الغرضُ فيه:
أنْ يُبينَ ما يجوزُ في أيِّ المضافِ إلى الموصولِ مما لا يجوزُ.
مسائلُ هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في أيِّ المضافِ إلى موصولٍ؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا يجوزُ أنْ يضافَ إلى موصولٍ إلا على تقديرِ الضميرِ في: أيّهم؟ .
[وما حُكمُ: أيُّ منْ رأيتَ أفضلُ؟ ولمَ وجبَ أنه بمنزلةِ: أيهم أفضلُ؟ وأيُّ القوم أفضلُ؟]
وما حُكمُ: أيُّ الذين رأيتَ أفضلُ؟ وهل يجوزُ: أيُّ الذي رأيتَ أفضلُ؟ على طريقِ الجنسِ؟ .
[ ٧١٦ ]
وما حكمُ: أيُّ الذين رأيتَ في الدارِ أفضلُ؟ وهل يجوزُ ذلك على الاستفهامِ والصلةِ، كأنكَ قُلتَ: أيهم في الدارِ أفضلُ؛ أيْ: الذينَ في الدارِ أفضلُ؟ .
وما حُكمُ: أيَّ مَنْ في الدارِ أفضلَ؟ وما مَوضعُ: في الدارِ، هنا؟ وما العاملُ فيه؟ وهل تقديرهُ: أيهم رأيتَ أفضلَ؟ .
وهل يجوزُ فيها: أيُّ مَنْ في الدار رأيتَ أفضلُ؟، كأنك قُلتَ: أيهم أفضلُ؟ .
وما حكمُ: أيُّ منْ إنْ يأتنا نُعطهِ نُكرمُه؟ ولمَ كانَ تقديرُه: أيُّهم نُكرِمُه؟ .
[وهل يجوزُ: أيَّ منْ إنْ يأتينا نُعطهِ نُكرمُ؟ ولمَ كانَ تقديرُه: أيهم نُكرمُ؟].
ولمَ لا يجوزُ أنْ تكونَ أيُّ في هذا بمعنى: الذي؟ وهل ذلك لأنَّ الكلامَ ناقصٌ
[ ٧١٧ ]
بمنزلةِ: الذي نُكرمُه؟ .
وما حكمُ: أيَّ منْ إن يأتنا نُعطهِ نُكرمُ تُهينُ؟ ولمَ كان بمنزلةِ: الذي نُكرمُ تُهينُ؟ .
وما حُكمُ: أيَّ منْ إن يأتنا نُعطهِ نُكرمْ تُهنْ؟ ولمَ كانَ بمنزلةِ: أيهم نُكرمْ تُهنْ، في الجزاءِ؟ .
وما حُكمُ: [أيُّ] منْ يأتينا يُريدُ صلتنا فنُحدِّثُه؟ ولمَ جازَ إذا كانَ (يُريدُ) في موضع الخبرِ، ولمْ يَجُزْ إذا كانَ في موضعِ الحال؟ فمنْ أينَ استحالَ إذا كان على هذا الوجه؟ ولمَ صارَ فيه بمنزلةِ: أيهم فنحدثه؟ وهل ذلك لأنَّ الحالَ في صلةِ (منْ)؛ منْ أجلِ أنَّ (يَأتينا) يَعملُ فيه؟ .
/٨٠ أولمَ لا يجوزُ: أيُّ منْ يأتينا فنحدثُه؟ وهل ذلك لأنه بمنزلةِ: أيهم فنحدثُه؟ ولمَ جازَ بإسقاطِ الفاءِ في الاستفهامِ، ولمْ يجُزْ في الخبرِ؟ .
وما حُكمُ: أيُّ منْ إنْ يأته منْ يأتنا نُعطه يُعطه تأته يُكرمكَ؟ ولمَ كان بمنزلةِ:
[ ٧١٨ ]
أيهم تأت يُكرمك، وبمنزلةِ: أيُّ منْ إنْ يأتهِ زيدٌ يُعطهِ تأتِ يُكرمك؟ .
ولمَ جازَ: أيهنَّ فُلانةُ؟ بالتذكيرِ مع وقوعه على المؤنثِ الحقيقيِّ؟ وهل ذلك لأنه مُبهمٌ يُحملُ على التأويلِ، مع شبههِ حروف الاستفهامِ؟ ولمَ جازَ مثلُ ذلك في قولك: كلهُنَّ؟ وهل ذلك لإخلاصه بالعمومِ كما يَخلصُ (بعضٌ) للخصوصِ في قولكَ: بعضهنَّ؟ .
وما وجهُ قول بعض العرب: أيتهنَّ فُلانةُ، وكُلتُهُنَّ هناك؟ وهل هذا على التأنيثِ بعلامةٍ، والأولُ على التأنيثِ بغير علامةٍ، فالذي بغير علامةٍ مَحمولٌ على اللفظِ. والذي بعلامةٍ محمولٌ على المعنى، كالقراءة في: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب: ٣١]، فهذا على اللفظِ، و﴿مَنْ تَقْنُتْ﴾ بالتاءِ على المعنى؟ .
[ ٧١٩ ]
الجوابُ عن البابِ الأولِ:
الذي يجوزُ في (أيٍّ) الذي لا يصلُحُ فيه البناءُ إجراؤه على الإعرابِ إذا أتى على التَّمامِ.
ولا يجوزُ فيه -إذا كان على التَّمام، لم يُحذفْ منه شيءٌ- البناءُ؛ لأنَّه ليس له بحقِّ الأصلِ، ولا الشبهِ؛ إذ أصلُه الإعرابُ، ولمْ يُحذفْ منه شيءٌ، فيصيرَ بمنزلةِ بعض الاسم.
وتقولُ: اضربْ [أيهم] هو أفضلُ، فهذا لا يجوزُ فيه البناءُ بإجماعٍ، ولكنْ يُنصبُ على: اضرب الذي هو أفضلُ، ويجوزُ فيه الرفعُ على الحكايةِ في مذهبِ الخليل، ولا يجوزُ على تعليقِ الفعلِ في مذهب يونُسَ؛ لأنَّه إنما شذَّ مع الحذفِ.
وتقولُ: اضربْ أيهم كانَ أفضلَ، واضربْ أيهم أبوه زيدٌ، فكُلُّ هذا على قياسٍ واحدٍ؛ لأنه تمامٌ، لم يُحذَفْ منه شيءٌ.
ويجوزُ: اضربْ أيهم قائلٌ لك شيئًا، بالنصبِ على مذهبِ بعضِ العربِ الذي يقولُ: ما أنا بالذي قائلٌ لك شيئًا.
[ ٧٢٠ ]
ولا يَحسنُ على هذا: ما أنا بالذي مُنطلقٌ؛ لأنَّ الكلامَ إذا طال فهو أحملُ للحذفِ؛ لأنه أحقُّ بالتخفيفِ، /٨٠ ب مع البيانِ الذي يتضمنُه بِطُولِه.
[ ٧٢١ ]
الجوابُ عن البابِ الثاني:
الذي يجوزُ في (أيٍّ) المضاف إلى موصولٍ إجراؤه على تقديرِ: أيهم، ولا يجوزُ أنْ تختلطَ الصلاتُ، فتُجعلَ صلةُ الأولِ أول الصلاتِ، وصلةُ الثاني ثانيَ الصلاتِ، بل تُجعلُ صلةُ الثاني أولَ الصلاتِ، وصلةُ الأولِ ثاني الصلاتِ، فتأملْ هذا، فإن عليه مدارَ الأمرِ.
وإذا اجتمع موصولانِ أو أكثرُ بُدئ بالموصولِ الأخيرِ، فقُدرَ بمنزلةِ الاسمِ الواحدِ، ثم الذي يليهِ مما قبله؛ لأنَّ الكلامَ يصحُّ بذلك؛ من أجلِ أنه مع صلتهِ في مَوضع الاسمِ المفردِ، فإذا رُفعَ مع صلتهِ، وجُعلَ في موضعه الاسم المفردُ؛ اتضحَ المعنى، وبانَ عللُ الإعرابِ على هذا الترتيبِ.
وتقولُ: أيُّ منْ رأيتَ أفضلُ؟، وتقديرُه: أيهم أفضلُ؟ .
وتقولُ: أيُّ الذين رأيت أفضلُ؟، ويجوزُ: أيُّ الذي رأيت أفضلُ؟ إذا كانَ (الذي) على طريقِ الجنسِ، ولا يجوزُ إذا كانَ على جهةِ العهدِ؛ لأنَّه بمنزلةِ: أيُّ زيدٍ أفضلُ؟ .
وتقول: أيُّ الذين رأيتَ في الدارِ أفضلُ؟، فأيٌّ -هاهنا- تصلحُ أنْ تكونَ
[ ٧٢٢ ]
استفهامًا إذا كانَ: في الدارِ، ظرفًا للرؤيةِ فإنْ لم يكنْ ظرفًا للرؤيةِ؛ كانت موصولةً، كأنكَ قُلتَ: أيُّهم في الدارِ أفضلُ، بمنزلة الذين في الدار أفضلُ.
وتقولُ: أيَّ منْ في الدارِ رأيتَ أفضلَ؟ كأنكَ قُلتَ: أيهم رأيت أفضلَ؟ فإنْ جعلتَ: في الدارِ، ظرفًا للرؤيةِ رفعتَ، فقلتَ: أيُّ منْ في الدار رأيتَ أفضلُ؟ كأنك قُلتَ: أيهم أفضلُ؟، وفي أحدِ الوجهينِ يكونُ العاملُ في الظرفِ: رأيتَ، وفي الوجهِ الآخرِ يعملُ فيه الاستقرارُ.
وتقولُ: أيُّ منْ إنْ يأتنا نُعطهِ نُكرمُه؟، كأنك قُلتَ: أيهم نُكرِمُه؟ .
وتقولُ: أيَّ منْ إن يأتنا نُعطهِ نُكرمُ؟ كأنكُ قُلتَ: أيهم نُكرمُ؟، ولا يجوزُ في هذا أنْ يكونَ بمعنى: الذي؛ لأنَّ الكلام ناقضٌ بمنزلةِ: الذي نُكرِمُ.
وتقولُ: أيَّ منْ إنْ يأتنا نُعطهِ نُكرمُ تُهينُ، كأنَّك قُلتَ: أيهم نُكرمُ /٨١ أتُهينُ؛ أيْ: الذي نُكرمُ تُهينُ.
وتقولُ: أيَّ منْ إنْ يأتنا نُعطهِ نُكرمْ تُهنْ، كأنكَ قُلتَ: أيهم نُكرمْ تُهنْ، فهذا
[ ٧٢٣ ]
جزاءٌ.
وتقولُ: أيُّ منْ يأتينا يُريدُ صلتنا فنُحدثهُ، فهذا يجوزُ في الاستفهامِ إذا كان (يُريدُ) في موضعِ الخبرِ، كأنكَ قُلتَ: أيهم يُريدُ صلتنا فنُحدثَهُ؟ .
ولا يجوزُ إذا كانَ (يُريدُ) في موضعِ الحالِ؛ لأنه يصيرُ بمنزلةِ: أيهم فنحدثهُ وهذا لا يجوزُ على وجهٍ من الوجوهِ.
ولا يجوزُ: أيُّ منْ يأتينا فَنُحدِّثهُ؟؛ لأنَّ الكلامَ ناقصٌ، كأنك قُلتَ: أيهم فنحدثهُ؟، [فإن أسقطتَ الفاءَ، جازَ في الاستفهامِ، كأنكَ قُلتَ: أيهم نُحدثُه؟].
وتقولُ: أيَّ منْ إنْ يأته منْ إن يأتنا نُعطهِ يُعطهِ تأتِ يُكرمك، ففي الكلامِ موصولانِ، تبدأُ بالأخيرِ فترفعه من الكلامِ، وتضعُ موضعه زيدًا، فتقولُ: أيَّ منْ إنْ يأته زيدٌ يُعطهِ تأتِ يُكرمك، فتنصبُ أيًا بـ: تَأتِ، وهو جَزمٌ على الجزاءِ، ويُكرمكَ جوابُه، وكلا الفعلينِ من مُعلقِ أيٍّ، كأنكَ قُلتَ: أيهم تأتِ يُكرمك، إذا رفعتَ (منْ) الأولى مع صلتها، فمُنتهى صلتها: يُعطهِ، ومنتهى صلةِ (منْ) الثانيةِ: نُعطِهِ، فعلى هذا التقدير يصحُّ الكلام.
وتقولُ: أيُّهُنَّ فَلانةُ؟ بالتذكيرِ على اللفظِ، وأيتُهُنَّ فُلانةُ؟ بالتأنيثِ على المعنى، كما قُرئ: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب: ٣١]، على لفظِ: مَنْ، و﴿مَنْ تَقْنُتْ﴾ بالتاءِ على المعنى.
وإنما احتملَ اللفظُ التذكيرَ؛ لأنه مُبهمٌ يصلحُ أنْ يحملَ على التأويلِ، كما احتملَ ذلك: مَنْ.
[ ٧٢٤ ]
فأمَّا قولُهم: كُلُّهُنَّ؛ فلإخلاصهِ للعُمومِ على طريقةٍ واحدةٍ كإخلاصِ بعضٍ للخصوصِ، فتقولُ: بعضهم، وبعضهنَّ، فكذلك: كُلُّهم، وكُلُهُّنَّ.
ومن العرب منْ يقولُ: كُلَّتُهُنَّ على تأنيث المعنى، والتذكيرُ فيه أكثرُ لما بيَّنا.
[ ٧٢٥ ]