الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الجزاء مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الجزاء؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز في الجزاء أن يكون الفعل صلة للاسم؟ وهل ذلك لأن المطلوب فيه الإبهام، والصلاة تبطل الإبهام؟
وما الذي يصلح أن يجازي به من الأسماء؟ وما الذي لا يصلح أن يجازي به؟
ولم كان الأصل في الجزاء أن يكون بالحرف؟ وهل ذلك لأنه يعقد إحدى الجملتين بالأخرى، وينقلها إلى معنى الشرط والجواب، وما نقل الكلام عن معنى إلى معنى فهو حرف؟
وما قسمة الأسماء التي يجازي بها؟
[ ٩٢٤ ]
ولم جاز الجزاء بالاسم؟ وهل ذلك لأنه مبهم إبهام الحرف، يصلح أن يتضمن معنى: إن؟
ولم صارت: من، وما، ومهما، وأي أخوات في الجزاء؟
[ولم صارت: أنى، وأين، ومتى أخوات في الجزاء]؟
ولم صار: حيثما، وإذما، وإذا ما أخوات في الجزاء؟
ولم لا يجوز أن يجازي بحيثما، وأختيها إلا أن يصحبها: ما؟ ولم صارت (ما) مسلطة على الجزاء؟ وهل ذلك لأنه لما كان يقوى بها الكلام في التأكيد، قوت هذه الأحرف /١٢٥ أعلى العمل كما قويت أن تكف: إنما، وكأنما، عن العمل، وكما قويت على تغيير (لو) في قولك: لو ما؟
وما الشاهد في قول العباس بن مرداس:
إذ ما أتيت على الرسول فقل له حقًا عليك إذا اطمأن المجلس
[ ٩٢٥ ]
وقول عبد الله بن همام:
إذا ما تريني اليوم مزجى ظعينتي أصعد سيرًا في البلاد وأفرع
فإني من قوم سواكم وإنما رجالي فهم بالحجاز وأشجع
وقول لبيد:
فأصبحت أنى تأتها تلتبس بها كلا مركبيه تحت رجلك شاجر
[ ٩٢٦ ]
وقول ابن همام:
أن تضرب بنا العداة تجدنا نصرف العيس نحوها للتلاقي؟
وما في أن (حيث) تضاف إلى جملة تقوم مقام الصلة ما يمنع من الجزاء بها؟
وهل ذلك لأنها ضعفت عن أن تقوم بنفسها في البيان عن معناها، غذ كانت الإضافة إلى الجملة تلزمها على خلاف (من) وأخواتها، إذ لا تلزمها الصلة، من أجل أنه يستفهم بها، فلا تكون لها صلة؟
[ولم جاز الجزاء ببعض ما يوصل دون بعض؟
ولم جاز الجزاء ببعض ما يستفهم به دون بعض].
وهل علة امتناع الجزاء بإذ، وإذا، كعلة: حيث؟
[ ٩٢٧ ]
ولم وجب في قولك: حيث تكون أكون، أن حيث مضافة إلى الجملة، ولم يجز أن تكون الجملة لها صلة؟ وهل ذلك لأنها لو كانت صلة لم تنعقد بحيث إلا بعائد، فكان لا يجوز: زيد حيث عبد الله قائم، والإضافة لا تحتاج إلى عائد؟
ولم لا يجوز أن يكون الفعل صلة لمن وأخواتها في الاستفهام؟
ولم جاز في (من) وأخواتها أن توصل، ولم يجز في (أنى) وأختيها أن توصل؟ وهل ذلك لأنها ظرف لا يخبر عنها، إذ هي /١٢٥ ب ظروف غير متمكنة، وإنما جازت الصلة في (من) وأخواتها، للحاجة إلى الإخبار عنها؟
ولم وجب أن الأصل في (مهما): ما؟ ولم لا يجوز على هذا الأصل في (مهما) ما يجوز في (ما) من الاستفهام والصلة؟
وما الشاهد في قول الله جل وعز: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ﴾، وقوله: ﴿أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾؟
[ ٩٢٨ ]
ولم أجاز فيها سيبويه أن تكون كـ (إذ) ضم إليها (ما)، فيكون الأصل: مه؟
ولم لا يجوز الجزاء بكيف إذ قلت: كيف تصنع أصنع؟ وهل ذلك لضعفها بأنها لا تكون إلا نكرة، مع إجرائها على قياس أختها في أنها لا تكون إلا نكرة في الاستفهام، وهي: كم، ولم يصلح أن تقوى بـ (ما)، لما تقتضيه أختها من إجرائها على طريقتها؟
وما الفرق بين قولهم: على أي حال تكن أكن، وبين: كيف تكن أكن، حتى جاز أحدهما، ولم يجز الآخر؟ وهل ذلك لأن في (أي) تفصيلًا في إبهام يحتاج إليه في الجزاء؟
وما الفرق بين: آتيك إذا احمر البسر، وبين: آتيك إن احمر البسر؟
وما الشاهد في قول ذي الرمة:
تصغي إذا شدها بالرحل جانحة حتى إذا ما استوى في غرزها تثب؟
[ ٩٢٩ ]
وهل ذلك على أنه لم يجاز بها؟
وقول الآخر:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم فذاك أمانة الله الثريد؟
وما الشاهد في قول قيس بن الخطيم:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنضارب
وقول الفرزدق:
[ ٩٣٠ ]
ترفع لي خندف والله يرفع لي نارًا إذا خمدت نيرانهم تقد
وقول بعض السلوليين:
إذا لم تزل في كل دار عرفتها [لها] واكف من دمع عينيك يسجم
/١٢٦ أوقول كعب بن زهير:
[و] إذا ما تشاء تبعث منها مغرب الشمس ناشطًا مذعورا
[ ٩٣١ ]
وما الجازم للجواب في: إن تأتني آتك؟
ولم وجب أن (إن) أم الجزاء؟ وهل ذلك لأن جميع ما يجازي به قد يخرج عن الجزاء إلا (إن)، مع تقديرها في كل اسم بجازى به؟
وما جواب الجزاء؟ ولم لا يكون إلا بالفعل، أو الفاء؟
ولم لا يجوز الجواب بالواو، ولا بثم؟
وما في قول القائل إذا قيل له: افعل كذا، فيقول: فإذن يكون كذا وكذا، وتقول: لم أغث أمس، فيقول: فقد أتاك الغوث، ولا يجوز في هذا الموضع: الواو، ولا ثم؟
الجواب:
الذي يجوز في الجزاء جزم الشرط والجواب بالفعل على عقد الجملة الثانية بالأولى، حتى يكون خبرًا واحدًا.
[ ٩٣٢ ]
ولا يجوز الجزاء في الأصل إلا بالحرف، لأنه ينقل الكلام عن الإيجاب على القطع إلى تعليق الثاني بالأول، فينقله إلى معنى الجزاء كما ينقل عن الواجب إلى النفي بحرف، فكذلك ما ينقل عن الواجب إلى الجزاء فحقه أن يكون بالحرف على قياس نظائره، لأن الحروف لها نقل الكلام من معنى إلى معنى، ولهذا عقد الثاني بالأول، فهذا من شرط الحروف، وقد اجتمع بحرف الجزاء، وهو: إن.
ولا يجوز في الأسماء التي يجازى بها أن يكون الفعل صلة لها، لأن المطلوب فيها الإبهام، والصلة تخرج عن الإبهام.
والأسماء التي يصلح أن تجازي هي المبهمة إبهامًا يصلح أن يضمن معنى: إن، وما لا يصلح أن يضمن معنى (إن)، لا يصلح أن يجازى به.
والأسماء التي يجازى بها أحد عشر:
من، وما، ومهما، وأي، وهذه الأربعة أخوات.
وأنى، وأين، ومتى، وهذه الثلاثة أخوات في معنى الظرف المطلق، كما أن الأربعة الأول أخوات في طريق الجنس.
وحيثما، وإذا ما، وإذا ما /١٢٦ ب أخوات في الانعقاد بما.
[ ٩٣٣ ]
و(إذا) يجازى بها الشعر.
ولا يجوز الجزاء بحيث، من قبل أنها تلزمها الإضافة التي تقوم لها مقام الصلة، فهي ناقصة عن أن تحتمل الجزاء، فإذا لحقتها (ما)، قوتها على العمل.
وكذلك: إذ، وإذا، لا يجازى بواحدة منهما إلا مع (ما)، وإنما احتملت ذلك، لأنها لتقوية المعنى بالتأكيد إذا كانت صلة، ففيها معنى القوة والتمكين في النفس، فقويت على تسليط هذه الأحرف الثلاثة على العمل في الجزاء، وقويت على كف الأحرف الثلاثة عن العمل في: كأنما، وإنما، وأنما، وقويت أيضًا على تغيير المعنى في (لو ما)، فخرجت إلى معنى: هلا.
وقال العباس بن مرداس:
إذا ما أتيت على الرسول فقل له حقًا عليك إذا اطمأن المجلس
فهذا شاهد في أنه يجازى بإذ ما.
وقال عبد الله بن همام:
إذا ما تريني اليوم مزجى ظعينتي أصعد سيرًا في البلاد وأفرع
فإني من قوم سواكم وإنما رجالي فهم بالحجاز وأشجع
[ ٩٣٤ ]
وقال لبيد:
فأصبحت أنى تأتها تلتبس بها كلا مركبيها تحت رجلك شاجر
فجاز بأنى.
وقال ابن همام:
أن تضرب بنا العداة تجدنا نصرف العيس نحوها للتلاقي
فجازى بأين.
وإنما كانت الجملة صلة في (من) وأخواتها، ولم تكن صلة في (حيث) وأختيها، لأن الصلة تحتاج إلى عائد يعقد الجملة بالأول، والإضافة لا تحتاج إلى عائد، ولذلك جاز: زيد حيث عبد الله قائم، من غير عائد.
ولا يجوز في (أنى) وأختيها أن توصل كما جاز في (من) وأختيها، [لأنه] لا يصلح أن يخبر عنها من أجل أنها ظروف غير متمكنة، وإنما جاز أن توصل (من) وأختيها، /١٢٧ أللحاجة إلى الإخبار عنها بما معتمد المعنى فيه، تدل عليه الجملة.
والأصل في مهما: (ما) دخلت عليها (ما) كما تدخل على سائر أخواتها، واستقبح التكرير في: ما ما، فأبدلت الألف هاء، لأنها من مخرج الألف، وحسن اللفظ بها، وهذا مذهب الخليل، ولا يجوز عندي غيره، لما بينا من العلة، لتجري على قياس أخواتها من نحو ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ﴾، وقوله: ﴿أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
[ ٩٣٥ ]
وقد أجاز سيبويه أن تكون (مه) ضم إليها: ما.
والفرق بين: على أي حال تكون أكن، وبين: كيف تكن أكن، حتى لم يجز هذا، وجاز ذاك، أن في (أي) إبهامًا في تفصيل يحتاج إليه في الجزاء، وليس كذلك في: كيف.
والفرق بين: آتيك إذا احمر البسر، وبينه بإن، أنه بإذا موجب كأنه قيل: آتيك في احمرار البسر، وهو بإن معلق، وليس يحسن التعليق في هذا، لأنه وقت كائن لا محالة.
وقال ذو الرمة:
تصغي إذا شدها بالرحل جانحةً حتى إذا ما استوى في غرزها تثب
فهذا شاهد في أنه لم يعمل: إذا ما.
وقال قيس بن الخطيم:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنضارب
[ ٩٣٦ ]
فهذا أعمل (إذا) ضرورة.
وقال الفرزدق:
ترفع لي خندف والله يرفع لي نارًا إذا خمدت نيرانهم تقد
فهذا ضرورة، وكذلك قول بعض السلوليين:
إذا لم تزل في كل دار عرفتها لها واكف من دمع عينيك يسجم
فكل هذا ضرورة.
وقال كعب بن زهير:
[و] إذا ما تشاء تبعث منها مغرب الشمس ناشطًا مذعورا
فهذا حسن جيد، لأن المعنى: في أي وقت شئنا بعثنا، فلم يجاز بإذا.
والجازم /١٢٧ ب في: إن تأتني آتك، هو الحرف العامل، وهو (إن)، وقد قيل: إن العامل في الجواب هو: إن تأتني، والأول أقيس على طريقة عمل الفعل في الفاعل والمفعول، وعمل (إن) في الاسم والخبر، وذلك أن (إن) التي للجزاء هي أوجبت هذا المعنى من الشروط والجواب، فهي أحق بالعمل.
و(إن) هي أم الجزاء، لأن كل ما يجزى به [فقد يجوز فيه الخروج عن الجزاء إلا
[ ٩٣٧ ]
(إن)، مع أنها تضمن كل اسم يجازى به].
وجواب الجزاء بالفعل أو الفاء، ولا يصلح بالواو، ولا ثم، لأن (ثم) تدل على المهلة بين الثاني والأول، والواو للجمع، والذي يوافق معنى الجواب هو الفاء، ويوضح ذلك قول القائل: لم أغث، فيقال له: فقد أتاك الغوث، ولا يصلح في هذا الواو، ولا ثم.
ومن هذا الباب أيضًا مسائل:
وما جواب (إن) في: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾؟ ولم جاز أن تكون (إذا) جوابًا؟
ولم أطلق أن الجواب إنما هو بالفعل أو الفاء؟ وهل ذلك لأنه الأصل في الباب، وإنما تقع (إذا) معاقبة للفاء على جهة الشبه، لأنها لا تكون إلا معلقة بما قبلها؟
وما الفرق بين (قنطوا) في الجواب، وبين ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾؟
وما نظيره من قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ في
[ ٩٣٨ ]
موضع: أم صمتم؟ ولم جاز ﴿أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ في موضع: أم صمتم؟ وهلا كان الأصل أحق به؟ وهل ذلك لأنه أكثر في الفائدة مع دلالته على: أم صمتم، من جهة أنه وقع موقعه، ودل على: إنكم أصمتم صمتًا متقضيا أو منفصلا فالحال واحدة؟
ولم قبح إدخال الفاء على ﴿إِذَا هُمْ﴾ في [هذا] الموضع؟ وهل ذلك لأنها وقعت موقع الفاء على المعاقبة؟ وهل لو كان إدخال الفاء على (إذا) حسنًا، لكان إسقاط الفاء قبيحًا؟
ولم كان الأصل في الذي يعقد الجواب بالأول على الحرف، حتى صارت (إذا) إنما وقعت موقع الحرف؟ وهل ذلك لأن الذي يعقد /١٢٨ أالثاني بالأول إنما هو للحروف كحروف العطف، وغيرها من نحو الاستثناء، وجواب القسم؟
وما حكم: إن تأتني أنا كريم؟ ولم لا يجوز مثل هذا إلا في الضرورة؟ وما في أنه كلام يقوم بنفسه مما يخرجه عن حد الجواب؟ وهل ذلك لأن الجواب يحتاج إلى علامة تؤذن بأنه على معنى الجواب، ولذلك وجب في جواب السؤال أن يكون مطابقًا [له] في الإعراب من قولك: زيدًا، إذا قال: من ضربت؟ و(صالحًا)
[ ٩٣٩ ]
إذا قال: كيف أصبحت؟
وما الشاهد في قول حسان بن ثابت:
من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثلان
ولم جاز حذف الفاء في الضرورة؟ وهل ذلك لأن الجملة وقعت موقع الجواب، فلم يشكل أنه جواب، وإن ضعف فيه البيان، لاقتضائه علامة الجواب؟
وقول الأسدي:
بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها بني ثعل من ينكع العنز ظالم؟
وما حكم: إن تأتني لأفعلن؟ ولم قبح هذا، ولم يقبح: إن أتيتني لأفعلن، ولا:
[ ٩٤٠ ]
إن تأتني إذا أنا أفعل؟ وهل ذلك لأن (لأفعلن) يجيء مبتدأ لم يعمل فيه عامل، وليس كذلك (إذا)، لأنها لا تكون إلا مبنية على عامل، وقبح: إن تأتني لأفعلن، لخروجه عن مشاكلة الثاني للأول مع إمكان ذلك، ولم يلزم مثل ذلك في الجواب بالفاء إذا قلت: إن تأتني فأنت كريم؟
وما حكم: إن أتيتني لأكرمنك، وإن لم تأتني لأغمنك؟ ولم قدره على: لئن أتيتني لأكرمنك، ولئن لم تأتني لأغمنك؟ وهل ذلك لأن اللام تقتضي أن يكون جوابًا لقسم قد تقدم، واللام الأولى خلف من القسم، ولا تكون الثانية خلفًا من القسم، لأنها وقعت موقع الجواب الذي يقتضي تقدم القسم فيه، والمعنى: والله لئن أتيتني لأكرمنك، فاللام الثانية هي الجواب، واللام الأولى مؤذنة بالجواب، ولو تركت لجاز؟
ولم قبح: لئن تفعل لأفعلن؟
ولم قبح: آتيك إن تأتني، ولم /١٢٨ ب يقبح: آتيك إن أتيتني؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ
[ ٩٤١ ]
الْخَاسِرِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؟ ولم كان هذا هو الحسن في الكلام؟
وهل يجوز: إن أتيتني آتيك، على: آتيك إن أتيتني؟ وما الخلاف فيه؟ ولم أجازه سيبويه في الضرورة، ولم يجزه أبو العباس، ولا ابن السراج على هذا الوجه؟
وما الشاهد في قول زهير:
[ ٩٤٢ ]
وإن أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب مالي ولا حرام؟
ولم قبح: إن تأتني آتيك؟
وما الشاهد في قول جرير:
يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن يصرع أخوك تصرع
وما الخلاف فيه؟
[ ٩٤٣ ]
وقول الآخر:
هذا سراقة للقرآن يدرسه والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب؟
ولم قدره على قوله: المرء ذئب إن يلق الرشا، ولم يجزه على هذا الوجه أبو العباس؟
وقول ذي الرمة:
وأني متى أشرف على الجانب الذي به أنت من بين الجوانب ناظر
[ ٩٤٤ ]
أي: وأني ناظر متى أشرف؟
وهل يجوز: إن أتيتني آتك، وإن لم تأتني أجزك؟ ولم جاز مع خروجه عن المشاكلة؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَاَ﴾؟ فلم حسن هذا، وضعف: إن أتيتني آتك؟ وهل ذلك لطول الكلام، مع أن المعنى: من يرد الحياة الدنيا؟
وقول الفرزدق:
دست رسولا بأن القوم إن قدروا عليك يشفوا صدورًا ذات توغير
وقول الأسود بن يعفر:
ألا هل لهذا الدهر من متعلل عن الناس مهما شاء بالناس يفعل؟
[ ٩٤٥ ]
/١٢٩ أوما حكم: إن تأتني فأكرمك؟ ولم لا يجوز بالنصب على الجواب بالفاء؟ ولم لابد أن يكون مبنيًا على مبتدأ، بتقدير: فأنا أكرمك؟
وما الشاهد في: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾؟ وما تقدير المحذوف فيه؟
وما الشاهد في: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾، وفي ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾.
الجواب:
جواب (إن) في: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾، (إذا) على التشبيه بالفاء من جهة أنها لا تكون إلا معلقة بما قبله مع صلاح معناها في هذا الموضع، إذ هو بمنزلة (يقنطوا) على جهة المفاجأة للقنوط، لا عن تقدمة، ولا روية، فقد دلت (إذا) على معنى جواب الجزاء بهذا الوجه المخصوص.
[ ٩٤٦ ]
ولا يصلح أن تجتمع الفاء مع (إذا) في هذا الموضع، لأنها تغني عنها، وقد وقعت موقعها، فلم يصلح مع تقدير المعاقبة فيه في الموقع الواحد أن تجتمع معها، وكل خلف من محذوف فهو على وجهين:
أحدهما: ما يغني عنه على وجه دون وجه، فهذا يصلح أن يجتمع معه على أحد الوجهين.
وخلف آخر يغني عن المحذوف الغنى التام، فلا يصلح أن يجتمع معه، لما في ذلك من الإبهام أنه ليس يغني عنه الغنى التام، ولذلك قال سيبويه: لو كان يصلح ذكر الفاء هاهنا كان حذفها قبيحًا على قياس: إن تأتني أنت كريم، فحذفها هاهنا قبيح، والوجه: إن تأتني فأنت كريم.
ونظير ذلك: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾، فالأصل: أم صمتم، لما تقتضيه المعادلة في: أدعوتم أم صمتم، إلا أنه حسن: ﴿أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾، لأنه أكثر في الفائدة، إذ يدل على: أم صمتم، بوقوعه موقعه، وعلى اتصال ذلك بالحال من جهة صيغة هذا الذي وقع موقعه، فهو نظير ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾، في أنه قد وقع موقع الأصل، لأنه أكثر في الفائدة.
والأصل في الذي يعقد الجواب /١٢٩ ب بالأول أن يكون حرفًا على قياس ذلك في حروف العطف، وجواب القسم، وحرف الاستثناء، وما جرى هذا المجرى، لأن الحروف أدوات يحتاج إليها لغيرها من الكلام، ولذلك كان معناها في
[ ٩٤٧ ]
غيرها، وكل جواب فلابد له من علامة تؤدي معنى الجواب فيه، وإلا كان بمنزلة الابتداء بالإخبار من غير تعليق له بأول الكلام.
وقال حسانٌ بن ثابت:
من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثلان
فهذا ضرورة على حذف الفاء من قوله: فالله يشكرها، وإنما جاز في الضرورة على التشبيه بما يحذف في الكلام مما يكون عليه دليل، فدليله هاهنا وقوعه موقع الجواب، لأنه يفهم منه: يشكرها الله، والتقدير: فالله يشكرها.
وقال الأسدي:
بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها بني ثعل من ينكع العنز ظالم
كأنه قال: فهو ظالم.
وتقول: إن تأتني لأفعلن، فهذا يقبح، لجزم الأول من غير أن يجزم الثاني، مع إمكان المشاكلة بينهما في: إن أتيتني لأفعلن.
وليس منزلة (لأفعلن) كمنزلة: إذا أنا أفعل، لأن (إذا) بمنزلة الفاء في التعليق، و(لأفعلن) يجيء مبتدأ لم يعمل فيه عامل، وليس كذلك: إذا.
[ ٩٤٨ ]
وكذلك يقبح: إن تأتني لأكرمنك، لخروجه عن مشاكلة الثاني فيه الأول، مع إمكان ذلك.
وتقول: إن أتيتني لأكرمنك، فتقديره: لئن أتيتني لأكرمنك، حتى تكون اللام جوابًا للقسم، واللام الأولى خلف من القسم، وإنما اختار هذا التمثيل ليدل على قسم مبهم كدلالة اللام على ذلك.
ولو قلت: والله إن أتيتني لأكرمنك، جاز، وكذلك: والله لئن أتيتني لأكرمنك، على أن اللام الأولى مؤذنة بجواب القسم.
ويقبح: لئن تفعل لأفعلن، لخروجه عن المشاكلة /١٣٠ أالممكنة، وكذلك: آتيك إن تأتني، ويحسن: آتيك إن أتيتني.
وفي التنزيل: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وفيه: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فجاء في الأولى والثانية على المشاكلة.
وتقول: إن أتيتني آتيك، فيجوز على وجهين:
حذف الفاء، بتقدير: فأنا آتيك، فهذا جائز بإجماع.
والوجه الآخر: على التقديم في آتيك إن أتيتني، فهذا يجوز عند سيبويه،
[ ٩٤٩ ]
ولا يجوز عند أبي العباس، وابن السراج، لأن الكلام إذا وقع في موقعه، لم يجز أن ينوى به غير موقعه.
والذي عندي في ذلك أن حذف الفاء أقوى، لتوجهه في مواضع قد جاء في الشعر الفصيح لا يصلح فيه التقديم.
والذي ذكره سيبويه يجوز، لأن الكلام يقتضيه في مثل قوله: والمرء ذئب عند الرشا إن يلقها، وتكون إجازته في الموضع الذي لم يتقدم ما يقتضيه توطئة لهذا الموقع، مع أنه إذا كان لابد من تغيير بحذف أن ينوى في الفعل التقديم، لتستقيم بينة الكلام كما لابد من أن ينوى حذف الفاء، ليستقيم الكلام، ولو استقام من غير حذف، ولا تقديم، لم يجز واحد منهما، فبازى قولهم: «ليس يجوز أن ينوى بالكلام الذي وقع موقعه غير موقعه».
ليس يجوز أيضًا أن ينوى بالكلام حذف حرف منه إذا كان تامًا، فإن قال: ليس بتام إذا احتاج إلى الحرف، قيل له: وليس في موقعه إذا اقتضى الرفع التقديم فيه، ولا هو جواب، وإن دل على معنى الجواب كما يدل: آتيك إن أتيتني.
[ ٩٥٠ ]
وقال زهير:
وإن أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب مالي ولا حرم
أي: ويقول إن أتاه خليل يوم مسألة.
وقال جرير:
يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن يصرع أخوك تصرع
/١٣٠ ب أي: إنك تصرع إن يصرع أخوك.
وقال الآخر:
هذا سراقة للقرآن يدرسه والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب
أي: والمرء ذئب عند الرشا.
وقال ذو الرمة:
وأني متى أشرف على الجانب الذي به أنت من بين الجوانب ناظر
أي: فأنا ناظر، وإن شئت: وأني ناظر متى أشرف.
وتقول: أن أتيتني آتك، وإن لم تأتني أجزك، فهذا يضعف قليلًا، لخروجه عن
[ ٩٥١ ]
المشاكلة، إلا أنه أقوى من جزم الأول، ورفع الثاني، ومن ترك جزمه في: إن تأتني آتيك، وإن تأتني لآتينك من قبل أن جزم الثاني يحمل فيه على تأويل الأول، إذ تأويله الجزم، ولفظه على غير الجزم، وليس كذلك إذا لم يجزم الثاني، وجزم الأول، لأنه ليس له تأويل يحمل عليه غير لفظه، ونظيره: يا زيد والحارث،
والحارث، النصب على التأويل، والرفع على اللفظ، فأما: يا عبد الله والحارث، فليس فيه إلا النصب، لأنه ليس له تأويل يحمل عليه.
وفي التنزيل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾، وهذا حسن، لحمله على التأويل مع طول الكلام الذي لا يقتضي المشاكلة كما يقتضيه إذا قرب وتقابل.
وقال الفرزدق:
دست رسولًا بأن القوم إن قدروا عليك يشفوا صدورًا ذات توغير
فهذا لحمل الثاني على التأويل.
وكذلك قول الأسود بن يعفر:
[ ٩٥٢ ]
ألا هل لهذا الدهر من متعلل عن الناس مهما شاء بالناس يفعل
فهذا على ذلك القياس، إلا أن الكلام لم يطل فيه.
وتقول: إن تأتني فأكرمك، ولا يجوز بالنصب على الجواب بالفاء، لأن الفاء في الجزاء وصلة إلى الجواب بالابتداء والخبر، فلابد من الرفع، لأن المبتدأ مقدر قبل الفعل، ولو كان المعنى على الجواب /١٣٣ أبالفعل لاستغني عن الفاء.
وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾، وتقديره: فهو ينتقم الله منه، وفيه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [على: فأنا أمتعه قليلا]، وفيه: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾، [أي: فهو لا يخاف بخسًا ولا رهقًا].
[ ٩٥٣ ]