الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الحروف التي يمتنع بعدها الجزاء وليست عاملة، مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الحروف التي يمتنع بعدها الجزاء مع أنها ليست عاملة؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز امتناع الجزاء بعد كل حرف يطلب الاسم؟ وهل ذلك لأنه قد يكون بمنزلة الابتداء في طلب الاسم، ولا يمتنع فيه حرف الجزاء؟
ولم وجب أن كل موضع تمتنع منه (إن) التي للجزاء فإنه تمتنع منه الأسماء التي يجازى بها؟
ولم امتنعت (إن) بعد: إذ، وإذا؟ وهل ذلك لأنها تطلب الإضافة إلى ما يبينها، لشدة إبهامها، و(إن) تعلق الكلام تعليقًا يخرجه من أن يبين بيان المضاف إليه؟ .
[ ٩٧٢ ]
ولم امتنعت (إن) بعد: ما؟ وهل ذلك لأن لها صدر الكلام كما للعامل، مع شبهها بليس التي لا تصلح بعدها: إن؟
وما حكم: أتذكر إذ من يأتينا نأتيه، وما من يأتينا نأتيه، وما من يأتينا فنحن نأتيه؟
ولم صارت (إذ) في هذا بمنزلة (إن) وعوامل الأسماء؟ وهل ذلك لأنها تطلب ما هو للبيان كما تطلب عوامل الأسماء، لأن المضاف إليه إنما يذكر للبيان، وقد نقص بيان (إن) عن منزلة الفعل المطلق، فقبح في هذا الموضع؟
ولم جاز في الشعر أن يجازى بعد هذه الحروف، فتقول: أتذكر إذ من يأتنا نأته؟ وهل ذلك لأنها غير عاملة؟
[ ٩٧٣ ]
وما الشاهد في قول لبيد:
على حين من تلبث عليه ذنوبه يرث شربه إذ في المقام تدابر
وهل يجوز: أتذكر إذ إن تأتنا نأتك، في الشعر؟ ولم جاز؟
وما حكم: أتذكر /١٣٥ ب إذ نحن من يأتنا نأته؟ ولم حسن الجزاء بعد (نحن)، ولم يحسن بعد: حين، ولا بعد: إذ؟ وما نظير ذلك من فضل (نحن) بين: إذ، ومن، كما فصل الاسم بين: كان، ومن؟
وما حكم: مررت به فإذا من يأتيه يعطيه؟ ولم جاز بالجزم في الكلام مع (إذا) التي للمفاجأة، ولم يجز مع (إذا) التي لغير المفاجأة؟
وما حكم: لا من يأتك تعطه، ولا من يعطك تأته؟ ولم جاز الجزاء بعد: لا، ولم يجز بعد: ما؟ وهل ذلك لأن (لا) تقع في حشو الكلام، فلا تمنع العامل أن
[ ٩٧٤ ]
يعمل فيما بعدها، حتى كأنها ليست في الكلام، فلم تمنع هاهنا كما لم تمنع هناك؟
وما الشاهد في قول ابن مقبل:
وقدر ككف القرد لا مستعيرها يعار ولا من يأتها يتدسم
وهل يجوز: لا إن أتيناك أعطيتنا، ولا إن قعدنا عنك عرضت علينا
وما حكم: ما أنا ببخيل ولكن إن تأتني أعطك؟ ولم حسن الجزاء هاهنا؟
وهل ذلك لأنه موضع ابتداء من غير مانع كإذا التي للمفاجأة؟
وما الشاهد في قول طرفة:
ولست بحلال التلاع مخافة ولكن متى يسترفد القوم أرفد
[ ٩٧٥ ]
ولم حمله على الإضمار، بتقدير: ولكن أنا متى يسترفد القوم أرفد، وكذلك حمل (إذا) التي للمفاجأة كقولك: مررت برجل توهمته بخيلًا فإذا رجل كريم، أي: وإذا هو؟ وهل ذلك ليجمع بينه وبين الاسم في العوامل من نحو: إن، وأخواتها؟
وما الشاهد في قول العجير:
وما ذاك أن كان ابن عمي ولا أخي ولكن متى ما أملك الضر أنفع؟
ولم أرفع (أنفع) مع الجزم في: أملك؟ ولم جاز رفع (أملك) مع امتناع الصلة؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ﴾؟ ولم جاز الجزاء بعد: أما؟ وما جواب: إن؟ ولم حمل الفاء
[ ٩٧٦ ]
/١٣٦ أعلى أنها جواب: أما، وجاز ترك جواب: إن، لأنه لم يجزم بها، كقولك: أنت ظالم إن فعلت؟ ولم حمله الأخفش على أنه جواب لهما جميعًا، ولم يجز ذلك إذا جزم، من جهة أنه لا يخلص الجواب بالجزء، هو مع الجزم يقتضي جوابًا مخلصًا، لأنه في موضع الفعل المجزوم؟
ولم خالف في هذا الباب أبو العباس، والزيادي فأجازا فيه الجزاء؟
[الجواب]:
الذي يجوز في الحروف الذي يمتنع بعدها الجزاء إجراؤها على امتناع الاسم الذي يجازى به كامتناع (إن) التي للجزاء، لأن تقديرها أن تكون (إن) معها، فإذا حذفت فهي على ذلك التقدير.
ولا يجوز امتناع الجزاء بعد كل حرف يطلب الاسم، لأنه قد يكون منها ما هو
[ ٩٧٧ ]
نظير الابتداء في طلب الاسم، ويصلح أن يقع بعده: إن.
والحروف التي يمتنع بعدها الجزاء في هذا الباب على وجهين:
أحدهما: ما يطلب البيان بالإضافة، فلا يصلح فيه الجزاء، لأنه مبهم، في أقصى مراتب الإبهام، فلما كان الأصل في المضاف إليه إنما هو بما يذكر للبيان، وهو الاسم ثم جاز أن يقع موقع الاسم الفعل الواجب على الإضافة اللفظية، فاحتمل ذلك، لما في الواجب من البيان، وإن كان في الأصل إنما يذكر للفائدة، وفيه طرف من البيان، احتمل ذلك، لهذه العلة، فلما جاءت (إن) التي للجزاء، باعدته عن البيان إلى الإبهام لتعليق الفعل في الكلام، فلم يحتمل أن يقع هذا الموقع، لخروجه إلى الإبهام في موضع يطلب البيان، وذلك في: إذا، وإذا، وحين.
والقسم الآخر: (ما) النافية، لأن لها صدر الكلام كما للعامل، وهي تشبه (ليس) في أنها نفي ما في الحال، فامتنع حرف الجزاء منها كما يمتنع في:
[ ٩٧٨ ]
ليس.
وتقول: أتذكر إذ من يأتينا نأتيه، وما من يأتينا فنحن نأتيه، فتجري (من) بمعنى: الذي، لامتناع الجزاء في هذا الموضع.
ويجوز في الشعر أن يجازى /١٣٦ ب بعد هذه الحروف، كقولك: أتذكر إذ من يأتنا نأته، لأنها غير عاملة، وهي مشبهة للموصول في طلب ما هو للبيان، إلا أن الموصول يطلب البيان بالجمل، والمضاف يطلب البيان بالمفرد الذي هو في الأصل الذي يقتضيه الحرف، ولم يجز في هذا أن يخرج إلى المرتبة الثالثة، لتباعده مما هو حق الكلام.
[ ٩٧٩ ]
وقال لبيد:
على حين من تلبث عليه ذنوبه يرث شربه إذ في المقام تدابر
فجازى بعد (حين) في الشعر، وقياسها قياس (إذ) في طلب البيان بالإضافة.
ويجوز: أتذكر إذ إن تأتنا نأتك، في الشعر، لأن قيس (إن) في هذا كقياس الأسماء التي يجازى بها.
وتقول: أتذكر إذ نحن من يأتنا نأته، فهذا يحسن فيه الجزاء بعد (نحن)، لأنه لا يطلب البيان بالإضافة كما يطلبه: حين، وإذ، وقد فصل بين: إذ، ومن، كما يفصل الاسم بين: من، وإن، في قولك: إنه من يأتنا نأته.
وتقول: مررت به فإذا من يأتيه يعطيه، ويجوز في هذا الجزاء إذا كانت (إذا) للمفاجأة، لأنها نظيرة (نحن) في أنها لا تطلب البيان بالإضافة، فليس فيها مانع من حرف الجزاء، وسيبويه يقدر بعدها مبتدأ، كقولك: مررت برجل فإذا زيد، أي: فإذا هو زيد، وليس قياس (إذا) التي للمفاجأة كقياس (إذا) التي تقتضي الإضافة، لما بينا من أنه ليس في هذه مانع من الجزاء كما في تلك.
وقال ابن مقبل:
وقدر ككف القرد لا مستعيرها يعار ولا من يأتها يتدسم
[ ٩٨٠ ]
فجازى بعد (لا) من أجل أنها تقع في حشو الكلام، فلا تمنع العامل أن يعمل فيما بعدها، حتى كأنها ليست في الكلام، فلما لم تمنع الجار، لم تمنع الجازم، لأن قياسهما سواء، وليست بمنزلة (ما)، لما بينا من حكم: ما.
وتقول: لا / ١٣٧ أإن أتيناك أعطيناك، ولا إن قعدنا عنك عرضت علينا.
وقال طرفة بن العبد:
ولست بحلال التلاع مخافة ولكن متى يسترفد القوام أرفد
فجازى: بمتى بعد: لكن، وقدره سيبويه على حذف الاسم، كأنه قال: ولكن أنا متى يسترفد، على القياس الذي تقدم ذكره في عوامل الأسماء، ولو أجاز ذلك، لأنه لا مانع في (لكن) لحرف الجزاء، لكان صوابا.
وقال العجير:
وماذاك أن كان ابن عمي ولا أخي ولكن متى ما أملك الضر أنفع
[ ٩٨١ ]
والقوافي مرفوعة، فجزم (أملك) كما جزم طرفة، ورفع (أنفع) على حذف الفاء، أي: فأنا أنفع، ويجوز: ولكن أنفع متى أملك الضر.
ويجوز في (أملك) الرفع على إلغاء (ما)، كأنه قال: ولكن أنفع متى أملك الضر، وتكون (متى) على طريقة [الاستفهام]، وموضع (متى) نصب بأملك.
وفي التنزيل: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، فوقع الجزاء بعد (أما)، وإن كانت تطلب الاسم، لأنه بمنزلة الابتداء الذي يطلب الاسم، ولا يمنع من حرف الجزاء.
وأما الجواب بالفاء، فهو لأما، وجواب الجزاء مدلول عليه لم يذكر، عند سيبويه.
والأخفش يذهب إلى أن الفاء في هذا جواب (أما)، والجزاء جميعًا، لأنه قد
[ ٩٨٢ ]
انعقد بهما في المعنى من غير مانع أن يكون لهما، ولا يجيز إذا جزم الفعل بحرف الجزاء أن يكون الجواب لهما، لأنه يجب في حال الجزم أن يخلص للجزاء، إذ موقعه موقع الفعل المجزوم في حال جزم الشرط.
والأولى مذهب سيبويه لأنه أقيس على الأصول، إذ كان إذا اجتمع القسم والجزاء، كان الجواب للقسم دالًا على جواب الجزاء، كقولك: والله إن أتيتني لأكرمنك، فكذلك (أما)، لأنها وقعت في صدر الكلام كما يقع القسم.
وخالف في هذا الباب أبو العباس، والزيادي، فأجازا الجزاء فيه بعد الأحرف التي منع منها سيبويه الجزاء.
والصواب /١٣٧ ب مذهب سيبويه، للعلل التي بينا، وإنما تعقلوا في ذلك بأنها غير عاملة يصلح بعدها الاسم والفعل، فهي كالابتداء بالكلام الذي يصلح فيه الاسم والفعل، فإذا صلحا جميعًا، صلح حرف الجزاء، والعلل التي بينا تسقط [هذا] مع أنه يلزم من أجاز ذلك أن يجيزه في أسماء الزمان المتمكنة كلها، لأنها
[ ٩٨٣ ]
تضاف إلى الفعل والاسم، فيجيء من هذا أن تقول: هذا يوم إن تأتنا نأتك، وهذه ليلة إن تزرنا نزرك، وهذا كلام قبيح، لا يتكلم به، وهو على قياس ما أجازوه في: إذ، وإذا.
[ ٩٨٤ ]