الغرض فيه:
أن يُبين ما يجوزُ فيما يمتنعُ فيه الفَصْلُ مما لا يمتنعُ.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوزُ فيه الفصلُ؟ وما الذي لا يجوزٌ: ولِمَ ذلك؟ .
ولم لا يجوزُ الفصلُ في النكرةِ، ولا الحالِ، ولا المفعولِ الذي ليس بخبرً؟ .
وما حُكْمُ: ما أظنُ أحدًا هو خيرٌ منك؟ ولِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ (هو) فصلًا في هذا الموضعِ، ولا: ما أجملُ أحدًا هو أفضلُ منك؟ .
وما نظيره من امتناعِ التأكيدِ به نكرةً، ومن أنَّ: كلهم، وأجمعينَ؛ لا ي﴾ كدُ به نكرةٌ؟ .
[ ٦٩٣ ]
وما وجهُ قراءة ابن مروان: ﴿هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]؟ ولِمَ لحنه أبو عمرو؟ وهل ذلك لأنه جعل الفصلَ في الحالِ؟ .
ولِمَ وَجَبَ في الفصلِ أنْ يكونَ حرفًا؟ وهل ذلك لأنه لو كان اسمًا في هذا الموقعِ؛ احتاجَ إلي خبرٍ، ولكانَ لابُد أنْ يَعْملَ فيه عاملٌ؟ .
وما نظيرُها من الاشتراكِ في الاسمِ والحرفِ؟ .
ولِمَ [لا] يجوزُ: رجلٌ خيرٌ منك، ولا: أظنُ رجُلًا خيرًا منك؟ وما في هذا مما يدلُ على امتناعِ الفصلِ؟ وهل ذلك لأنه إذا لك يَجُزْ في الأصلِ الذي هو الإثباتُ؛ اقتضى ألا يجوزَ في الفرعِ الذي هو النفيُ؛ لأنه للإيذانِ بِمُعْتمدِ الفائدةِ، وهذا يقتضي أنْ يدْخُلَ فيما هو أحقُ بالتكميلِ والتحقيقِ، وليس كذلك الإخبارُ بالنكرةِ عن النكرةِ؟ .
[ ٦٩٤ ]
الجوابُ:
الذي/٧٥ أيجوزُ فيما يمتنعُ فيه الفصلُ أنْ يكونَ ذلك في النكرةِ من الاسمِ والخبرِ؛ لأن الفصلَ للإيذان بمعتمد الفائدة الذي بفصلُها من الصفةِ، وهذا يصلُحُ في المعرفةِ دون النكرةِ؛ لأن النكرةَ لا تكونُ صِفةً للمعرفةِ.
ولا يجوزُ أنْ يكون الفصلُ في الحالِ؛ لأنها نكرةٌ، ولا في المفعولِ الذي ليس بخبرٍ؛ لأنه للبيان، لا للفائدةِ.
ولا فيما جاء بعدَ تمام الكمال؛ لأنه ليس بمعْتمدِ الفائدةِ، وإنما الفصلُ للإيذانِ بمعتمد الفائدةِ.
وتقولُ: ما أظنُّ أحدًا هو خيرٌ منك، فيكونُ (هو) اسمًا مبتدأً، ولا يجوزُ أنْ يكونَ فصْلًا هنا؛ لجلِ أن الاسمَ نكرةٌ، وكذلك: ما أجْعَلُ أحدًا هو أفضلُ منك.
ونظيرُه من امتناعِ التأكيدِ بكلهم، وأجمعينِ، إلا معرفةً.
فأما قراءةُ ابن مروانَ: ﴿هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]؛ فخطأٌ عِنْدَ سائر النحويينَ، وقال أبو عمرو بنُ العلاءِ: «احتبى ابنُ مروانُ في لَحنهِ في هذه
[ ٦٩٥ ]
القراءة»؛ وذلك لنه جعل الفصلَ في الحالِ، وهي فضْلَةٌ في الكلامِ، ونكرةٌ أيضًا، فلا يجوزُ ذلك لما بينا.
والفصلُ حرفٌ؛ لأنه كان اسمًا وقع بين الاسمِ والخبرِ؛ لَوَجَب في الخَبَرِ الرفعُ، ولوجب أن يعمل فيه عاملٌ؛ لأن الاسْمُ لا يخلو من عاملٍ، وليس كذلك الحرفُ.
ونظيرُ الفصلِ في الاشتراكِ بين الاسمِ والحرفِ (ما)، إذا كانتْ صلةً أو نفيًا؛ فهي حرفٌ، وإذا كانتْ استفهامًا أو جزاءً؛ فهي اسمٌ، وكذلك هُوَ، إذا كانَتْ مبتدأةً، وتأكيدًا؛ فهي اسمٌ، وإذا كانت فَصْلًا؛ فهي حَرْفٌ.
ولا يجوزُ: رجلٌ خيرٌ منك، ولا: أظُنُ رَجُلًا خيرًا منك؛ لأنه [إخبار] بالنكرةِ عن النكرةِ بما ليس فيه فائدةٌ، فإذا نُفي صار فيه فائدةٌ، وجاز.
قال: «وهذا يُقوي تَرْكَ الفَصْلِ»، كأنه يذهب إلى أنه إذا لم يَجُزْ في الأصْلِ،
[ ٦٩٦ ]
وهو الإثباتُ؛ اقتضى أنْ لا يجوزَ في الفرعِ؛ وهو النفيُ، فهذا مِقدارُ ما احتجَ به، ووجه ذلك لئلا يكونَ دعوى في أنه لم يَجُزْ في الإثبات لم يَجُزْ في النفي، مع اختلافِ حالهما في أنه يُفيدُ في النفي، ولا يُفيدُ في الإثباتِ، فوجهُ الاعتلالِ أنه لما كان/ ٧٥ ب من الأخبارِ ما قد استوفى شروط القوةِ بإجرائه على الصلِ والفرعِ، وبُلِغَ به أعلى مرتبةٍ بالفصلِ الذي يُؤذِنُ بِمعتمدِ الفائدةِ، ويُزيلُ الإبهامَ في الصفةِ، فهذا وجهُ الاعتلالِ لهذا الذي ذَكَرَ.
[ ٦٩٧ ]