الغرضُ فيه:
أن يُبيِّن ما يجوزُ في إعرابِ الأفعالِ مما لا يجوزُ.
مسائلُ هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في إعرابِ الأفعالِ؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا يجوزُ أن يعملَ فيها عاملُ الاسمِ؟ وهل ذلك لأنَّ معنى عاملِ الاسم في الاسمِ دونَ الفعلِ؟ .
وما حروفُ النصبِ للفعلِ التي هي الأصلُ فيه؟ ولمَ كانت (أن) أصلًا في عاملِ النصبِ في الفعلِ؟ وهل ذلك لأنَّها لا تعملُ بحقِّ الشبهِ لعاملِ الفعلِ، وإنما تعملُ بحقِّ الأصلِ فيه، وإن كانت مُشبهةً لعاملِ الاسم؟ .
ولمَ عملت (أن) في الفعلِ، ولم تعمل فيه: سوف؟ .
ولمَ عملت النصبَ دون الرفعِ والجزمِ؟ .
ولمَ كانت أمَّ حروفِ النصبِ؟ وهل ذلك لأنه يعملُ غيرُها بتضمنِ معناها، وتعملُ هي بما لها في نفسها؟ .
ولم عملت (كي) في الفعل؟ [ولمَ عملت النصب خاصةً؟ .
ولمَ عملت (لن) في الفعلِ؟ ولم عملت النصبَ؟].
[ ٧٧٤ ]
ولمَ عملتْ: إذن؟ ولمَ عملتْ النصبَ خاصةً؟ .
وما وجهُ قولِ الخليلِ في [لن]: إنَّ أصلها (لا أن)، ولكنها حُذفت كما قالوا: ويلُمِّهِ؟ .
ولمَ خالفهُ سيبويهِ، وألزمهُ أن لا يُجوزَ: أما زيدًا فلن أضربَ؟ .
وهل للخليل أن ينفصلَ بأن (لن) لما كثرت حتى صارت بمنزلةِ حرفٍ واحدٍ؛ عُوملت مُعاملةَ الحرفِ الواحدِ، فصارت بمنزلةِ: زيدًا لم أضرب؟ وما الصوابُ في ذلك؟ .
الجوابُ:
الذي يجوزُ في إعرابِ الأفعالِ إعمالُ عواملها التي تدخُلُ عليها فيها.
ولا يجوز /٩٢ ب أن تعملَ فيها عواملُ الأسماءِ؛ لأنَّ معنى عواملِ الاسمِ في الاسمِ خاصةً، وإنما يعملُ العاملُ بمعناه، وسبيلُها في الاختصاصِ للاسمِ كسبيلِ الألفِ واللام التي للتعريفِ بالاسمِ؛ لأنَّ التعريفَ لا يكون في الفعلِ.
وكذلك سبيلُ السينِ، وسوفَ في الاختصاصِ بالفعلِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ التي تكونُ للاستقبالِ، وتصيرُ كحرفٍ من حروفِ الكلمة لا تكونُ إلا للفعلِ؛ لأنه أحقُّ
[ ٧٧٥ ]
بالدلالةِ على الزمانِ من الاسمِ، فيصلحُ أن يُدلَّ على الاستقبالِ في الاسمِ بدلالةٍ مُنفصلةٍ لا تُخرجُ الاسمَ عن حقيقتهِ، كقولك: زيدٌ ضاربٌ غدًا، أو خارجٌ [بعدَ] غدٍ.
ولا يصحُّ مثلُ هذا الذي ذكرن من: السين، وسوفَ في الاسمِ؛ لأنها زيادةٌ مُتصلةٌ تصيرُ كجُزءٍ من الكلمةٍ.
ويوضح ذلك أنكَ لو قدمتَ الظرفَ، فقُلتَ: زيدٌ غدًا خارجٌ، [لجاز] وليس كذلك السينُ، وسوفَ، فعوامل الأفعالِ لا تعملُ في الأسماءِ، وعواملُ الأسماءِ لا تعملُ في الأفعالِ لما بينا.
وحروفُ النصبِ [للفعلِ] التي هي الأصلُ فيه أربعةٌ: أن، ولن، وكي، وإذنْ.
ويتفرعُ منها خمسةُ أحرُفٍ، وهي: الواوُ، والفاءُ، وأو، وحتى، واللامُ، تعملُ بتضمنِ معنى أن.
فجميعُ حروفِ النصبِ للفعلِ تسعةٌ: أربعةٌ منها أُصولٌ، وخمسةٌ فُروعٌ.
و(أن) أصلٌ في العملِ؛ لأنها تُشبهُ عاملَ الاسمِ في النقلِ إلى المصدرِ، وأنه قد يكونُ على الاستقبالِ بدليلٍ يصحبُه، فهي تُشبهُ (أنَّ) في قولكَ: بلغني أنَّكَ
[ ٧٧٦ ]
مُنطلقٌ، بمعنى: بلغني انطلاقُك، فكذلك تقولُ: أن تأتيني خيرٌ لك، كأنك قُلتَ: إتيانُك إيّايَ خيرٌ لك، فلهذه العلةِ من الشبهِ عملت النصبَ.
فأمَّا جوازُ عملها فلأنها نقلت الفعلَ نقلينِ: إلى الاستقبالِ، ومعنى المصدَرِ؛ فلهذه العلةِ عملتْ، ولشبهِها بأنَّ الشديدةِ عملت النصبَ خاصةً.
وهي أصلٌ في العملِ؛ لأنها لم تعمل بحقِّ الشبهِ لعامل الفعلِ، وهي أمُّ حروفِ النصبِ؛ لأن غيرها /٩٣ أيعملُ بتضمنِ معناها، وتعملُ هي بحقها في نفسها، فقد جمعت هذه الأوجهَ الأربعةَ: أنها عاملةٌ، وأنها تعملُ النصب خاصةً، وأنها أصلٌ في عمل النصبِ، وأنها أمٌّ في العواملِ. والعللُ التي بيَّنّا.
ولا تعملُ سوفَ في الفعلِ؛ لأنها نقلته نقلًا واحدًا إلى معنى الاستقبالِ، فلما غيرته بوجهٍ واحدٍ؛ كفى في ذلك دخولُها على الفعلِ، ولما غيرته الحروفُ الأُخر بوجهينِ؛ لم يكفِ في ذلك دخولُها على الفعلِ دونَ علامةٍ زائدةٍ تكونُ لهذا المعنى الزائدِ؛ لما في ذلك من حُسنِ البيانِ على هذا الوجهِ.
وكي تعملُ؛ لشبهِها بعاملِ الاسمِ؛ إذ كانت تنقلُ إلى الاستقبالِ، والغرضِ، وكلاهم يكونُ في الاسمِ، كقولك: جئتُه مخافةَ شره، وطمعًا في خيره.
وتعملُ النصبَ؛ لشبهِها بأن إذا قُلتَ: جئتُه أن يُكرمني، وكي يُكرمَني.
[ ٧٧٧ ]
وتعملُ لن؛ لأنها تقلت الفعلَ إلى الاستقبالِ والنفيِ، وتعملُ النصبَ؛ لأنَّها نقلتهُ إلى معنىً يكونُ للاسمِ كما نقلتهُ أن، وكي.
وتعملُ إذن؛ لأنَّها نقلت الفعلَ إلى الاستقبالِ والجوابِ، وتعملُ النصبَ؛ لأنَّها على قياسِ (أن) في الاستقبالِ.
فهذه الأربعةُ كُلُّها على قياسٍ واحدٍ في نقلِ الفعلِ إلى الاستقبالِ؛ ولذلك عملت النصبَ خاصة؛ لتجريَ على طريقةِ (أنْ) التي قد وجبَ لها ذلك؛ لشبهِ (أنَّ) الشديدةِ في معنى المصدرِ.
وقال الخليلُ في لن: أصلُها: لا أن، ولكنها حُذفت. ووجهُ هذا القولِ أنه لما كان ينبغي تقليلُ الأصُولِ، وتكثيرُ الفروعِ؛ لتُضبطَ الأصولُ، وتنعقدَ في النفسِ على أمكنِ ما يكونُ، وتقتضي فرُعها، فتُغنيَ بحفظِها عن حفظِ فرُعها؛ راعي هذا الأصلَ، فوجد (لن) يتوجهُ فيها أن ترجعَ إلى (أن) كما ترجعُ الحروفُ المُضمنةُ بمعنى: أن، فردَّها إليها؛ لهذه العلةِ.
[ ٧٧٨ ]
وخالفهُ في ذلك سيبويهِ، ووجهُ خلافِه أنَّه يُلزمُه الامتناعَ من جوازِ: أمّا زيدًا فلن أضربَ، كما يمتنعُ من جوازِ /٩٣ ب: أمَّا زيدًا فلا الضربُ له؛ لأنه لا يتقدمُ معمولُ الصلةِ على الموصولِ.
ولا بُدَّ للخليلِ من أن يَرُومَ الانفصالَ من هذا بأنَّ (لن) لما كثرت حتى صارت بمنزلةِ حرفٍ واحدٍ؛ عُوملت مُعاملةَ: لم.
والصوابُ قولُ سيبويهِ؛ لأنَّه -وإن رُوعيَ الأصلُ الذي بَنَى عليه الخليلُ- فإنه لا يصلحُ أن يُحملَ عليه بالتعسفِ إذا توجهَ طريقٌ لا تعسفَ فيه، وفي الحملِ على: لا أن تعسفٌ بكثرةِ الحذفِ؛ إذ حُذفت الألفُ والهمزةُ، وبتقديمِ معمولِ الصلةِ على وجهٍ لا بُدَّ من أن يُرجعَ فيه إلى أنَّ (لن) بمنزلةِ (لم) في الاستعمالِ، فيصيرُ من أجل هذا حملُ (لن) على: لا أن، تعسُّفًا لا يجوزُ.
[ ٧٧٩ ]