الغرضُ فيه:
أن يُبيَّنَ ما يجوزُ في الاستفهامِ الذي تلحقه الزيادةُ للإنكارِ مما لا يجوزُ.
مسائل هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في الاستفهامِ الذي تَلحَقُه الزيادةُ للإنكارِ؟ وما الذي لا يَجوزُ؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا يجوزُ -إذا وُصلَ بيا فتى- لَحاقُ الزيادةِ للإنكارِ؟ .
ولمَ وجبَ أن تكونَ الزيادةُ من حروفِ /٩٠ أالمدّ واللينِ تابعةٌ للحركةِ التي قبلها؟ .
ولمَ إذا كان قبلها ساكنٌ؛ صارت ياءً؟ وهل ذلك لأنَّ السَّاكنَ يتحركُ بالكسرِ؛ لالتقاءِ الساكنينِ؟ .
[ ٧٦٤ ]
ولمَ جاز في الإنكارِ وجهانِ: أن يكون رأيهُ على ما ذُكرَ، أو على خلافِ ما ذُكرَ؟ وأيُّهما أظهرُ؟ .
وما حُكمُه إذا قال: هذا عُمرُ، أو قال: رأيت عُمرَ، أو قال: مررتُ بالرجلِ؟ .
ولم وجبَ فيه: أعُمرُوه، وأعُمراه، وآلرَّجليه؟ .
وما حُكمُه إذا قال: رأيتُ زيدًا؟ ولمَ وجبَ فيه: أزيدنيه، وفي الرفع: أزيدُنيه، وفي الجرَّ: أزيدنيه؟ وهل ذلك لأنَّ إشباعَ الحركةِ مع الوقفِ على الهاءِ يدلُّ على أنَّ الإنكارِ لما ذكرهَ المتكلمُ، لا لغيره؛ لما فيه من موافقتهِ في إعرابهِ، إلا أنَّه على جهةِ إشباعِ الحركةِ؛ ليُؤذنَ بمعنى الإنكارِ؛ إذ الإنكارُ كالجحدِ في اقتضاءِ الزيادةِ، فدلت الزيادةُ على الإنكارِ، ودلَّ موافقتُها في الإعرابِ أنه إنكارٌ لما ذُكرَ، لا لغيره مما يُستأنفُ؟ .
ولمَ احتملَ الاستفهامُ -إذا قال القائلُ: أتعرفُ زيدًا؟ - أن يقولَ: أزيدنيه، فيُنكرَ عليه وهو مُستفهمٌ لم يدَّع شيئًا؟ وهل ذلك لأنَّه لا ينبغي أن يجهلَ مثلَ هذا، فيستفهمُ عنه بالإنكارِ أن يذهبَ عليه مثلُ هذا، إما في أنَّه يعرفُه إذا كانت الحالُ مشهورةً بذلك، أو يكونُ مشهورًا بضعةٍ وسقوطٍ، ليس مثلُه مما ينبغي أن يُعرف؟ .
[ ٧٦٥ ]
وما الشاهدُ في قولِ أعرابيًّ من أهلِ الباديةِ -لما قيلَ لهُ: أتخرجُ إن أخصبتِ الباديةُ-: أناإنيه، مُنكرًا لرأيه أن يكونَ على خلافِ الخروج؟ ولمَ ألحقَ الزيادةَ (إنْ) على هذه الجهةِ؟ .
وما الإنكارُ إذا قال القائلُ: قد ثدمَ زيدٌ، فقلتَ: أزيدُنيه؟ ولمَ جازَ أن يكونَ إنكارًا لقُدومه، وإنكارًا لانتفاءِ قُدومهِ؟ .
وما الإنكارُ إذا قال: لقيتُ زيدًا وعمرًا، فقلتَ: أزيدًا وعمرَنيه؟ ولمَ لحقت العلامةُ الثانيَ دونَ الأوَّلِ؟ وهل ذلك لأنَّ الأولَ يستغني بالإعرابِ الذي فيه على جهةِ /٩٠ ب موافقةِ ما تقدَّم ذكرُه، وليس كذلك الثاني؛ لأنه لا يُوقفُ على الإعرابِ، فاجتُلب له الزيادةُ، واستُغنى بذلك عن لحاقها في وسطِ الكلامِ؟ .
وما استفهامُ الإنكارِ إذا قال: ضربتُ عُمرَ؟ ولمَ جاز: أضربتَ عُمراه، وأعُمراه، فهلا استغنى بإعادةِ الفعلِ عن العلامةِ؟ وهل ذلك لأنه توهمَ أن يكونَ
[ ٧٦٦ ]
مُستثبتًا لا منكرًا، فاحتاج إلى العلامةِ؛ لأنها تتضمنُ الإنكارَ، وإنه لما ذُكرَ، وإعادةُ (ضربتَ) لا تدلُّ إلا أنه لما ذُكر فقط، من غير إنكارٍ؟ .
وما استفهامُ الإنكارِ إذا قال: ضربتُ زيدًا الطويلَ؟ ولمَ وجبَ فيه: أزيدًا الطويلاه، بلحاقِ العلامةِ في الصفةِ دون الاسم؟ .
ولمَ إذا قال: أزيدًا يا فتى، ترك العلامةَ؟ فما نظيرها من تركها في: منا، ومني، ومنو، حين قُلتَ: يا فتى؟ وهل ذلك لأنك أخرجته بيا فتى عن حدِّ الحكايةِ؟ .
ولمَ كانت صلةُ الكلامِ تمنعُ العلامةَ؟ وهل ذلك لأنَّ موضعَ هذه الزيادةِ في آخر الكلامِ؛ ليُؤذنَ بالإنكارِ أو الحكايةِ بعد تمامِ الكلامِ؛ لأنَّها لا تكونُ قبلَ التمامِ؟ .
وما استفهامُ الإنكارِ إذا قال: رأيتُ عُثمانَ، أو مررتُ بعُثمانَ، أو رأيتُ حذامِ، أو هذا عُمرُ؟ فلمَ وجبَ في جميعِ ذلك أن تكونَ الحركةُ عليها تجري الزِّيادةُ؟ .
وما نظيرُه من قولهم: واغلامَهُمُوه، في الزيادة التابعةِ؟ ولمَ تَبعَتْ في
[ ٧٦٧ ]
النُّدبةِ المُضمرَ خاصةً، وتبعتْ في الإنكارِ المظهرَ والمُضمرَ؟ وهل ذلك لأنهما في النُّدبةِ لمدُّ الصوتِ من غيرِ إلباسٍ في تثنيةٍ ولا جمعٍ، ولا تأنيثٍ ولا تذكيرٍ، فمدُّ الصُّوتِ يسلمُ من هذا كُلِّه في المُظهرِ، ولا يسلمُ في المضمرِ، فاحتاج إلى الإتباع في المُضمرِ، واستغنى عنه في المظهر، وأما زيادةُ الإنكارِ فهي لتدُلَّ على معنى الإنكار لما ذُكرَ، وتلك في النُّدبةِ لمدِّ الصَّوتِ فقط، إلا أنه من غيرِ التباسِ المعاني؟ .
وما وجهُ قولِ بعضِ العربِ إذا قال القائل: هذا عُمرُ، فقال: أعُمرُإنيه؟ /٩١ أوهل ذلك على زيادةِ (إن) بينَ الاسمِ وبين علامةِ الإنكار؛ للتأكيد، وإذا قال: هذا زيدٌ؛ قلتَ: أزيدُإنيه؟ .
وما نظيرُ ذلك من قولهم: ما إن زيدٌ منطلقٌ؟ وما نظيرُه من قولهم في: اضربُه، نَقَلَ الحركةَ؛ لبيانِ الهاءِ؛ لأنَّها تخفي إذا سكنت وسكنَ ما قبلها؟ .
وما نظيرُه من بيانِ الياءِ في: سعديّ، في الوقفِ، [فقال]: سعدجّ، فأبدلَ من مخرج الياءِ حرفًا أجلدَ منها؟ .
[ ٧٦٨ ]
ولمَ جازَ استعمالُ هذه العلامةِ وتركُها؟ .
وما استفهامْ إذا قال القائلُ: أنا خارجٌ؟ فلمَ جاز: أأناإنيه؟، على إعادةِ (أنا)، ولحاقِ العلامةِ (إنْ) التي تُزادُ؛ لتأكيدِ الإنكارِ؟ وما نظيرُه في: من عبدَ الله، وإذا قال: رأيتُ عبدَ اللهِ؟ .
وهل يجوزُ: أإنيه، من غير إعادة أنا؟ .
وهل يجوزُ: أناه؟ على لحاقِ العلامةِ [من غير زيادة]: إن، كما جازَ أن تحكيَ فتقولَ: أأناإنيه؟ .
ولمَ إذا كُنتَ مُستثبتًا مُسترشِدًا؛ لم يجُز لحاقُ شيءٍ من هذه العلاماتِ؟ وهل ذلك لأنَّها للإنكارِ؟ .
وما استفهامُ الإنكارِ إذا قال: ضربتُه، فقلتَ: أقلتَ ضربتُه؟ ولمَ لا يجوزُ أن تُلحقَ علامةَ الإنكارِ في هذا؟ وهل ذلك لأنك أوقعتَ حرفَ الاستفهامِ على غير كلامِ المسؤول، فأبطلتَ الحكايةَ بذلك، وأخرجتَه إلى الاسترشادِ دونَ الإنكارِ؟ .
[ ٧٦٩ ]
الجوابُ:
الذي يجوزُ في الاستفهامِ الذي تلحقُه الزيادةُ للإنكارِ إلحاقُ حرفِ المدّ واللينِ تابعًا لحركة ما قبله؛ لتكونَ الزيادةُ تُؤذنُ بالإنكارِ كما تُؤذنُ علامةُ الجحدِ بمعنى الجحدِ، وتكونُ تابعةً؛ لتُؤذنَ بأنَّ الإنكارَ لما قد ذُكرَ.
ولا يجوزُ -إذا وُصلَ الكلامُ بيا فتي- لحاقُ الزِّيادةِ؛ لأنَّه يخرجُ عن حدِّ الحكايةِ، ويصيرُ من غير كلامِ المسؤول، وأيضًا فإنَّ الوصلَ يمنعُ من لحاقِ العلامةِ؛ لأن موقعها مُنتهى الكلام؛ إذ الحكايةُ بعدَ التَّمامِ، وكذلك الإنكارُ لما تقدَّم من الكلامِ بعد التمامِ، فموقعُ الزيادةِ التي تدُلُّ /٩١ ب على ذلك في آخرِ الكلامِ.
فإن قُلتَ: هذا عُمرُ؛ قلتَ: أعُمرُوه، وإن قال: رأيتُ عُمرَ؛ قلتَ: أعُمراه، وإن قالَ مررتُ بالرجُل؛ قلت: آلرُّجُليه، وإن قالَ: هذا زيدٌ؛ قلتَ:
[ ٧٧٠ ]
أزيدُنيه، فعلى هذا قياسُ الباب.
والأظهرُ في الإنكارِ أن يكونَ لما ذُكرَ، ويحتملُ أن يكونَ لخلاف ما ذُكرَ بدليلِ الشُّهرةِ أنَّ ذلك ليس مما يُجهلُ.
وشاهدهُ قولُ أعرابيِّ من أهل الباديةِ، وقد قيل لهُ: أتخرُجُ إن أخصبت الباديةُ؟ فقال: أأناإنيه، مُنكرًا لخلافِ الخُروج.
وكذلك إذا قالَ: قدمَ زيدٌ؛ فقُلتَ: أزيدنيه، فإنَّه يجوزُ الإنكارُ لخلاف القدومِ؛ لشُهرتِهِ إلى حدِّ لا يُجهلُ مثلُه.
وإذا قال القائلُ: لقيتُ زيدًا وعمرًا؛ قُلتَ: أزيدًا وعمرنيه، فألحقتَ العلامةَ في الثاني دون الأولِ؛ ليكونَ في مُنتهى الكلامِ على ما بيَّنا قبلُ.
وإذا قال القائلُ: ضربتُ عُمرَ؛ جاز: أضربتَ عُمراه، وأعُمراه، ولو قال: هذا عُمرُ؛ لم يجُز أن تقولَ: أقُلتَ عُمرُوه؛ لأنَّك قد أخرجتهَ عن حكايةِ كلام المسؤول بزيادتك: أقُلتَ.
[ ٧٧١ ]
وإذا قالَ: ضربتُ زيدًا الطويلَ؛ قُلتَ: أزيدًا الطويلاه، فألحقتها في آخرِ الكلامِ؛ لتدُلَّ على الحكايةِ والإنكارِ.
ولا يجبُ مثلُ ذلك في علامةِ النُّدبةِ، بل تلحقُ في الاسمِ خاصةً؛ لأنها هناك لمدُّ الصوتِ فقط.
وهي تتبعُ المُظهرَ والمُضمرَ في الإنكارِ، ولا تتبعُ في النُّدبةِ إلا في المضمرِ خاصةً؛ لأنها لمد الصوتِ، مع السلامةِ من الالتباسِ، فلما كان يُلتبسُ في المُضمرِ؛ تبعت حتى تُزيلَ الالتباسَ، وليس كذلك المُظهرُ.
وبعضُ العربِ يقولُ: أعُمرُ إنيه، فيزيدُ: إن؛ ليؤكد بها علامةَ الإنكارِ كما يُؤكدُ علامةَ الجحدِ في: ما إن زيدٌ منطلقٌ.
وإذا قال القائلُ: إني قد ذهبتُ؛ قُلتَ: أذهبتُوه، فألحقتَ العلامةَ في المُضمرِ على حركةِ ما قبلها.
وإذا قال: أنا خارجٌ؛ جازَ فيه ثلاثةُ أوجُهٍ: أأناإنيه، على إعادةِ أنا، وأَإنيه، على زيادةِ: إن /٩٢ أالمؤكدةِ لعلامةِ الإنكارِ. وأأناه، على لحاقِ العلامةِ ما لُفظَ به
[ ٧٧٢ ]
من غيرِ زيادةِ: إن.
وإذا كُنتُ مُستثبتًا؛ لم يجُز لحاقُ شيءٍ من هذه العلاماتِ؛ لأن الاستثباتَ نظيرُ الإثباتِ في أنه لا يحتاجُ إلى علامةٍ، والإنكارُ نظيرُ الجحدِ في أنه يحتاجُ إلى علامةٍ.
[ ٧٧٣ ]