الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الواو من الصرف والعطف مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
/١١٦ أما الذي يجوز في الواو من الصرف والعطف؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز أن تنصب بإضمار (أن) إلا في معنى الجمع؟
وما الفرق بين الإشراك والجمع؟ وهل ذلك لأن الشيئين قد يشتركان في معنى، وإن لم يجتمعا في أنفسهما أو في معنى آخر؟
ولم لا تنصب بإضمار (أن) إلا في غير الواجب مع أنها لا تكون جوابًا؟
وما الواو التي بمعنى العطف؟ وما الواو التي بمعنى الصرف؟
وما الموضع الذي لا يصلح فيه الإشراك؟ وما الموضع الذي تكون فيه الواو منقطعة
[ ٨٨٢ ]
من الأول؟ وما الموضع الذي تكون فيه في جملة واحدة؟
وما الوجه الذي تجتمع به مع الفاء؟ وما الوجه الذي تنفرد به عن الفاء؟
وما الشاهد في قول الأخطل:
لاتنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم؟
ولم وجب أن الفاء لو دخلت في هذا لأفسدت المعنى؟ وهل ذلك أنها توجب أن النهي عن خلق سبب لإتيان مثله، وهذا لا يكون، وبالواو صحيح على معنى:
[ ٨٨٣ ]
لا تجمع النهي عن خلق وإتيان مثله؟
وما حكم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن؟ وما الفرق بينه وبين: لا تأكل السمك وتشرب اللبن؟ ولم وجب أن الفاء لو دخلت في هذا فسد المعنى؟
وما الشاهد في قول جرير:
ولا تشتم المولى وتبلغ أذاته فإنك إن تفعل تسفه وتجهل؟
[ ٨٨٤ ]
وهل يجوز في مثل هذا النصب؟ ولم كان الأجود الجزم؟
وما الشاهد في قول الخطيئة:
أم أك جاركم ويكون بيني وبينكم المودة والإخاء؟
وهل يجوز في مثل هذا الجزم؟ ولم صار النصب أبلغ في مثل هذا؟
وما الشاهد في قول دريد بن الصمة:
قتلت بعبد الله خير لداته ذؤابا فلم أفخر بذاك وأجزعا
[ ٨٨٥ ]
/١١٦ ب وهل يجوز في هذا الجزم؟ ولم صار النصب أحسن؟
وما حكم: لا يسعني شيء ويعجز عنك؟ وهل يجوز في هذا الرفع؟ ولم لا يجوز؟ وهل يجوز في موضع الواو هاهنا الفاء؟ ولم جاز؟
وما حكم: ائتني وآتيك؟ وهل يجوز هاهنا العطف؟ ولم لا يجوز عطف أمر على أمر؟ وهل ذلك لأنه لا يكون للفعل المعرب عامل؟ ولم لابد في العطف من إدخال اللام في: ائتني ولآتك؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.
وهل يجوز: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ على قراءة الحسن؟ وما الفرق بينهما؟
ولم كان الوجه النصب؟
وما الشاهد في قوله جل وعز ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؟ وهل يجوز أن يكون على
[ ٨٨٦ ]
الجزم؟ وما الفرق بينهما؟
وما الشاهد في قوله جل وعز ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؟ ولم كان الرفع على وجهين: بالعطف والدخول في التمني، والقطع بالخروج عنه إلى الإيجاب على الضمان وأن لا
يكذبوا بآيات ربهم؟ وما نظيره من: دعني ولا أعود، أي: فإني ممن لا يعود أصلًا تركت أو لم أترك؟ وهل يجوز في مثل هذا النصب على الصرف؟ وما الفرق بينه وبين الرفع، وكلاهما داخل في التمني؟ ولم اختار النصب ابن أبي إسحاق؟
ولم جاز: زرني وأزورك، بالرفع والنصب، ولم يجز بالجزم؟
وما الشاهد في قول الأعشى:
[ ٨٨٧ ]
فقلت ادعي وأدعو إن أندى لصوت أن ينادي داعيان؟
وهل يجوز ما روي من:
فقلت ادعي وأدع فإن أندى لصوت أن ينادي داعيان
على حذف اللام، وعلى حذف الواو للضرورة؟ ولم قبح الوجهان وحسن النصب؟
وما الشاهد في قول الشاعر:
[ ٨٨٨ ]
للبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف؟
/١١٧ أولم لابد من نصب (تقر) في هذا، وهلا قطعه عن العطف؟ وهل يمتنع ذلك لأن الكلام لم يتم، إذ (أحب) هو الخبر؟
وما الشاهد في قول كعب الغنوي:
[ ٨٨٩ ]
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ويغضب منه صاحبي بقؤول؟
فلم نصب: يغضب؟ وهل [هو] محمول على (للشيء)، كأنه قال: ولا يغضب منه صاحبي بقؤول؟ وهل هو نظير:
للبس عباءة
في الحمل على الاسم بإضمار: أن؟ وهل يجوز فيه الرفع على أن يكون داخلًا في صلة (الذي) بمعنى: الذي يغضب منه صاحبه بقؤول؟ وعلام يعطف الواو في هذا؟
وما الشاهد (في قول) قيس بن زهير بن جذيمة:
فلا يدعني قومي صريحًا لحرة لئن كنت مقتولًا وتسلم عامر؟
[ ٨٩٠ ]
الجواب:
الذي يجوز في الواو من الصرف والعطف إجراؤها إذا كانت بمعنى الإشراك في موجب العامل العطف، وإذا كانت على معنى الجمع من غير موجب العامل الصرف، لأنها خرجت إلى هذا الجمع على جهة التفريع الذي يشاكل الأصل، فخرجت إلى الصرف، لأنه حمل الكلام على تأويل (أن) كما حمل على الجمع الذي يشاكل الأصل.
ولا يجوز النصب فيها على إضمار أن إلا في غير الواجب، لأنه الفرع الذي خرجت إليه كما خرجت الفاء، فأضمر بعدها: أن وحمل الكلام على التأويل.
والفرق بين الإشراك والجمع أن الإشراك جمع في موجب العامل خاصة، والجمع جمع فيما لا يوجبه العامل المذكور.
والواو التي بمعنى العطف هي التي توجب [الإشراك في معنى العامل، والواو التي بمعنى الصرف هي التي توجب] الجمع في غير معنى العامل المذكور.
[ ٨٩١ ]
والموضع الذي لا يصلح فيه الإشراك بالواو هو الموضع الذي يقتضي فساد ذلك في اللفظ أو المعنى /١١٧ ب كعطف الأمر بالمضارع على الأمر بالمبني كقولك: ائتني وأحدثك، فهذا لا يجوز فيه العطف، والذي يفسد من جهة المعنى كقولك: لا يسعني شيء ويعجز عنك، بالرفع.
والموضع الذي تكون الواو فيه منقطعة عن الأول هو عطف جملة على جملة، والموضع الذي تكون به في جملة واحدة عطف مفرد على مفرد.
والوجه الذي تجتمع به مع الفاء الإشراك في موجب العامل، وجواز الصرف بإضمار: أن، والاستئناف على القطع عن الأول.
والوجه الذي تنفرد به امتناع الترتيب، وأنها لا تكون جوابًا كما تكون الفاء.
وقال الأخطل:
لاتنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
فمثل هذا لا يجوز بالجزم عطفا على الأول، ولا يجوز الفاء، لأنه يجعل النهي عن خلق سببًا لإتيان مثله.
[ ٨٩٢ ]
وتقول: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فهذا نهي عن الجمع، ولو كان: وتشرب اللبن، لكان قد نهاه عن كل واحد منهما.
وقال جرير:
ولا تشتم المولى وتبلغ أذاته فإنك إن تفعل تسفه وتجهل
والأجود في مثل هذا الجزم، لأنه ينهاه عن كل واحد منهما.
وقال الحطيئة:
أم أك جاركم ويكون بيني وبينكم المودة والإخاء
والأبلغ في مثل هذا النصب، لأنه يذكر بجوار منعقد بإخاء.
وقال دريد بن الصمة:
قتلت بعبد الله خير لداته ذؤابا فلم أفخر بذاتك وأجزعا
فالأحسن في هذا النصب على [معنى] أنه لم يجتمع الفخر مع الجزع، لأنه قد فخر حيث قال:
قتلت بعبد الله خير لداته
فهو أبعد من المناقضة.
وتقول: لا يسعني شيء ويعجز عنك، فلا يجوز في مثل هذا إلا النصب، ولكن
[ ٨٩٣ ]
يجوز بالفاء على أن الأول سبب للثاني.
وتقول: ائتني وآتيك، ويجوز بالنصب، وبالرفع /١١٨ أعلى الاستئناف، ولا يجوز بالجزم، لأنه ليس هناك عامل يعطف عليه.
وفي التنزيل: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.
بالنصب على الصرف، وقد قرئ: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾، والنصب على: لما يجتمع الجهاد مع الصبر، فهو حيث عليه على هذا الوجه، فأما الجزم فعلى الحث على الجهاد، وعلى الصبر، وكلا الوجهين حسن، والأول أبين.
وفي التنزيل: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فهذا يصلح فيه العطف على معنى النهي، ويصلح فيه النصب على الصرف، وكلا الوجهين حسن.
وفي التنزيل: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والرفع فيه على وجهين: العطف على الأول فيدخل في التمني، ويجوز الاستئناف على ضمان ألا يكذبوا بآيات ربهم، كما تقول: دعني ولا أعود.
وقرأ ابن أبي إسحاق: ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ نصبًا على: التمني أن يجتمع لهم الرد مع ترك التكذيب وكون الإيمان.
[ ٨٩٤ ]
وتقول: زرني وأزورك، بالرفع، وإن شئت نصبت على الصرف.
وقال الأعشى:
فقلت ادعي وأدعو إن أندى لصوت أن ينادي داعيان
فهذه الرواية الجيدة، وقد روي:
أدع فإن أندى
وهذا يجوز في الضرورة على وجهين: حذف لام الأمر، وحذف الواو اجتزاء بالضمة للضرورة.
وقال الشاعر:
للبس عباءة وتقر عيني .. أحب إلى من لبس الشفوف
فهذا لا يجوز فيه إلا النصب بإضمار أن، ليكون عطف اسم على اسم.
وقال كعب الغنوي:
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ويغضب منه صاحبي بقؤول
كأنه قال: ولا يغضب، فعطف على: للشيء، ويجوز فيه الرفع على عطف /١١٨ ب جملة على جملة في الصلة، كأنه قال: وما أنا للشيء الذي يغضب منه صاحبي بقؤول.
[ ٨٩٥ ]
وقال قيس بن زهير:
فلا يدعني قومي صريحًا لحرة لئن كنت مقتولًا وتسلم عامر
بالرفع على عطف جملة على جملة، وقد أنشد بالنصب على الصرف، كأنه قال: لئن اجتمع كوني مقتولًا مع سلامة عامر.
يتلوه: باب أو.
الحمد لله كما هو أهله، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
[ ٨٩٦ ]
الجزء الرابع والثلاثون من شرح كتاب سيبويه. إملاء الشيخ أبي الحسن علي بن عيسى بن علي النحوي
بسم الله الرحمن الرحيم