الغرضُ فيه:
أن يُبيَّنَ ما يجوزُ في عاملِ الرفعِ في الفعلِ المضارعِ مما لا يجوزُ.
مسائلُ هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في عاملِ الرفعِ في الفعل المضارع؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولمَ ذلك؟
ولمَ لا يجوزُ أن يعملَ فيه الرفعَ فقدُ الجازمِ والناصب على ما يقولُه بعضُ النحويينَ؟ وهل ذلك لأن المنفيَّ لا يكونُ عاملًا، مع أنه لا يحتاج مع نفيه إلى أن يدلَّ على أنَّه منفيٌّ من الكلامِ، وإنَّما الإعرابُ بيانٌ يُفرقُ بين المعاني المختلفةِ من معاني الكلامِ، ومع أنه إذا ضعُف الشيءُ؛ لم يكن عاملًا كما لا يعملُ السينُ وسوفَ؛ لضعفِ نقلهما الفعلَ، فتعملُ أن، ولن؛ لقُوةِ نقلهما بوجهينِ، فانتفاءُ العاملِ أضعفُ شيءٍ في أن يُوجهَ العملُ إليه؟ .
ولمَ كانَ عاملُ الرفعِ في الفعلِ هو وقوعُه موقعَ الاسمِ؟ وهل ذلك لأنه يُحتاجُ أن يفرقَ بين الموقعِ الذي يقعُ فيه الاسمُ، وبين الموقعِ الذي لا يقعُ فيه الاسمُ؛ إذ كانَ تأليفُ الكلامِ من أكبرِ الدلالاتِ فيه، فاختلافُ المواقعِ من أكبرِ ما يُحتاجُ إليه في تأليفِ الكلامِ؛ حتى يصحَّ به البيانُ عن المعنى؟ .
[ ٧٩٧ ]
وما مَوقعُ الاسمِ الذي هو أحقُّ به من الفعلِ؟ وهل ذلك الموقعُ الذي يعملُ فيه عاملُ الاسمِ؟ .
وما قسمتُه؟ ولمَ كانَ موقع المبتدأ، وخبرِ المبتدأ، وموقعُ المفعولِ، وموقعُ الصفةِ، وموقعُ الحالِ، وموقعُ المضافِ إليه؛ أحقَّ بالاسمِ مع جوازِ وقوعِ الفعلِ فيه؟ .
ولمَ لا يجوزُ أن يقعَ الفعلُ في كُلِّ موضعٍ يصلحُ أن يقعَ فيه الاسمُ؟ وهل ذلك لأنَّ من المواقع ما يستحيلُ أن يقعَ فيه الفعلُ كموقعِ الفاعلِ؛ لأنه معتمدُ البيانِ عن الفعلِ، وصلحَ أن يقعَ في موقعِ المفعولِ إذا كان /٩٧ ب للفائدة، ولم يصلح أن يقعَ موقعَ المفعولِ إذا كان للبيانِ فقط؟ .
ولمَ كان موقعُ الاسمِ أحقَّ بعاملِ الرفعِ في الفعل؟ وهل ذلك لأنَّه الأولُ كما أنَّ الرفعَ أولٌ؛ فلهذا وجبَ أن يكونَ عاملَ الرفعِ؟ .
ولمَ وجبَ الرفعُ في: يقولُ زيدٌ ذاك، وفي: زيدٌ يقولُ ذاك، وفي: مررتُ برجلٍ يقولُ ذاك، ومررتُ بزيدٍ يقولُ ذاك، وهذا يومُ آتيك، وحسبتُه ينطلقُ؟ فما العللُ في رفعِ الفعلِ في هذه المواقعِ؟ .
وما حُكمُ: هلاّ يقولُ زيدٌ ذاك؟ ولمَ وجبَ في الفعلِ الرفعُ بعد: هلاّ، وليس من
[ ٧٩٨ ]
مواقعِ الاسمِ؟ وهل ذلك لأنه من مواقعهِ في القياسِ، وإن لم يكُن من مواقِعِه في الاستعمالِ؛ إذ كُلُّ حرفٍ منفصلٍ غير عاملٍ فالاسمُ يصلحُ بعدهُ [في] القياسِ، إلا إن يعرض مانعٌ، فلا يُخرجه من أن يكونَ الموقعُ لهُ في القياسِ، وإن عرضَ ما يمنعُ منه، كما يعرضُ في: أيَّهم ضربتَ؟ أن يقعَ في موقعِ المفعولِ، وله موقعُ التأخيرِ بحقِّ المفعولِ، وقد منعَ منه حرفُ الاستفهامِ؟ .
ولمَ كانَ (هلا) من الحروف المُنفصلةِ، ولم يكن (سوفَ) من الحروفِ المُنفصلةِ؟ وهل ذلك لأن تقديرهَ تقديرُ الزائدِ في حشوِ الكلمةِ، وليس كذلك: هلاّ، ودليلُه: هلاّ زيدًا ضربتَ، ولا يجوزُ: سوفَ زيدًا ضربتَ؟ .
وما المانعُ من أن يكونَ (هلاّ) للاسمِ، فيكونَ الموقعُ بعده موقعَ الاسم؟ وهل ذلك ما دخَلَه من معنى التحضيضِ على الفعلِ، وأصلُه الاستفهامُ؟ .
وما حُكمُ: ائتني بعدَ ما تفرغُ؟ ولمَ كان هذا الموقعُ للاسمِ مع أنَّ (ما) والفعلَ بمنزلةِ المصدرِ؟ .
ولمَ جاز: ائتني بعدَ ما زيدٌ أميرٌ، من غير عائد إلى: ما، ولم يَجُز مثلُ ذلك في: الذي، فلم يجُز: بعدَ الذي زيدٌ أميرٌ، حتى تذكُر عائدًا إلى: الذي، فتقولَ: بتوليته، أو ما جَرى هذا المجرى؟ وهل ذلك لأن (ما) حرفٌ في هذا الموضع، كما أنَّ [أنْ] حرفٌ، فلا /٩٨ أيحتاج إلى عائدٍ، إلا أنه ينقلُ الفعلَ نقلينِ، فيعملُ فيه، وليس كذلك: ما؟
[ ٧٩٩ ]
وهل يلزمُ من ذهبَ إلى أن الفعلَ يرتفعُ بالابتداءِ أن ينصبه بعاملِ الاسمِ، ويجُره، كما أعملَ الابتداءَ وهو عاملُ الاسمِ؟ .
وما حُكمُ: كُدتُ أفعلُ، وكربَ يفرغُ؟ ولم كانَ هذا من مواقعِ الاسمِ؟ وهل ذلك لأنه في مواقعِ المفعولِ؛ إذ الأصلُ: كُدتُ أن أفعلَ، ولكن حُذفت: أن؛ لأنَّه في الأصلِ: قاربَ أن يفعلَ، ولكنَّ المبالغةَ في التقريبِ أوجبت حذف: أن، فهو في موقعِ الاسمِ في القياسِ، وإن لم يُستعمل في هذا الموضع الاسمُ، وكذلك: كربَ يفعلُ، وعسى يفعلُ، كل هذه المواقع للاسم في القياس؛ لأنها مواقعُ المفعولِ، وإن منعَ من الاسم مانعٌ عارضٌ؟
ولمَ جاز في (بلغني أنَّ زيدًا جاءَ): بلغني مجيءُ زيدٍ، وبم يجُز في (لو أنَّ زيدًا جاء لكان كذا وكذا): لو مجيءُ زيدٍ، مع أنَّه على تقديره؟ وهل ذلك لأنَّ (لو) تطلبُ ما فيه الفائدةُ، و(بلغني) يطلب ما هو للبيان، فـ (لو) للفعلِ أو الجملةِ
[ ٨٠٠ ]
التي فيها فائدة على تقدير المفراد، إذ أصله للفعل الماضي.
ولم جاز: ما أحسن زيدًا، ولم يجز ما محسن زيدًا.
وما حكم جعل يقول ذاك؟ ولم كان (يقول) في مواقع الاسم هاهنا.
ولم لا يجوز: كدت أن أفعل، إلا في شعر، كما قال الشاعر:
قد كاد من طول البلى أن يمصحا
ولم جاز: أخذ يقول ذاك، وهل هو بمنزلة: آثر أن يقول ذلك، وكذلك جعل يقول ذاك.
وما قسمة المواقع.
[ ٨٠١ ]
الجواب:
الذي يجوز في عامل الرفع في الفعل المضارع أن يكون موقع الاسم الذي الاسم أحق به في الأصل، ليفرق بين الموقع الذي هو للاسم، وإن صلح أن يقع فيه الفعل، وبين الموقع الذي ليس للاسم أصلًا.
واقتضى ذلك أن يكون عاملًا للرفع، لأن الرفع أول، وموقع الاسم أول، وكان أحق بأن يكون عامل / ٩٨ ب الرفع، لهذه العلة.
ولا يجوز أن يكون عامل الرفع فقد الجازم والناصب، لضعف المنفي عن أن يكون عاملًا، مع أنه إذا ظهر فلم يعمل الرفع، فهو إذا لم يكن موجودًا أحق بأن لا يعمل الرفع.
وموقع الاسم الذي يصلح أن يقع فيه الفعل هو الموقع الذي يعمل فيه عامل الاسم مع أنه يصلح أن يقع فيه ما هو للفائدة، وإن كان الأصل فيه أن يكون لما هو للبيان، فالموقع الذي يعمل فيه عامل الاسم هو للاسم، لأن الاسم أول، فهو له
[ ٨٠٢ ]
قبل حدوث الفعل.
وليس كل موقع يقع فيه الاسم فهو مما يصلح أن يقع فيه الفعل، لأن موقع الفعل لا يصلح للفعل، إذ يستحيل دخول فعل على فعل، من أجل أن الفعل يقتضي معتمد البيان، والفعل للفائدة، فلا يدخل فعل على فعل.
والموقع الذي هو للاسم ويصلح فيه الفعل على ستة أوجه موقع: المبتدأ، وموقع خبر المبتدأ، وموقع المفعول الذي يصلح لما فيه الفائدة، وموقع الصفة، وموقع الحال، وموقع المضاف إليه.
وترفع: يقول زيد ذاك، لأنه في موقع المبتدأ، وترفع: زيد يقول ذاك لأنه موقع خبر المبتدأ، وترفع: مررت برجل يقول ذاك، لأنه في موقع الصفة، ومررت بزيد يقول ذاك، لأنه في موقع الحال، وترفع هذا يوم آتيك لأنه في موقع المضاف إليه، وترفع حسبته ينطلق لأنه في موقع المفعول.
وتقول: هلا يقول زيد ذاك، فترفع يقول [لأنه في] موقع الاسم في الأصل، إذا (هلا) حرف غير عامل، وهو منفصل مما يدخل عليه، وكل حرف غير عامل مع
[ ٨٠٣ ]
أنه منفصل فهو في الأصل للاسم بحق الأولية في الاسم، وإن كان في الاستعمال لا يدخل إلا على الفعل المانع منع الاسم على جهة العارض، وذلك أنه دخله معنى التحضيض على الفعل، وأصله الاستفهام، فالأصل في الموضع يعمل عليه كما يعمل على الأصل في قياس النظائر، وقد يعمل على الأصل في الاستعمال، وكل ذلك بحسب مقتضى الأصول الثلاثة، وهي: الأصل في الموضوع، والأصل في قياس النظائر، والأصل في الاستعمال.
ومما يوضح المانع على جهة العارض قولهم: أيهم ضربت؟ فتنصب لأنه مفعول، وموقع المفعول التأخير، وقد منع من التأخير مانع، ولم يخرجه ذلك من أن يكون الموقع له في الأصل.
وتقول: ائتني بعد ما تفرغ، فترفع الفعل، لأنه في موقع الاسم إذا قلت: ائتني بعد ما زيد أمير، و(ما) هاهنا بمنزلة (أن) في أنها حرف، إلا أنها لا تعمل في الفعل كما [لا] يعمل: سوف، وهي منفصلة مما تدخل عليه، فهي بالاسم أحق في الأصل.
وتقول: كدت أفعل، فترفع الفعل، لأنه وقع موقع الاسم في الأصل، إذ هو في موضع المفعول، كقولك: كدت أن أفعل، بمنزلة قاربت أن أفعل، إلا أنه حذفت
[ ٨٠٤ ]
لمبالغة التقريب في: كدت، وكذلك: كرب يفعل.
والشاعر إذا اضطر رد [أن] إلى الأصل، كما قال:
قد كاد من طول البلى أن يمصحا
وكذا: عسى يفعل، وهو في عسى أبين، لأن الاستعمال: عسى أن يفعل، وحذف (أن) فيه قليل، كما أن ذكر (أن) في: كدت، قليل.
ويجوز: ما أحسن زيدًا، ولا يجوز: ما محسن زيدًا، لأنه قد عرض فيه مانع من التصرف، ولم يخرجه عن حد الفعل، فكذلك قد عرض ما يمنع من أن، ولم يخرجه ذلك عن موقع الاسم.
وتقول: جعل يقول ذاك، فترفع الفعل، لأنه في موقع المفعول، إذ المعنى: آثر أن يقول ذاك، وكذلك: أخذ يقول ذاك، بهذه المنزلة.
[ ٨٠٥ ]
وقسمة المواقع على ثلاثة أوجه: موقع لا يقع فيه إلا الاسم، وموقع لا يقع فيه إلا الفعل، وموقع للاسم يصلح أن يقع فيه الفعل،وإنما كان للاسم بحق الأولية، وأنه يعمل فيه عامل الاسم.
[ ٨٠٦ ]