الغرضُ فيه:
أن يُبيِّنَ ما يجوزُ في (من) التي يَصلحُ أن يعُودَ إليها ضميرُ الاثنينِ والجميعِ مما لا يجوزُ.
مسائلُ هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في (من) التي يصلحُ أن يعُودَ إليها ضميرُ الاثنينِ والجميعِ؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا يجوزُ في نظيرِ (من) ما جازَ فيها من ضميرِ الاثنين والجميعِ /٨٧ أ، فيجري ذلك في كُلِّ اسمٍ منزلتُه كمنزلةِ (من) في أنَّه اسمٌ؟ وهل ذلك لأنَّ (من) اسمٌ مُبهمٌ يجوزُ أن يُحملَ على التأويلِ؛ لإبهامه، وليس كذلك المُوضحُ؛ لأنَّ إيضاحه قد منع أن يُحملَ على التأويلِ.
ونظيرُ ذلك الشخصُ الذي يُرى من بعيدٍ، فيحتملُ أن يُجرى على حُكمِ الأسودِ، ويحتملُ أن يجرى على [حُكمِ] الأبيضِ، فإذا قرُبَ، فبانَ أنَّه أسودُ، لمْ يحسنْ ذلك فيه.
وكذا الذي يُظهرُ زيَّ المسلمينَ والإقرارَ بما يُقرُّونَ به؛ يحسنُ أن يُجرى حُكمُه كحكمِ المسلمينَ في الحقيقةِ على ظاهر الحال، ولا يجوزُ إذا ظهرَ أنَّه كافرٌ في باطنه، فهذا نظيرُ المُبهمِ الذي يحتملُ الوجوهَ؟ .
[ ٧٥١ ]
ولمَ جازَ: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢]، وفي موضع آخر: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥]؟ وهل ذلك لأنَّ (من) مُبهمٌ لفظُه لفظُ الواحدِ، فتارةً يُحملُ على معناه، وتارةً يُحملُ على لفظهِ؟ .
ولمَ وجبَ أن يكون (من) لفظُه لفظُ الواحدِ؟ وهل ذلك لأنَّه ليس على بناءِ الجميعِ؛ من جمعِ سلامةٍ أو تكسيرٍ، وإنما هو بمنزلة: يدٍ، ودمٍ في البُنيةِ التي هي للواحد؟ .
ولمَ وجبَ أن يكون لفظُه لفظَ المُذكرِ؟ وهل ذلك لأنَّه لا علامةَ فيه للتأنيثِ؟ .
وما قياسُ: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] في: من كانت أمَّك؟ ولمَ كان قياسُه في هذا تأنيث كانت، وقياس: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] أن تقولَ: كان أمَّك، بالتذكيرِ؟ وهل ذلك لأنَّ العلةَ فيه البناءُ على اللفظِ، والعلةُ، والعلةُ في التأنيث البناءُ على المعنى؟ .
ولمَ جرى (أيَّ) في هذا مجرى (من) حتى جاز: أيُّهن كانت أُمَّك، وأيُّهن كان أمَّك، مع أنَّ أيًا مُعربةٌ؟ وهل ذلك لأنَّ فيها شبهَ (من) في الاستفهامِ، وطرفًا من الإبهامِ، وإن لم يبلُغْ إبهامَ: من؟ .
[ ٧٥٢ ]
وما وجهُ قراءةِ بعض القُراءِ: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب: ٣١]، وقراءةِ بعضهم: ﴿ومَنْ تَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ بالتاء؟ .
وما الشاهدُ في قولِ الفرزدقِ:
(تعالَ فإن عاهدتني لا تخونُني نكُن مثلَ من يا ذِئبُ مُصطَحبانِ؟)
ولم كثُرَ /٨٧ ب مثلُ هذا في (من)، ولم يكثُر في: الذي؟ وهل ذلك لأنَّ (الذي) صفةٌ تتبعُ الموصوفَ في تثنيتِهِ وجمعهِ، كما تتبعهُ في توحيده؛ ولذلك جاز فيه التثنيةُ، فتقولُ: اللذان، والجمعُ على: الذينَ، والتأنيثُ في المعنى على: التي، وليس لمن مثلُ هذا؛ لما بيَّنا؟ .
[ ٧٥٣ ]