتدي، على معنى: إلا أن أفتدي، ويجوز فيه الرفع على: يقتلني أو أفتدي، على معنى: إلا أن أفتدي، ويجوز فيه الرفع على: يقتلني أو أفتدي، وعلى: أو أنا أفتدي، كما قال طرفة بن العبد:
ولكن مولاي امرؤ هو خانقي على الشكر والتسآل أو أنا مفتدي
وفي التنزيل: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾، فهذا على إضمار (أن) غير المذكورة، ولا يجوز أن يحمل على المذكورة، لأنه يصير بمنزلة: ما كان لبشر أن يرسل الله رسولًا، وهذا لا معنى له، وإنما هو معطوف على (وحيا)، ويجوز أن تظهر فيه (أن) /١٢١ أ، كقولك: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا، أو من وراء حجاب، أو [أن] يرسل رسولا.
وقال الحصين بن حمام المري:
ولولا رجال من رزام أعزةٌ وآل سبيع أو أسوءك علقما
فهذا بمنزلته في جواز إظهار (أن)، لأنه معطوف على الاسم المصرح به.
وقراءة أهل المدينة بالرفع، ووجه ذلك الحال عند الخليل، كأنه قيل: إلا موحيًا أو مرسلًا.
[ ٩٠٦ ]
ويونس يحمله على الاستئناف، كأنه قيل: أو هو يرسل رسولا.
قال: وهو بمنزلة: عتابك السيف، يعني أن الوحي الذي يلقيه الله جل وعز إلى العباد قد يكون بيانًا عن المعنى ليس بكلام كالإلهام ونصب الدلالات والعلامات التي تقوم [مقام] الكلام، لأن الوحي: الإيماء إلى المعنى من وجه يخفى، فلهذا جعله بمنزلة: عتابك السيف.
وقال عمرو بن معدي كرب:
وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع
فهذا شاهد في أن الوحي كلامه إياهم
وقال الأعشى:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا أو تنزلون فإنا معشر نزل
فهذا بالعطف عند الخليل على المعنى، غذ المعنى: أتركبون أو تنزلون، وهو عند يونس على الاستئناف: أو أنتم تنزلون.
[ ٩٠٧ ]
وشبهه سيبويه بقول زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئًا إذا كان جائيا
فهذا ضعيف لإضماره حرف الجر مع إعماله.
ولا يلزم في بيت الأعشى مثل ذلك، بل هو حسن كما تأوله الخليل، يجري مجرى ﴿وحورا عينا﴾ في قراءة أبي بالحمل على دلالة الكلام الأول، لأن قوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾، بمنزلة: يعطون ذاك وحورا عينا.
وألزمه: هو يأتينا ويحدثنا لأنه بمعنى: هو يكون منه إتيان وأن يحدثنا، وله أن ينفصل من هذا بما فيه من مناقضة /١٢١ ب الأصول التي قد انعقدت بأن إضمار (أن) في الواو أنها إنما تكون في غير الواجب، ولا تكون في الواجب، وليس كذلك بيت الأعشى.
[ ٩٠٨ ]