الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الأسماء التي يصلح فيها الصلة والجزاء مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الأسماء التي يصلح فيها الصلة والجزاء؟ وما الذي لا يجوز؟
ولم ذلك؟
ولم لا يجوز الصلة والجزاء فيما يمتنع من الاستفهام؟ وهل ذلك لأن تمكنه في الصلة والجزاء يقتضي جواز الاستفهام به؟
وما الأسماء التي يصلح فيها الصلة والجزاء؟
ولم جاز في: من، وما، وأي؟ وهل ذلك لقوتها بأنها على طريق الجنس مع الإبهام الذي يصلح فيه تضمن حرف الجزاء، فـ (من) نظيرة (ما) إلا أنها تدل على ما يعقل، و(أي) نظيرة (ما) إلا أنها تنفصل بخواص على ما بينا؟
وما حكم: ما تقول أقول؟ ولم جاز فيه: ما تقل أقل، وما تقول أقول، ومن يأتيني آتيه، ومن يأتني آته، وأيها تشاء أعطيك، وأيها تشأ أعطك؟ ولم وجب
[ ٩٥٤ ]
أن أحدهما وعد مطلق، والآخر وعد معلق؟
وما الشاهد في قول الفرزدق:
ومن يميل أمال السيف ذروته حيث التقى من حفافي رأسه الشعر
وما حكم: آتي من يأتيني، وأقول ما تقول، وأعطيك أيها تشاء؟ ولم لا يجوز في مثل هذا الجزاء إلا على قبح؟
وما حكم: آتي من أتاني؟ ولم حسن في هذا الصلة والجزاء؟ وهل ذلك لأن (من) غير عاملة في: أتاني؟
ولم جاز في الشعر: آتي من يأتني؟ وما العامل في: من؟
وما الشاهد في قول: [الهذلي]:
فقلت له احمل فوق طوقك إنها مطبعة من يأته لا يضيرها؟
[ ٩٥٥ ]
/١٣١ ب وما الخلاف فيه؟ ولم أجازه على: لا يضيرها من يأتها، وعلى حذف الفاء؟
وما حكم: أقول مهما تقل، وأكون حيثما تكن [وأكون أين تكن]، وآتيك متى تأتني، وتلتبس بها أنى تأتها؟ ولم لا يجوز مثل هذا إلا في الضرورة؟ ولم امتنع رفع الفعل على الصلة؟ وهل ذلك لأنها ظروف غير متمكنة، إلا (مهما)، فإنها غيرت لتلزم الجزاء؟
[ ٩٥٦ ]
ولم لا يجوز: مهما تصنع قبيح، ولا: في الكتاب مهما تقول، كما يجوز: ما تصنع قبيح، وفي الكتاب ما تقول؟
الجواب:
الذي يجوز في الأسماء التي يصلح فيها الصلة والجزاء إذا وقعت موقع المفرد الذي يعمل فيه العامل على تقدير (الذي) أن تكون موصولة، وإذا وقعت موقع (إن) وهو الموقع الذي لا يعمل فيه ما قبله أن تكون [جزاء].
ولا يجوز فيما صلح فيه الصلة والجزاء أن يمتنع من الاستفهام، لأنه إذا قوي على الأمرين بما فيه من معنى الجنس والإبهام الذي يصلح فيه تقدير (إن) اقتضى أن يصلح للاستفهام.
والأسماء الذي [يصلح] فيها الصلة والجزاء: من، وما، وأي، لأنها على طريقة (ما) في الجنس، إلا أن (من) تدل على ما يعقل، و(أي) لتفصيل ما أجمملته (ما)، وهي مبهمة الإبهام الذي يحتمل تقدير (إن)، وهو إبهام الحروف التي لا تقوم بنفسها في البيان عن معناها، فإبهامها في الطبقة التي تلي الحرف،
[ ٩٥٧ ]
وليس كذلك كل إبهام، لأن من الأسماء ما يستبهم بعمومه، فلا يجري مجرى الحرف، لأنه في طبقة تبعد من استبهام الحرف.
والأصل في الإبهام أن منه ما لا يظهر به شيء البتة، ولا يتخيل كقولك: جع، ومنه ما يتخيل كقولك: نعم، فيما يقع للجواب، ومنه ما يظهر ظهورًا ضعيفًا كقولك: الذي في الدار، ومنه ما يظهر أشد من هذا الظهور كقولك: أفضل، من غير أن تذكر: من كذا، فتجده كالناقص، ومنه ما يظهر على هذا النحو إلا أنه لا يقتضي متممًا كقولك: شيء، ومكان.
وكل هذه التي ذكرنا مبهمات إلا أن بعضها أشد /١٣٢ أإبهامًا من بعض، فمن، وما وأي، مبهمة إبهامًا يصلح أن يضمر معه (إن)، لأن إبهامها في المرتبة التي تلي الحرف.
وتقول: من يأتيني آتيه على تقدير: الذي يأتيني آتيه. و: من يأتني آته على تقدير: إن يأتني إنسان آته، فيصلح في هذا الموضع الصلة والجزاء.
وكذلك: ما تقول أقول، على تقدير: الذي تقول أقول، و: ما تقل أقل، على تقدير: إن تقل شيئًا أقل.
وكذلك: أيها تشاء أعطيك، على معنى: الذي تشاء أعطيك، وتنصب (أيا) بأعطيك، ويجوز: أيها تشأ أعطك، على الجزاء، وتقديره: إن تشأ شيئًا أعطك، فتنصب (أيها) بالفعل الذي يليه، ولا يجوز نصبه بالجواب، لئلا يختلط متعلق الشرط بمتعلق الجواب.
[ ٩٥٨ ]
وقال الفرزدق:
ومن يميل أمال السيف ذروته حيث التقى من حفافي رأسه الشعر
فهذا على تقدير: والذي يميل أمال السيف ذروته.
فلو قلت: من يأتيني غفر الله له، جاز، ولا يصلح في مثل هذا الجزاء، لو قلت: من يأتني غفر الله له، على الدعاء، لم يجز إلا أن تقول: من يأتني فالله غفر له، أو: فغفر له الله.
وتقول: آتي من يأتيني، وأقول ما ت قول، وأعطيك أيها تشاء، فترفع على الصلاة، ولا يجوز الجزم في مثل هذا، لتقديم العامل، إلا في الضرورة، كقولك: آتيك إن تأتني، فهذا يقبح، ولا يجوز إلا في الضرورة.
ولو قلت: آتي من أتاني، لحسن في الصلاة والجزاء، إلا أنه في الصلة تكون (من) في موضع نصب، كأنك قلت: آتي الذي أتاني، وتكون في الجزاء في موضع رفع، كأنك قلت: آتي إن أتاني أحد.
وقال الهذلي:
[ ٩٥٩ ]
فقلت له احمل فوق طوقك إنها مطبقة من يأتها لا يضيرها
فهذا ضرورة على حذف الفاء، كأنه قال: فهو لا يضيرها، ويجوز على التقديم والتأخير، بتقدير: إنها مطبعة لا يضيرها من يأتها، عند سيبويه، ولا يجوز ذلك عند أبي العباس، وابن السراج، ولكن حذف الفاء جائز فيه بإجماع.
/١٣٢ ب وتقول: أقول مهما تقل، وأكون حيثما تكن، وأكون أين تكن، وآتيك متى تأتني، وتلتبس بها أنى تأتها، ولا يجوز مثل هذا إلا في الضرورة، ولا سبيل إلى الصلة للعلة التي بينا قبل من أنها ظروف غير متمكنة لا يجوز أن يخبر عنه، وأن (مهما) غيرت لتلزم الجزاء.
وتقول: ما تصنع قبيح، وفي الكتاب ما تقول، ولا يجوز أن تقع (مهما) هذا الموقع، لأنها إذا كانت بمعنى (الذي) لم يحتج إلى (ما) لتقويها على العمل، إذ كانت غير عاملة، فلا تصلح (مهما) في هذا الموقع، لهذه العلة.
[ ٩٦٠ ]