الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في (حتى) من الإعمال والإلغاء مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في (حتى) من الإعمال والإلغاء؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز أن تعمل إذا كانت للحال؟ وهل ذلك لأنها تخرج عن إضمار: أن، إذ كانت (أن) للاستقبال؟
ولم عملت على وجهين: معنى إلى أن، ومعنى كي، وألغيت على وجهين:
سبب متقدم للحال منقطع عنه، وسبب متصل بالحال؟
ولم لا تنصب إلا بإضمار: أن؟ ولم جاز فيها إضمار: أن، وترك إضماره، ولم يجز في أختها، وهي إلى، وقد شاركتها في معنى النهاية؟ وهل ذلك لأن (إلى) نقيضة من، فجرت على حدها، وليست (حتى) نقيضة: من، إذ كانت تجري على طريقة: من كذا إلى كذا، ولا يقال: من كذا حتى كذا، على مقابلة (من)
[ ٨١٩ ]
في الانتهاء، وإنما (إلى) نهاية في المكان، و(حتى) نهاية في تعظيم، أو تحقير، أو ما جرى هذا المجرى من غير المكان؟
وما حكم: سرت حتى أدخلا؟ ولم جاز النصب على معنى: سرت إلى أن أدخلها، ولم يجز على معنى: سرت فأنا أدخلها الآن ما أمنع؟
ولم وجب أن يكون الناصب في الفعل هاهنا هو الجار في الاسم إذا كان غاية؟
ولم نصب الفعل في الغاية، وجر الاسم في الغاية؟
وما حكم كلمته حتى يأمر لي بشيء؟ ولم وجب النصب على معنى: كلمته كي يأمر لي بشيء، ولم يجب على معنى كلمته فإذا هو يأمر لي بشيء؟
وما حكم: سرت حتى أدخلها؟ ولم وجب الرفع على معنى أن السير متصل بالدخول الآن، بمعنى سرت فأدخلها الآن؟
ولم جاز في (حتى) الإعمال والإلغاء؟ وهل علتها كعلة (إذن) في الإعمال والإلغاء؟
[ ٨٢٠ ]
وما حكم: سرت حتى أدخلها الآن ما أمنع؟ ولم وجب الرافع في هذا على معنى: سير قد مضى وانقطع، ودخول الآن في الحال؟ وكيف يكون سببًا للدخول مع انقطاعه؟ وهل ذلك لأنه سير أدى إلى الدخول بتقريبه منه، وإن انقطع مدة الزمان لبعض العوائق التي تعوق، فهو سبب بتقريبه من الدخول؟
وما حكمك لقد رأى مني عامًا أول شيئًا حتى لا أستطيع أن أكلمه العام بشيء؟ ولم جاز أن يكون ما رأى عامًا أول مع انقطاعه سببًا تمتنع معه استطاعتك أن تكلمه العام بشيء؟ وهو ذلك لذكره في هذا العام ما يوجب من الارتداع عن كلامه لما رآه في العام الأول، فهو كالحاضر الذي يوجب الارتداع عن كلامه العام؟
ولم لا ترفع إلا على معنى السبب المؤدي إلى الثاني؟ وهل ذلك لأنها لم خرجت عن [معنى] الغاية، خرجت إلى مايشا كل الغاية من تأدية الأول إلى الثاني، على معنى السبب، والذي يجمعهما المنتهى، إلا أن المنتهى في الغاية بمنزلة منتهى المكان، مثله في: إلى، والمنتهى في السبب ما أدى إليه السبب؟
وما الشاهد في قول الفرزدق:
فياعجبا حتى كليب تسبني. . . كأن أباها نهشل أو مجاشع؟
[ ٨٢١ ]
ولم صار الرفع في الفعل كالرفع في الاسم؟ وهل ذلك لأنها في هذا الموضع حرف من حروف الابتداء، والمنتهى في معنى الجملة، وهو منتهى السبب؟
وما حكم شربت حتى يجيء البعير يجر بطنه؟ ولم كان الشرب سببًا لجر البطن؟ وهل ذلك للامتلاء حتى ثقل بطنه؟
وما في قولهم: حتى إنه يفعل ذاك، من الدليل على أنها حرف من حروف الابتداء هنا، كقولك: فإذا إنه يفعل ذاك؟
وما الشاهد في قول حسان بن ثابت:
يغشون حتى لا تهر كلابهم. . . لا يسألون عن السواد المقبل؟
[ ٨٢٢ ]
ولم كان الغشيان سببًا لترك هرير الكلاب؟ وهل ذلك لأنه لما كثر أنست به، فلم تهر؟
وما حكم مرض حتى يمر به الطائر فيرحمه؟ ولم كان مرضه سببًا لمر الطائر به راحمًا له؟ وهل تحقيق ذلك: حتى يرحمه الطائر إذا مر به؟
وما حكم سرت حتى يعلم الله أني كال؟ ولم جاز أن يكون السير سببًا في هذا الموضع، والله ﷿ عالم به كيف تصرفت حاله؟ وهل تحقيق ذلك: سرت حتى أكل في معلوم الله ﷿ أو فيما يعلمه الله ﷿.
وما الشاهد في قول علقمة بن عبدة:
ترادى على دمن الحياض فإن تعف فإن المندى رحلة فركوب؟
وما حكم: ضرب أمس حتى لا يستطيع أن يتحرك اليوم؟ ولم صار ضرب أمس
[ ٨٢٣ ]
يمتنع معه التحرك اليوم؟
وهل يجوز: سرت فأدخلها، على أن السير والدخول جميعًا وقعًا فيما مضى؟ ولم جاز ذلك في الفاء، ولم يجز في (حتى) إلا أن يقدر على الحال؟
وما حكم: مرض حتى لا يرجونه؟ ولم كان بالرفع دون النصب؟
الجواب:
الذي يجوز في حتى أن تعمل في الفعل بإضمار: أن، وتلغى بترك إضمار (أن) مع الفعل.
ولا يجوز أن يرفع الفعل بعدها إلا على معنى الحال والسبب المؤدي، لأنه الموضع الذي سقطت فيه: أن.
فأما السبب فلأنه لما أخرجت عن الغاية التي على تقدير المكان، أخرجت إلى ما يشبهها من السبب المؤدي إلى الثاني.
[ ٨٢٤ ]
وقد تكون الغاية من غير سبب، وهو إذا كان الأول سواء وقع أو لم يقع، فالثاني كائن لا محالة، كقوله: وقفت حتى تطلع الشمس، فهذا غاية، وليس بسبب، لأنه سواء وقفت أو لم تقف فالشمس تطلع في وقتها.
ومثل ذلك: انتظرت حتى يجوز الأمير فهذا غاية، وليس بسب، لأنه سواء انتظرت أو لم تنتظر فالأمير يجوز، فقد بان لك الفرق بين الغاية والسبب المؤدي.
فإذا أخرجت عن العمل وتقدير إلى أن، أو كي، لم تخرج إلا إلى ما يشاكل ذلك من السبب المؤدي.
وهي تعمل على وجهين: معنى: إلى أن، ومعنى: كي، وعلى الوجهين جميعًا، فالفعل الذي بعدها على الاستقبال.
وتلغي على وجهين: السبب المتصل، والسبب المنقطع، وعلى الوجهين جميعًا فالفعل على معنى الحال، والأول أدى إلى الثاني لا محالة.
ولا يجوز إضمار أن [بعد: إلى] من قبل أنها للغاية في المكان، كما أن
[ ٨٢٥ ]
(من) لابتداء الغاية في المكان، وليس كذلك: حتى، لأنها للغاية في المعاني، كالغاية في التعظيم، والغاية في التحقير، فوضعهما مختلف، وإنما جمعهما معنى الغاية، فجرت (إلى) على مقابلة: من، واتسع في حتى إضمار: أن، لأنها للمعاني التي هي أوسع من المكان.
وتقول: سرت حتى أدخلها، بالنصب على معنى: إلى أن أدخله، فالسير متصل إلى أن يقع الدخول، فإن قلت: سرت حتى أدخلها، بمعنى: كي أدخلها صلح أن يكون منقطعًا.
ولا يجوز النصب على معنى: سرت فأنا أدخلها الآن ما أمنع، لأنها هاهنا للحال.
والناصب في الفعل هو الجار في الاسم، لأنها تجر في الاسم بحق الأصل،
[ ٨٢٦ ]
وتنصب الفعل بإضمار (أن) على تقدير المصدر.
وتقول: كلمته حتى يأمر لي بشيء، على معنى: كي يأمر لي بشيء، لأن الأمر لك بشيء هاهنا غرض، فهي على معنى: كي.
وتقول: سرت حتى أدخلها، فيجوز على وجهين: أحدهما أن السير متصل بالدخول، والآخر أنه منقطع منه، وفي كلا الوجهين يكون سببًا مؤديًا إلى الدخول.
وإنما جاز في حتى الإعمال والإلغاء، لأنها تارة تدخل على معنى المفرد، وتارةً تدخل على معنى الجملة، فإذا دخلت على معنى المفرد عملت بحق الأصل، أو إضمار: أن، وإذا دخلت على معنى الجملة ألغيت، وكل ذلك من غير شركة المفرد مع الأول.
وإنما جاز: سرت منذ سنة حتى أدخلها الآن ما أمنع، وإن انطقع سيرك بتوقف مدة من الزمان في بعض البلدان، فهو سبب للدخول بتقريبه منه إلى ذلك البلد
[ ٨٢٧ ]
وتقول: لقد رأى مني عامًا أول شيئًا حتى لا أستطيع أن أكلمه العام بشيء، فهذا رفع، لأن الأول أدى إلى الثاني، وهو حال.
وقال الفرزدق:
فواعجبا حتى كليب تسبني كأن أباها نهشل أو مجاشع
فهذا شاهد في الرفع، لأنها تصير في مثل هذا الموضع حرفًا من حروف الابتداء، ويوضح ذلك حتى إنه يفعل، فلولا أنه موضع ابتداء لم تصح فيه: إن، لأنها لا تقع إلا موقع ابتداء.
وتقول: قد نازعته في الأمر حتى إنه يهرب مني، وتقول: شربت حتى يجيء البعير يجر بطنه، ولو قلت: شربت حتى إن البعير يجيء يجر بطنه جاز.
وقال حسان:
يغشون حتى لاتهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل
فهذا لكثرة غشيان الأضياف قد أنست بها الكلام فهي لاتهر.
وتقول: مرض حتى يمر به الطائر فيرحمه، وتحقيق ذلك: مرض حتى يرحمه الطائر في حال مروره به.
وتقول: سرت حتى يعلم الله أني كال، وتحقيق ذلك: سرت حتى أكل فيما يعلم الله، فقدم ذكر: يعلم، كما قدم ذكر: يمر به الطائر، على الاتساع.
[ ٨٢٨ ]
وقال علقمة بن عبدة:
ترادى على دمن الحياض فإن تعف فإن المندى رحلة فركوب
فهذا شاهد يبين عن اتصال الثاني بالأول من غير مهلة في حتى كما هو في الفاء، وإن كان في الفاء أبين، لأنها الأصل فيه.
وتقول: ضرب أمس حتى لا يستطيع أن يتحرك اليوم، فهذا رفع، لأن ضربه أدى إلى أن لا يستطيع أن يتحرك اليوم.
ويجوز: سرت حتى أدخلها فيما مضى، فيكون على تقدير الحال، كأنك قلت: حتى أدخلها في الحال الماضية، فيجري مجرى: سرت حتى دخلت.
وتقول: مرض حتى لا يرجونه، بالرفع، لأن المرض أدى إلى انتفاء الرجاء.
يتلوه إن شاء الله باب حتى التي يرتفع الفعل بعدها.
[ ٨٢٩ ]
الجزء الثالث والثلاثون من شرح كتاب سيبويه، إملاء أبي الحسن علي بن عيسى النحوي
بسم الله الرحمن الرحيم