الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الحروف التي لها جواب كجواب الأمر مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الحروف التي لها جواب كجواب الأمر؟ وما الذي لا يجوز؟
ولم ذلك؟
ولم لا يجوز الجواب بالجزم إلا لما ليس بواجب؟
وما حكم: حسبك، وكفيك، وشرعك؟
ولم جاز: حسبك ينم الناس؟
ولم جاز: اتقى الله امرؤ وفعل خيرًا يثب عليه؟ ومن أين دخله معنى الأمر؟
وهل ذلك لأن الحكمة تدعو إليه؟
[ ١٠٤٤ ]
ولم لا يجوز: أحسن زيد وفعل خيرًا يثب عليه، كما جاز في الأول؟ وهل ذلك لأن التقوى أجمع لخصال الخير؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؟ وما وجه الجزم؟ وما وجه القراءة بالنصب؟ ولم حمل الجزم على قول زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئًا إذا كان جائيًا؟
وهل ذلك لأنه محمول على تقدير، إلا أن بيت زهير على تقدير متوهم لم يقع فيه عامل لفظ، ولا موضع، والآية على تقدير متحقق قد وقع فيه عامل موضع، كقولك: لولا أخرتني إلى أجل قريب أصدق وأكن من الصالحين، فهو في الآية قوي حسن، وفي البيت ضعيف، لهذه العلة، وإنما وجه الاستشهاد على أنه إذا جاز في المتوهم، فهو في المتحقق من /١٥٠ ب التقدير أجوز، ولولا ذلك القبح هذا الاستشهاد؟
وما الشاهد في قول عمرو بن عمار الطائي:
[ ١٠٤٥ ]
فقلت له صوب ولا تجهدنه فيدنك من أخرى القطاة فتزلق
فلم جاز الجزم في: فيدنك؟ وهل ذلك لأنه عطف على النهي، كأنه قال: لا يدنك من أخرى القطاة، والنهي في الحقيقة للمخاطب، وهو في مخرج اللفظ للغائب، والمعنى: لا تتعرض لإدنائه. فأما: لا تمددها فتشققها، فهو عطف على النهي، وهو نهي للمخاطب في المعنى واللفظ؟
وما نظير البيت من قولهم: لا يرينك هاهنا، ولا أرينك هاهنا؟ ولم جاز مثل هذا؟ وهل ذلك لأن التعرض للرؤية منعقد بها، فصار ذكرها دليلًا على ما انعقد بها كما يدل حضور أحد المصطحبين على الآخر إذا كثرت صحبته له؟
وهل يجوز: آتي الأمير لا يقطع اللص؟ ولم لا يجوز؟ وهل ذلك لأن: آتي الأمير، واجب، ولو كان على صيغة الخبر في معنى الأمر لجاز؟
وما حكم: ما أنت منطلقًا أنطلق معك؟ ولم لا يجوز بالجزم في الجواب؟ وهل ذلك لأنه بمعنى: لأن كنت منطلقًا أنطلق معك، فالعلة واجبة، ولا يجازى
[ ١٠٤٦ ]
بـ (أن)، لأنها موصولة على معنى الاسم؟
وما حكم قولهم: ما تدوم لي أدوم لك؟ ولم لا يجوز: ما تدوم لي أدم لك؟ وهل ذلك لأن الاسم الموصول لا يجازى به، لأن المطلوب في الجزاء الإبهام حتى يصح أن يقع موقع (إن) التي ليست بموصولة، وتقديره: أدوم لك دوامك لي؟
ولم لا يجوز: ما تدوم لي؟ على الاستفهام؟ وهل ذلك لأن الاستفهام لا يوصل، إذ البيان من المجيب في المائية؟
وهل يجوز: ما تدوم لي، غير الصلة؟ ولم لا يجوز في (ما) كما جاز في: كم؟ وهل ذلك لأن الدوام لا يتنوع، ويتجزأ، فكم تصلح فيه، ولا تصلح فيه (ما) كما تصلح في: ما /١٥١ أتقول؟ لأن القول يتنوع، فهو بمنزلة: أي قول تقول؟
وهل يجوز: ما تدم لي أدم لك؟ ولم صار بمنزلة الاستفهام في أنه لا يتنوع؟
[ ١٠٤٧ ]
وهل يجوز: كلما تأتيني آتك، بالجزم، كما جاز أن يجاب بالفاء؟ ولم لا يجوز ذلك؟
ولم جاز: الذي يأتيني فله درهمان، بالفاء؟ ولم صارت الفاء أوسع في الجواب من الجزم؟ وهل ذلك لأنها تكون جوابًا لما قطع به كالنفي، وما لم يقطع به كالأمر؟
وما الفرق بين: الذي يأتيني له درهما، وبين: الذي يأتيني فله درهمان؟
ولم جاز: كل رجل يأتينا فله درهما، ولم يجز: كل رجل فله درهما؟
وما الشاهد في: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وفي: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾؟
[ ١٠٤٨ ]
وأين الجواب في: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، وفي: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾، وفي: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾؟ ولم جاز حذف الجواب في هذا؟ ولم وجب أنه أبلغ؟ وما تقديره؟
وما الشاهد في قول الشماخ:
ودوية قفر تمشي نعامها كمشي النصارى في خفاف اليرندج؟
[ ١٠٤٩ ]
وما جواب الواو التي بمعنى: رب؟ وما الخلاف فيه؟ ولم ذهب الخليل إلى أنه محذوف، وذهب أبو العباس إلى أن جوابه في البيت الذي يليه من قوله:
قطعت إلى معروفها منكراتها وقد خب آل الأمعز المتوهج؟
وما وجه ذلك؟
الجواب:
الذي يجوز في الحروف التي لها جواب كجواب الأمر إجراؤها على الخبر الذي فيه معنى الأمر في الجواب بالجزم.
ولا يجوز إذا لم يكن في الخبر معنى الأمر الجواب بالجزم، لأن الخبر واجب ولا يكون الجواب بالجزم /١٥١ ب في الواجب، لأن أصل هذا الباب للشرط والجواب، وليس بواجب على الإطلاق، لأنه يجوز أن لا يقع أصلًا بأن لا يقع شرط، فلهذه العلة لم يجز في الخبر لمحض الجواب بالجزم.
[ ١٠٥٠ ]
وتقول: حسبك ينم الناس، لأن في قولك: حسبك، معنى: اكتف.
وتقول: اتقى الله امرؤ وفعل خيرًا يثب عليه، لأن فيه معنى: ليتق الله امرؤ، وإنما دخله هذا المعنى، لأن الحكمة تدعو إلى تقوى الله بأوكد الدعء، لأنها تجمع الخير للمتقي.
ولا يجوز على هذا: أحسن زيد وفعل خيرًا يثب عليه، لأنه قد يحسن في أمر ويسيء في آخر في وقت واحد، فلا يجب الثواب، والتقوى تجمع الخيرات للمتقي.
وفي التنزيل: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، فهذا عطف على موضع الفاء، كأنه قيل: لولا أخرتني إلى أجلٍ قريب أصدق وأكن من الصالحين،
وهو نظير:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
في العطف على الموضع
[ ١٠٥١ ]
فأما قول زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئًا إذا كان جائيًا
فهو بمنزلة هذا في التقدير من غير إفصاح بالمعطوف عليه، إلا أن قول زهير حمل على متوهم، لأنه ليس بعطف على لفظ، ولا موضع، ولكن على توهم ذكر شيء لم يذكر، وليس كذلك الآية، لأنها حمل على متحقق، وهو العطف على الموضع، إذ موضع الفاء جزم قد عمل فيه العامل، [كما أن موضع (بالجبال) نصب قد عمل فيه العامل]، ولكن وجه الاستشهاد [به] على أنه إذا جاز في التقدير المتوهم، فهو في التقدير المتحقق أجوز.
وأما من قرأ: ﴿وَأَكُونْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، فهو عطف على اللفظ في ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾.
وقال عمرو بن عمار الطائي:
/١٥٢ أفقلت له صوب ولا تجهدنه فيدنك من أخرى القطاة فتزلق
فهذا ليس بجواب، وإنما هو عطف على النهي، كأنه قال: لا يدنك من أخرى القطاة، فالنهي في الحقيقة للمخاطب، وفي مجرى اللفظ للغائب، والمعنى لا تتعرض لإدنائه، وذلك أنه لما كان التعرض للشيء منعقدًا به انعقادًا ظاهرًا، جاز
[ ١٠٥٢ ]
أن يذكر أحدهما ويدل به على الآخر.
ونظير ذلك: لا يرينك هاهنا، ولا أرينك هاهنا، وفي التنزيل: ﴿ولا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
ولا يجوز: آتي الأمير لا يقطع اللص، لأنه واجب، ولا يكون الجواب بالجزم للواجب أصلًا، ولو كان فيه معنى الأمر لجاز الجزم.
وتقول: أما أنت منطلقًا أنطلق معك، ولا يجوز (أنطلق) بالجزم، لأن (أن) لا يجازى بها، من أجل أنها موصولة بمعنى الاسم، والمعنى: لأن كنت منطلقًا أنطلق معك، فقد دلت على الواجب، والجواب بالجزم لا يكون بالواجب، لأنه يدل على تعليق الفعل كتعليقه في الشرط.
وتقول: ما تدوم لي أدوم لك، ولا يجوز: ما تدوم لي أدم لك، على الواجب بالجزم [من قبل أن (ما) موصولة، وكل موصول فهو يمتنع من الجواب بالجزم]،
[ ١٠٥٣ ]
لأن (إن) التي هي أم حروف الجزاء ليس له صلة، إذ الصلة إنما تكون لما هو مع ما قبله بمنزلة الاسم الواحد، فأما الأسماء التي يجازى بها فلا يجوز أن توصل، لأنه يجب أن تبهم إبهام (إن) حتى يصلح أن تتضمن معنى (إن)، وكذلك لا توصل في الاستفهام لمثل هذه العلة من الإبهام كإبهام ألف الاستفهام، فإذا وصلت أخرجتها الصلة إلى معنى (الذي)، وبطل الاستفهام والجزاء.
ولا يجوز: ما تدوم؟ على الاستفهام، لأن تقديره تقدير: ما تقول؟ فإنما يسأل عن نوع من أنواع القول، كأنه قيل: أي شيء تقول؟ فهذا يصح في القول، لأنه يتنوع، ولا يصح في: تدوم، لأنه لا يتنوع، فلا يسأل عنه بالفعل /١٥٢ ب على هذه الجهة، ولكن يجوز: كم تدوم؟ لأنه يقتضي تجزئة، والتجزئية صحيحة في: تدوم، وهو خلاف معنى التنويع، [لأن التنويع] لا يكون إلا مع اختلاف المعاني التي قد جمعها معنى واحد، ولكن يجوز: ما الدوام؟ لأن هذا لا يقتضي تنويعًا، وإنما يقتضي بيانًا كالبيان بالدوام.
ولا يجوز: ما تدم أدم، لمثل هذه العلة، ويجوز: ما تقل أقل، كأنك قلت: أي شيء تقل أقل، ولا معنى لقولك: أي شيء تدم أدم، لأنه لا يتنوع.
وتقول: كلما تأتيني آتيك، ولا يجوز (آتك) بالجزم، لأن (ما) موصولة في هذا الكلام.
وتقول: الذي يأتيني فله درهما، فتدخل الفاء على شبه الجزاء في تقدم الفعل
[ ١٠٥٤ ]
واقتضاء مبني على ما اتصل.
والفرق بينه وبين الفاء وغير الفاء أنه بالفاء يوجب أن الثاني من أجل الأول، وليس كذلك بغير الفاء.
والفاء أوسع في الجواب من الجواب بالجزم، لأنها تكون في النفي الذي يقطع به، ولا يكون الجزم إلا في تعليق الأول، ويجتمعان [في] أنهما في غير الواجب.
وفي التنزيل: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، والجواب محذوف فيه، لأنه معلوم إذا ذكر مثل هذا ما يتبعه من السرور والخلود [في النعيم، والفوز ببلوغ المأمول، وما جرى هذا المجرى].
والحذف أبلغ، لأنه أوجز، مع ذهاب الوهم فيه كل مذهب مما يصلح أن يتبع
[ ١٠٥٥ ]
هذا المعنى، وعلى هذا يحسن حذف الجواب، وهو في القرآن كثير، ففي ضد هذا المعنى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾، فمعلوم ما يتبعه من الغم، والكآبة، والندم، والحسرة، والتألم لما فات استدراكه مما يصعب مثل ذلك العذاب، فهذا يكون ما يتبع المعنى من ضروب النعيم، أو العذاب بحسب مقتضاه في فهم العاقل المتدبر له.
وأما قول الشماخ:
ودوية قفر تمشي نعامها كمشي النصارى في خفاف اليرندج
/١٥٣ أفذهب الخليل إلى أن جواب (رب) محذوف، وذهب أبو العباس إلى أن جوابه مذكور بعد هذا البيت في قوله:
قطعت إلى معروفه منكراتها وقد خب آل الأمعز المتوهج
ووجد هذا على أنه سمعه الخليل ممن روى عنه [على أنه آخر القصيدة، وسمعه غيره
[ ١٠٥٦ ]
ممن روى عنه] أبو العباس على أن بعده هذا البيت، فهذا وجه الخلاف بينهما في مثل هذا.
[ ١٠٥٧ ]