الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في حتى التي يرتفع الفعل بعدها مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في حتى التي يرتفع الفعل بعدها؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز أن يرتفع الفعل بعدها في غير الواجب من النفي والاستفهام؟
وهل ذلك لأنه لا يكون هناك فعل هو سبب للفعل الذي بعدها؟
وما حكم سرت حتى أدخلها، وقد سرت حتى أدخلها، وإني سرت حتى أدخلها؟ ولم جاز بالرفع على الحال، وبالنصب على الاستقبال؟
[ ٨٣٠ ]
وما حكم: رأيت عبد الله سار حتى يدخلها، وأرى زيدًا سار حتى يدخلها؟ ولم جاز بالرفع في: أرى زيدًا سار حتى يدخلها؟
وما وجه قول بعض النحويين: لا يكون في ذا إلا النصب، لأن المتكلم ليس بمتيقن؟ وهل ذلك لأنه إذا لم يتيقن وقوع الفعل الذي يكون سببًا للفعل بعد حتى فهو بمنزلة النفي في أنه ليس هناك فعل يكون سببًا؟
ولم جاز على مذهب سيبويه؟ وهل ذلك لأن الغالب كاللازم، فإذا غلب عليه أن هناك سببًا فهو كلزوم السبب؟
وهل يلزم المخالف في هذا أن ينصب في قوله: سار زيد حتى يدخلها فيما بلغني ولا أدري، وسار زيد حتى يدخلها أرى؟ ولم ألزمه سيبويه هذا مع أن له أن ينفصل منه بأنه ذكر: لا أدري، وأرى، في موضع الاستدراك بعدما مضى صدر كلامه على اليقين؟
وما حكم كنت سرت حتى أدخلها؟ ولم جاز بالرفع؟
وما وجه امتناع بعض النحويين من الرفع في هذا، لأنه لا يجوز القلب؟ وهل وجه ذلك أنها إذا ارتفع الفعل بعدها، فهي حرف من حروف الابتداء، وذلك يقتضي
[ ٨٣١ ]
لها جواز الابتداء بها في قولك: سرت حتى أدخلها، وحتى أدخلها سرت، وإذا ذكرت: كنت، لم يصلح أن تقدم: سرت، فلا يجوز: كنت حتى أدخلها سرت؟
ولم ألزمهم سيبويه امتناع الرفع في: قد سرت حتى أدخلها؟ وهل ذلك [لأنه] لا يجوز: قد حتى أدخلها سرت؟
وهل لهم أن ينفصلوا من هذا بأن (قد) زيادة في الفعل بمنزلة الزيادة في حشو الكلمة من نحو ألف: ضارب، وواو: ضروب، ونحو ذلك؟
وما جوابهم عن هذا السؤل إذا حقق على هذه الجهة؟ وهل هو أنه يجوز: كنت حتى أدخلها سرت، لأنه قد عمل في موضعه: سرت، وصار يصلح أن يقع بين كنت، وسرت، ولو قال: كنت سرت زيد معي في مسيري كله، على استئناف الكلام في زيد، لم يصلح أن يقدم؟
وما حكم: إنمان سرت حتى أدخلها، وما سرت إلا قليلا حتى أدخلها؟ ولم صار مع التقليل الرفع، والتقليل بمنزلة مالا يعتد به؟
وما حكم: ربما سرت حتى أدخلها، وطالما سرت حتى أدخلها؟ ولم جاز الرفع مع امتناع القلب؟ وهل ذلك لأنه عارض بدخول (ما) المقتضية لذكر الفعل في هذا الموضع من: ربما، وطالما، وكثر ما، فلا يخرجه ذلك أن يكون حرفًا من حروف الابتداء، كما تقول: ربما سرت فأنا أدخل، وطالما أسرت
[ ٨٣٢ ]
فأدخل، وكثر ما سرت فأنا أدخل ما أمنع؟
ولم جاز الرفع مع أنه غير سير واحد لا يتحصل منه سبب؟ وهل ذلك لأنه يتحصل في الجملة أنه أحد ضروب السير الذي وقع، فهو بمنزلة: سرت غير مرة حتى أدخلها؟
وما حكم: ما أحسن ما سرت حتى أدخلها؟ ولم جاز بالرفع في التعجب، وليس الغرض فيه تثبيت فعل ذكر، وإنما الغرض فيه التعجب؟ وهل ذلك لأن سرت يدل على وقوع السير المتعجب منه؟
وما حكم: قلما سرت حتى أدخلها؟ ولم جاز بالرفع مع أن (قلما) يستعمل على معنى النفي؟ وهل ذلك لأن فيه اشتراكًا، فإذا ذهب به مذهب النفي لم يجز، وإذا ذهب به مذهب إثبات القليل جاز، وكذلك: أقل ما سرت حتى أدخلها.
ولم جاز مثل هذا في: قلما، ولم يجز في: كثر ما سرت؟
[ ٨٣٣ ]
وما دليله من قولهم: [قلما] سرت فأدخلها، وامتناع: كثر ما سرت فأدخلها؟
ولم جاز: إنما سرت حتى أدخلها، على قبح، لاحتقار السير؟
وما حكم: ما سرت حتى أدخلها؟ ولم لا يجوز بالرفع؟ ولم أجازه الأخفش مع إقراره أن العرب لم ترفع غير الواجب في باب حتى؟ وهل ذلك لما بينا قبل من أن الرفع لابد من أن يكون الفعل الأول فيه سببًا أدى إلى الثاني، لأنها لما أخرجت عن الغاية في المكان، أخرجت إلى السبب الذي منتهاه المسبب، وليس في النفي سبب يكون الثاني منتهاه؟
وما حكم كان سيري حتى أدخلها؟ ولم لا يجوز فيه الرفع؟ وهل ذلك لأن كان تحصل بغير خبر، وإذا نصبت فلها خبر بمنزلة: كان سيري إلى أن أدخلها،
[ ٨٣٤ ]
والرفع بمنزلة: كان سيري فإذا أنا أدخلها وهذا لا يجوز؟
وما حكم: كان سيري سيرًا متعبًا حتى أدخلها؟ ولم جاز بالرفع والنصب؟
وما حكم (حتى) في إشراكها الفعل الذي بعدها ما قبلها كما تشرك الفاء؟ ولم وجب: لم أجئ فأقل، لم يجز: لم أجئ حتى أقل، إذ كانت / ١٠٥ ب تعطف الاسم على الاسم؟ فلم جاز أن تعطف اسمًا على اسم، ولم يجز أن تعطف فعلًا على فعل؟ وهل ذلك لأنها تعطف في تعظيم أو تحقير، ولا تعطف في غير ذلك، ولو قلت: ضربت زيدًا حتى عمرًا، لم يجز؟
وهل يلزم من العطف امتناع: كان سيري أمس شديدًا حتى أدخل، كما يمتنع: فأدخل على العطف؟
وهل يجوز: كان سيري أمس حتى أدخلها، بالرفع؟
ولم جاز أن يقع (يفعل) في موضع (فعل) في بعض الكلام؟ وهل ذلك لأنه
[ ٨٣٥ ]
قد يكون فعل يتطاول، فيصح فيه: يفعل، ليدل على ما وقع منه، وما لم يقع، ويصلح فيه: فعل، ليدل على ما وقع منه نحو: يجعل الله الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا، وجعل الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا؟
وما الشاهد في قول رجل من بني سلول:
ولقد أمر على اللثيم يسبني فمضيت ثمت قلت لا يعنيني؟
ولم جاز (أمر) في موضع: مررت؟ وهل ذلك لأن المعنى: إن من شأني المرور في الماضي والمستقبل؟
وما حكم: أيهم سار حتى يدخلها؟ ولم جاز بالرفع، ولم يجز: أسار زيد حتى يدخلها؟ وهل ذلك لأن: أيهم سار، فيه ادعاء وقوع سير، وكذلك: أين الذي سار حتى يدخلها؟
[ ٨٣٦ ]
ولم جاز: ما سرت حتى دخلت، ولم يجز: ما سرت حتى أدخل؟ وهل ذلك لأنها خارجة عن الموضع الذي تكون فيه ناصبة للفعل إلى الرفع، فلم تخرج عنه وبعدها الفعل المضارع إلا إلى ما يُشاكل الأصل، وهي هاهنا إذا دخلت على الفعل الماضي على خلاف تلك الجهة، وإنما دخلت على ماضٍ مع ماضٍ، فصارت بمنزلة: ما سرت فدخلت، فإذا دخلت على ما قد أمن أن تعمل فيه، خرجت عن حد أخواتها، وصارت على حكم آخر، وهو دخولها على الماضي، فهي إذا نقلت الفعل نقلين: إلى الاستقبال والغاية ناصبة، لأنها على قياس أخواتها من حروف النصب، وإذا كان الفعل المضارع بعدها للحال، صارت بمنزلة (إذن) إذا كان الفعل بعدها للحال، وإذا دخلت على الماضي، فليس يحتاج معها إلى أن يكون الأول سببًا للثاني، لأنها قد خرجت عن حد الغاية التي هي بمعنى: إلى أن، وعن المضارع الذي تصلح فيه الغاية، ألا ترى أنه يجوز: وقفت حتى طلعت الشمس، ولا يجوز: وقفت حتى تطلع الشمس؟ .
الجواب:
الذي يجوز في حتى التي يرتفع الفعل بعدها إجراؤها على الحال والسبب المؤدي إلى الفعل الذي بعدها، لأنها إذا كانت للحال لم يجز أن تنصب لخروجها عن حد أخواتها في النصب كخروج: إذن، وإذا كانت للسبب المؤدي
[ ٨٣٧ ]
إلى الثاني، صلح فيها الرفع، للفرق بين تقدير الغاية بمعنى: إلى أن، وبين ما هو للحال.
ولا يجوز الرفع بها في غير الواجب من النفي والاستفهام أو غيرهما، ومعنى الواجب: الدال على الواقع في ماض، أو حاضر، أو مستقبل.
وتقول: أرى زيدًا سار حتى يدخلها، فيجوز بالرفع، والنصب، ومن النحويين من لا يجيز الرفع في هذا، لأن المتكلم لما لم يكن متيقنًا، صار بمنزلة النفي، وسيبويه يجيزه، لأن الغالب كاللازم في سائر أبواب العربية، فلما غلب عليه أن السير قد وقع، صار بمنزلة الواقع لا محالة.
وتقول: كنت سرت حتى أدخلها، فيجوز بالرفع والنصب، وبعض النحويين لا يجيز الرفع، لامتناع القلب من جهة أنها حرف من حروف الابتداء، فإذا لم يجز القلب، خرجت عن حروف الابتداء، فيجيز: سرت حتى أدخلها، لأنه يجوز: حتى أدخلها سرت، ولا يجيز في: كنت.
والصواب: جواز الرفع على مذهب سيبويه، لأنه يجوز: كنت حتى أدخلها سرت إذ هو في موضع الحال التي يعمل فيها: سرت، بمنزلة قولك: كنت
[ ٨٣٨ ]
سرت وأنا مصاحب لزيد.
وتقول: إنما سرت حتى أدخلها، بالرفع، وإن احتقرت سيرك، فإنه قد وقع منه ما يؤدي الدخول.
وتقول: كثر ما سرت حتى أدخلها، بالرفع، ومن النحويين / ١٠٦ ب من لا يجيز إلا النصب، لأنه على معنى ضروب من السير، فلا يتحصل السير الذي هو سبب.
والصواب جوازه على مذهب سيبويه، لأن أحد تلك الأضرب من السير هو المؤدي إلى الدخول، وإن لم يعرف بعينه.
وتقول: قلما سرت حتى أدخلها، إذا ذهبت بقلما مذهب النفي، فليس إلا النصب بمنزلة: ما سرت فأدخلها، وهو مذهب للعرب معروف، ويدل عليه قولهم: قلما سرت فأدخلها، فينصب بالفاء على جواب النفي، ولا يجوز: سرت فأدخلها.
ولهم فيه مذهب آخر على نقيض: كثر ما سرت، فيثبت إذا قال: قلما سرت، سيرًا قليلًا على النقيض، فعلى هذا المذهب يجوز: قلما سرت فأدخلها،
[ ٨٣٩ ]
بالرفع.
والأخفش يجيز: ما سرت حتى أدخلها، بالرفع من طريق القياس، مع اعترافه أن العرب لم تتكلم بالرفع إلا في الواجب، فقاسها على الفاء.
وليس يصح هذا القياس، للعلة التي بينا من أن حتى إذا دخلت على المضارع، فلها وجهان:
أحدهما: أن تكون غاية، بمنزلة: إلى أن، أو كي.
والآخر: أن تكون على شبه الغاية من السبب المؤدي إلى المسبب.
وليس كذلك الفاء، لأنه ليس فيها ما يقتضي أن يكون الفعل الأول سببًا للثاني في غير الجزاء، فلهذا جاز: ما سرت فأنا أدخل ما أمنع، ولم يجز: ما سرت حتى أدخل ما أمنع، للفرق الذي بينا.
وتقول: كان سيري حتى أدخلها، ولا يجوز بالرفع، لأنه يبقى (كان) بغير خبرٍ.
ويجوز: كان سيري سيرًا متعبًا حتى أدخلها، بالرفع والنصب، وكذلك:
[ ٨٤٠ ]
كان سيري أمس حتى أدخلها، بالرفع إذا جعلت أمس خبر: كان، ولم تجعله من صلة: سيري، وإن جعلته من صلة: سيري، لم يجز.
ولا يجوز في حتى أن تعطف فعلًا على فعل، لو قلت: لم أجئ حتى أقل، لم يجز، ويجوز: لم أجئ فأقل، لأنها في العطف لا تكون إلا لتحقير أو تعظيم يخرج من جملة المذكور، كقولك: قدم الناس /١٠٧ أحتى المشاة والصبيان، وخرج الناس حتى الأمير، ولو قلت: ضربت زيدًا حتى عمرا، لم يجز.
وقال رجل من بني سلول:
ولقد أمر علي اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
فجعل (أمر) في موضع: مررت، لأن المعنى: من شأني المرور في الماضي والمستقبل، فجاز لهذه العلة، وهذا الموضع أولى بمررت، لمشاكلة: فمضيت ثمت قلت.
وتقول: أيهم سار حتى يدخلها؟ بالرفع، لأن فيه ادعاء وقوع سير، وكذلك: أين سار حتى يدخلها؟ ومتى سار حتى يدخلها؟
[ ٨٤١ ]
ولا يجوز: أسار حتى يدخلها؟ لأنه ليس فيه ادعاء وقوع سير.
وتقول: ما سرت حتى دخلت، فيجوز في الماضي أن لا يكون الفعل الأول سببًا للثاني، لأنه لم يخرج عن [غاية] إلى ما يشاكلها، فيجب له معنى السبب، فصار بمنزلة: ما سرت فدخلت، ولذلك جاز: وقفت حتى طلعت الشمس، ولم يجز: وقفت حتى تطلع الشمس، بالرفع، لأن (تطلع) نقل عن: إلى أن تطلع، فلم ينقل عن الغاية إلا إلى منتهى مسبب كالغاية في المكان، وليس كذلك الماضي.
[ ٨٤٢ ]