الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في حتى التي يكون العمل فيها من اثنين مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في حتى التي يكون العمل فيها من اثنين؟ وما الذي لا يجوز؟
ولم ذلك؟ ولم لا يجوز أن يكون العمل من اثنين في حتى كالعمل من واحد؟ وهل ذلك لأن الغالب في العمل من اثنين أن لا يكون فعل أحدهما سببًا مؤديًا إلى فعل الآخر كما يكون في فعل الواحد؟
وما حكم: سرت حتى يدخلها زيد؟ ولم كان الأظهر في هذا النصب حتى يقوم دليل بأن سيرك أدى إلى دخول زيد؟
وما حكم: سرت حتى تطلع الشمس؟ ولم لا يجوز بالرفع أصلًا؟ وهل ذلك لأن السب لا يجوز أن يكون سواء وجوده /١٠٧ ب وعدمه في أن المسبب يوجد لا محالة؟
وما حكم: سرت حتى يدخلها ثقلي، وسرت حتى يدخلها بدني؟ ولم
[ ٨٤٣ ]
كان الوجه في هذا الرفع؟
وما الفرق بين قراءة مجاهد: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾. بالرفع، وبين قراءة غيره بالنصب؟ وهل النصب على الغاية من غير سبب، والرفع على أن الزلزلة هي سبب قول الرسول؟
وما حكم: سرت حتى يدخلها زيد وأدخلها؟ ولم لا يجوز الرفع في: وأدخلها، إذا كان سيرك قد أدى إلى دخولك؟ وهل ذلك لأنه لا يصح العطف بمرفوع على منصوب لا موضع له سوى النصب؟
وما حكم: سرت حتى أدخلها ويدخلها زيد؟ ولم لا يجوز إلا بالرفع إذا رفعت الأول؟ وهل ذلك لأنه لا يعطف منصوب على مرفوع؟
[ ٨٤٤ ]
وما حكم: سرت حتى أدخلها وحتى يدخلها زيد، وسرت حتى أدخلها وحتى تطلع الشمس؟ ولم جاز نصب الثاني مع إعادة حتى، ولم يجز مع ترك إعادتها بالحمل على التأويل؟ وهل ذلك لأنها ليست في تأويل الناصبة، إذ المعنى مختلف، وكذلك التقدير مختلف أيضًا؟
وهل يجوز: سرت حتى أدخلها وتطلع الشمس؟ ولم لا يجوز على مذهب من قال: رب رجل وأخيه؟ وهل ذلك لأن المعنى والتقدير مختلف في حتى؟
وما وجه قول الأخفش: إن حتى التي ترفع ما بعدها ليست حتى التي تنصب ما بعدها؟ وما الصواب فيه؟ وهل وجهه أنه رأى الأحكام تختلف فيها، والصواب أن تكون واحدة، وإن اختلفت الأحكام لأنها ترجع إلى تقديرات مختلفة، وليس كذلك كل حرف، لأن لام الإضافة لا يجوز أن تكون هي لام الابتداء، لأن اختلاف
[ ٨٤٥ ]
الأحكام لا يتوجه إلا على اختلاف الوضع على تقدير حرفين مختلفين لمعنيين مختلفين، وليس كذلك حتى لأن اختلاف الأحكام على جهة اختلاف التفريع؟
وما حكم: سرت إلى يوم الجمعة وحتى أدخلها؟ ولم جاز مع أن الثاني لا يشاكل الأول؟ وهل ذلك لأنه على عطف /١٠٨ أجملة على جملة باختلاف المعنى؟
وما الشاهد في قول امرئ القيس:
سريت بهم حتى تكل مطيهم وحتى الجياد ما يقدن بأرسان؟
وهل ذلك شاهد في رفع الفعل بعد حتى مع العطف على حتى التي نصب الفعل بعدها؟
وما حكم: سرت وسار حتى يدخلها؟ ولم جاز بالرفع مع انفصال سيرك من
[ ٨٤٦ ]
سيره؟ وهل ذلك لأنه بمنزلة: سرنا حتى ندخلها؟
وما حكم: سرت حتى أسمع الأذان؟ ولم لا يجوز بالرفع؟ وهل ذلك لأنه بمنزلة: سرت حتى يؤذن الناس، فذكر السمع هاهنا ليس معتمد الكلام؟
وما حكم: سرت حتى أكل؟ ولم جاز بالرفع، ولم يجز: سرت حتى أصبح، إلا بالنصب؟
الجواب: الذي يجوز في حتى التي العمل فيها من اثنين إجراؤها على أن الأول إذا لم يصلح أن يكون سببًا أدى إلى الثاني، امتنع الرفع من الثاني، كقولك: وقفت حتى تطلع الشمس، لا يجوز مثل هذا إلا بالنصب، لأن وقوفك لا يؤدي إلى طلوع الشمس، لأنه سواء كان أو لم يكن فالشمس تطلع في وقتها.
فلا يجوز في مثل هذا الرفع لأنه لا يكون الرفع إلا والفعل الأول أدى إلى وقوع الثاني، لتكون على قياس أصلها في الغاية، والذي يجمعهما المنتهى، إلا أن الغاية منتهى مجرد من معنى المسبب كتجريد: وقفت حتى تطلع الشمس، فمنتهى وقوفك طلوع الشمس، وليس بسبب له، فهذا غاية ومنتهى مجرد، فأما: سرت
[ ٨٤٧ ]
حتى أدخلها ما أمنع، فهو منتهى سيرك، الأول سبب للثاني، والمعنى معنى الحال، فلما أخرجت إلى معنى الحال، لم يكن بد من أن يشاكل بها معنى الغاية التي هي على تقدير: إلى أن.
وإنما جرى هذا فيما كان العمل فيه من اثنين، لأن الأغلب عليه أن لا يكون أحد العملين سببًا للآخر إذا كان من اثنين.
وتقول: سرت حتى يدخلها زيد، بالنصب، لأن الأظهر أن لا يكون سيرك / ١٠٨ ب سببًا لدخول زيد، فإن كان سببًا له بأنك حملته حتى دخل، أو سألته في ذلك، أو ما جرى هذا المجرى مما يؤدي فيه السير الذي كان منك إلى دخول زيد جاز الرفع، كأنك سألته حتى سار معك، فصار بمنزلة: سرنا حتى ندخلها.
فأما: سرت حتى تطلع الشمس، فليس فيه إلا النصب.
وتقول: سرت حتى يدخلها ثقلي، وسرت حتى يدخلها بدني، فالرفع في هذا أحسن.
وقرأ مجاهد: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالرفع على أن الزلزلة سبب أدى إلى قول الرسول.
وأما قراءة الناس بالنصب، فعلى معنى الغاية، كأنه قيل: وزلزلوا إلى أن يقول الرسول فهو منتهى الزلزلة على معنى الغاية المجردة من تضمن السبب، وإن كان في حقيقة معناه قد كانت الزلزلة سببًا لقول الرسول.
[ ٨٤٨ ]
وتقول: سرت حتى يدخلها زيد وأدخلها، لا يجوز في الثاني إلا النصب، لأنه معطوف على منصوب ليس له موضع غير النصب.
وتقول: سرت حتى أدخلها ويدخلها زيد، فلا يصلح في الثاني النصب بالحمل على التأويل، لأن الأول مرفوع لا تأويل له إلا بالرفع.
وتقول: سرت حتى أدخلها وحتى يدخلها زيد، فهذا يجوز إذا ذكرت (حتى) ثانية، لأنها تكون على تقدير الغاية، وتكون الأولى على تقدير حرف الابتداء.
وتقول: سرت حتى أدخلها وحتى تطلع الشمس، كل هذا يجوز إذا ذكرت حتى ثانية، لأن التقدير يصح في أن تكون الأولى حرفًا من حروف الابتداء، [والثانية غاية، ولا يصح أن تكون حرفًا من حروف الابتداء]، وهي غاية في حال واحدة.
ولا يجوز: سرت حتى أدخلها وتطلع الشمس، على مذهب من قال: رب رجل وأخيه، لأن التقدير في هذا: رب رجل وأخ له، ولا يصح التقدير في حتى /١٠٩ أعلى أن تكون حرفًا من حروف الابتداء، وهي مع ذلك غاية على تقدير: إلى أن.
والأخفش يذهب إلى أن حتى التي ترفع ما بعدها ليست حتى التي تنصب ما بعدها.
[ ٨٤٩ ]
ووجه قوله في ذلك أنها وإن كانت الصيغة واحدة فمنزلتها كمنزلة لام الابتداء ولام الإضافة في اختلاف المعاني والأحكام، وذلك يوجب أن لام الابتداء غير لام الإضافة، وإن كانت الصورة واحدة.
والصواب مذهب سيبويه في أنها واحدة، لأن اختلاف الأحكام والمعاني إذا لم يتوجه إلا على اختلاف وضع الحرف، صار بمنزلة حرفين مختلفين في الصورة فلهذا كانت لام الابتداء غير لام الإضافة، وليس كذلك حتى في حروف الابتداء وحروف الغاية، لأنها إنما تختلف الأحكام فيها والمعاني بحسب ما يصحبها من: أن، أو تجريدها من هذا الحرف، وذلك لا يخرجها من أن يكون أصل وضعها على حد واحدٍ، فتكون حرفًا واحدًا ليس بمنزلة لام الابتداء ولام الإضافة، ولكن بمنزلة الحرف الذي تصحبه: أن، فينصب به، ويجرد من: أن، فلا ينصب به، وذلك كحروف العطف في: الواو، والفاء، وأو.
وتقول: سرت إلى يوم الجمعة وحتى أدخلها، فتعطف بحرف الابتداء على حرف الغاية، وإن خرج عن المشاكلة، لأنه عطف جملة على جملة باختلاف المعنى.
وقال امرؤ القيس:
سريت بهم حتى تكل مطيهم وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
[ ٨٥٠ ]
فهذا شاهد في أنه يصلح أن يعطف بها، وهي حرف من حروف الابتداء عليها وهي حرف على معنى الغاية.
وذكر سيبويه أن هذه التي يبتدأ بعدها الاسم هي التي يرفع بعدها الفعل، وذلك يدل على أنها في الموضعين حرف من حروف الابتداء.
وتقول: سرت وسار حتى ندخلها، فظاهر هذا التفصيل يقتضي أن الفعلين لم يجتمعا في معنى السبب، ولكن قد أجاز / ١٠٩ ب سيبويه الرفع على أنه فصل للتأكيد، ومعناه: [سرنا] حتى ندخلها، فهذا لا يمتنع.
وتقول: سرت حتى أسمع الأذان، فوجهه سيبويه على النصب، ولم يسوغ في مثل هذا الرفع، ووجه ذلك أنه كلام مبني على الغرض، إذ الغرض في هذا: سرت حتى يؤذن الناس، وإنما دخل (أسمع) على
ضرب من ضروب التأكيد، وليس يمتنع لو كان غرضه أن يسمع الأذان، لا الأذان يرفع، لأنه يصير سيره أدى إلى سماعه الأذان هناك، ولو لم يسر لم يسمع الأذان في ذلك الموضع، وهذا شبيه باللغز لخروجه عن أغراض الناس في غالب الأمر.
وتقول: سرت حتى أكل، لأن سيرك أدى إلى الكلال.
وسرت حتى أصبح، لا يجوز إلا بالنصب، لأن سيرك لا يؤدي إلى الصبح، إنما يؤدي إليه طلوع الفجر.
[ ٨٥١ ]