الغرض فيه:
أن يبيَّنَ ما يجوزُ في (من) التي يُستفهمُ بها عن صفةِ المذكورِ على جهةِ النسبةِ مما لا يجوزُ.
مسائل هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في (من) التي يُستفهمُ عن صفةِ المذكورِ على طريقِ النسبةِ؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولم ذلك؟
ولمَ لا يجوزُ إلا حكايةُ الإعرابِ على جهةِ مُطابقةِ السؤال للجوابِ؟ وهل ذلك لأنه مُفردٌ قد اعتمدَ به على ذكرَ الاسمِ المتقدمِ كما يقولُ القائلُ: من رأيتَ؟ فيقولُ المجيبُ: زيدًا، ولو قال: زيدٌ؛ أي: المرئي زيدٌ؛ لم يكن على مُطابقةِ الجوابِ للسُّؤالِ؟ .
وما حُكمُ قول القائلِ: رأيتُ زيدًا، في الاستفهامِ على طريقِ النسبةِ؟ ولمَ جاز فيه: المنيَّ، وفي رأيتُ زيدًا عمرًا: المنيينِ؟؛ فإن ذكرَ ثلاثةً؛ قُلتَ: المنيينِ؟ وإن ذكرَ مجرورًا في: مررت بزيدٍ؛ قُلتَ: المنيِّ؟ .
وما تقديرُه من قولكَ: القرشيَّ أم الثقفيَّ؟، وكذلك في المجرورِ: القُرشيِّ؟ .
ولمَ لا يجوزُ الرفعُ إلاّ على قوله: صالحٌ، في: كيف كُنتَ؟ .
[ ٧٤٥ ]
الجوابُ عن البابِ الأولِ:
الذي يجوزُ في (من) في لحاقِ الزَّيادةِ -إذا استُفهمَ بها عن معرفةٍ- إبطالُ الزيادةِ؛ لأنها علامةٌ للنكرةِ التي هي أحقُّ بها؛ من أجلِ أنها لا تقومُ بنفسها في البيان عن الشيءِ بعينهِ.
ولا يجوزُ أن تلحقَ المعرفةَ؛ لاستغنائها بالبيانِ الذي فيها.
وإذا قال القائلُ: رأيتُ عبدَ الله؛ لم يجُز فيه: منا؟ لأنَّه معرفةٌ.
فإذا قال: رأيتُ رجلًا؛ قُلتَ: منا؟
وإن قالَ: رأيتُه، أو رأيتُ الرجُلَ؛ قُلتَ: من هُوَ؟ ومن الرجلُ؟ .
فأمَّا بعضُ العرب فوجه قوله: منينَ؟ بعد ذكر القائلِ: ذهب معهُم؛ فإنما هو على أنه نزَّلهُ تنزيل النكرةِ؛ لأنَّ المُتكلمَ وضعَ المعرفةَ على غير حقها، فأجراه مجرى النكرةِ.
وكذلك لما قال: رأيتُه، فقال: منا؟ ورأيتَ منا؟ إنَّما هو على أنه قدَّره تقديرَ النكرةِ، كأنه قال: رأيتُ رجلًا، فسألهُ عن ذلك الحدِّ.
[ ٧٤٦ ]
الجوابُ /٨٦ أعن البابِ الثاني:
الذي يجوزُ في الاستفهامِ عن العلمِ المذكورِ الحكايةُ على مذهبِ أهلِ الحجازِ، والاستئنافُ بالرفعِ على مذهبِ بني تميمِ.
ولا يجوزُ في كُلِّ معرفةٍ أن تجرىَ مجرى العلمِ في الحكايةِ؛ لأنَّ العلمَ أعرفُ وأكثرُ، فاقتضى له ذلك سلامةَ لفظه بما ليس لغيره، كما اقتضى له جمعَ السلامةِ، ولم يجُز ذلك في: الرجلِ، وإن كان مما يعقلُ.
وإذا قال القائلُ: رأيتُ زيدًا، أو قال: مررتُ بزيدٍ، أو هذا زيدٌ؛ قُلتَ: من زيدًا، ومن زيدٍ، ومن زيدٌ؟ على الحكايةِ في مذهبِ أهلِ الحجاز.
وأما بنو تميم فيقولونَ: من زيدٌ؟ على كُلِّ حالٍ، وهو أقيسُ معنى، وأجرى في النظائر؛ إذ قياسُ الاستفهامِ أن يُستأنفَ الكلامُ به.
ومذهبُ أهلِ الحجازِ أبينُ؛ لأنه قد يعرضُ فيه تنكيرٌ، فيحتاجُ إلى علامةٍ تُنبئُ عن أن الاستفهامَ إنَّما هو عن المذكورِ، لا عمَّا شاركه في اسمهِ، فهذا قياسٌ مُطردٌ في الاستفهامِ عن المذكورِ العلمِ.
[ ٧٤٧ ]
وليس بمنزلةِ: دعنا من تمرتان، وليس بقُرشيًا؛ لأنَّ السائلَ يقتضي بيانًا من المجيبِ عن من ذُكرَ، لا عن غيرهِ ممن شاركهُ في اسمهِ، فهو أحوج إلى الحكايةِ مما لا يقتضي جوابًا.
وإذا قال: رأيتُ عبدَ اللهِ؛ قلتَ: من عبدَ اللهِ؟ ولا يجوزُ مثلُ ذلك إذا قال: رأيتُ أخا زيدٍ؛ لأن عبدَ اللهِ علمٌ، وأخُو زيدٍ ليس بعلمٍ.
وإذا قال القائلُ: رأيتُ زيدًا وعمرًا، قُلتَ: من زيدٌ وعمروٌ؟ على مذهبِ يونُس بإجماعٍ من العربِ في القياسِ؛ لأنه لما عطفَ طال الكلامُ، واستغنى لما فيه من البيانِ عن الحكايةِ.
ومن النحويينَ من يجيزُ الحكاية في العطفِ، فيقولُ: من زيدًا وعمرًا؟، فإذا قال: رأيتُ زيدًا وأخاه؛ قال: من زيدًا وأخاه؟، وإن قال: رأيتُ أخاه وزيدًا؛ قلتَ: من أخُوه وزيدٌ؟ فهذا حسنٌ؛ لأنَّ العطفَ يقتضي الإتباعَ وحملَ الثاني على الأولِ بما لا يجوزُ لو بناه على العاملِ.
فإذا قال: من عمرًا ومن أخو زيدٍ؟ فليس فيه إلا هذا؛ لأنَّ الكلامَ الأول قد انقطعَ، وخرجَ إلى عطفِ جُملةٍ على جُملةٍ.
[ ٧٤٨ ]
وإذا قال القائلُ: رأيتُ زيدَ بنَ عمروٍ؛ قُلتَ: من زيدَ بنَ عمروٍ؟ على قول يونُس وغيره.
فأما من نوَّن، فقالَ: رأيتُ زيدًا ابنَ عمروٍ؛ فإنه يقولُ: من زيدٌ ابنُ عمروٍ؟ على قولِ يونُسَ، ويحكي على مذهبِ غيره.
وإذا قال: رأيتُ زيدًا، فاستفهمتَ بأيٍّ؛ قُلتَ: أيٌّ زيدٌ؟، ولم تجُز الحكايةُ؛ لأن (أيّ) معربةٌ تقتضي أن يُعربَ الثاني بإعرابها إذا كان هو الأولُ.
واعتلَّ سيبويهِ في هذا بكثرةِ استعمالِ: من، ووجهُ ذلك أنَّ الكثرةَ لا يختلُّ بها الكلامُ إذا غيرَ؛ لقُوةِ البيانِ بالكثرةِ.
وإذا قال: فمن، أو ومن؛ فليس فيه إلا الرفعُ؛ للاستغناءِ عن الحكايةِ بحرفِ العطفِ الذي يدُلُّ على اتصالِ الكلامِ وأنَّ الاستفهامَ عن المذكورِ.
[ ٧٤٩ ]
والجوابُ عن البابِ الثالثِ:
الذي يجوزُ في (من) التي يُستفهمُ بها على طريقِ النسبةِ الإتباعُ للاسمِ الأوَّلِ في الإعرابِ؛ لأنَّه اسمٌ مُفردٌ، اعتُمد به على ما تقدَّمَ من الذكرِ.
ولا يجوزُ الرفعُ على الاستئنافِ إلا على غير مُطابقةِ الجوابِ للسؤالِ، كقول القائلِ: من رأيتَ؟، فيقولُ: زيدًا، فهذا مُطابقٌ، فإن قال: زيدٌ؛ لم يكُن على حدِّ الجوابِ.
وإذا قال: رأيتُ زيدًا؛ قلتَ: المنيَّ؟ فإن قال: مررتُ بزيدٍ؛ قُلتَ: المنيِّ؟ وإن قال: هذا زيدٌ؛ قُلتَ: المنيُّ؟ على الإتباعِ، لا على الاستئنافِ.
وكذلك إن قال: رأيتُ زيدًا وعمرًا؛ قُلتَ: المنيينِ؟ وإن ذكر جماعةً؛ قُلتَ: المنيينَ؟ وتقديره: القرشيَّ أم الثقفيَّ؟ .
وإذا قال: مررتُ بزيدٍ؛ قُلتَ: الثقفيِّ، ولم يجُز الرفعُ إلا على قوله: صالحٌ، في: كيف أصبحتَ؟ .
[ ٧٥٠ ]