الغرضُ فيه:
أن يُبيَّنَ ما يجوزُ في الاستفهامِ [بِمنْ] عن نكرةٍ مذكورةٍ مما لا يجوزُ.
مسائل هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في الاستفهامِ [بِمنْ] عن نكرةٍ مذكورةٍ؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا يجوزُ الاستفهامُ (بِمَنْ) عن المعرفةِ على /٨٢ أطريقةِ الاستفهامِ عن نكرةٍ في الزيادةِ؟ .
ولمَ كانت النَّكرَةُ أحقَّ بالزيادةِ من المعرفةِ؟ وهل ذلك لتُؤْذِنَ الزيادةُ بأنَّ المُستفهمَ عنه ذلك المذكورُ، والمعرفةُ تكتفي ببيانِها عن الزيادةِ، وإنْ كانَ قَدْ يَعرضُ فيها التنكيرُ الذي لا يُعْتَدُّ به؛ لأنه عارضٌ؟ .
وما الاستفهامُ إذا قال القائلُ: رأيتُ رجُلينِ؟ [ولمَ جَاز فيه]: منينِ؟ . وفي أتاني رجُلانِ: مَنانِ؟، وفي رأيتُ رجالًا: منينَ؟، وفي رأيتُ امرأةً: مَنَهْ؟، وفي رأيتُ امرأتينِ: منتينِ؟ .
[ ٧٢٨ ]
ولمَ سُكنَت النونُ في: منتين؟ ومنتان؟ في التثنيةِ، وحُركتْ في الواحدِ من قولك: [منه]؟ وهل ذلك للإيذان بأنَّ العلامةَ في الوصلِ تسقطُ، فجاءتْ علامةٌ في حشوِ الكلامِ لا يلزمُ سقوطُها كما يلزمُ سقُوطُها من آخر الكلمةِ؛ لتُنبئ [عن] التأنيثِ، فبُنيتْ لهذه العلةِ بناء بنتٍ، وأختٍ، وخرجتْ عن طريقةِ هاءِ التأنيثِ؟ .
وما الاستفهامُ إذا قالَ: رأيتُ نساءً؟ ولمَ جاز: مَنَاتٍ؟ .
وما الاستفهامُ بمن إذا قال: أتاني رجلٌ؟ ولمَ جاز: منُو؟ وفي رأيتُ رجلًا: منا؟ وفي مررتُ برجُلٍ: مني؟ ولمَ لحقتْ هذه الزيادةُ [مَنْ]، ولمَ تلحقْ: أيّ؟ وهل ذلك لأنَّ أيًّا تستغني بالإعرابِ عن هذه الزيادةِ التي هي حروف المدِّ واللين، وكان الوقفُ عليها كالوقفِ على: زيدٍ، وعمروٍ، (تقول: أيًّا، في النصب)، وأيُّ، في الرفعِ والجر كما تقولُ: زيدٌ ٍ؟ .
[ ٧٢٩ ]
ولم وجبَ إسقاطُ العلامةِ في (مَنْ) في الوصلِ، فلا يثبتُ شيءٌ من هذه الزياداتِ للإعرابِ، ولا للتثنيةِ والجمعِ، ولا للتأنيثِ، ولكن تقولُ: مَنْ يا فتى؟ في جميعِ ذلك؟ وهل ذلك لأن الوصلَ قد أخرجهُ عن محضِ الحكايةِ، وصار بمنزلةِ الاستفهام المُستأنفِ، مع أنَّ [منْ] مبنيةٌ لا يجبُ لها ما يجبُ للمُتمكنِ من التصرفِ في وجوهِ البيانِ باختلافِ العلاماتِ كما يجبُ لأيِّ في الوصلِ والوقفِ؛ فلذلك قُلتَ: أيهٌ يا فتى؟ وأيَّتان؟ وأيَّاتٌ؟ في الوصلِ، ولمْ يجُز مثلُ ذلك في: من؟ .
ولمَ جاز في مذهبِ بعض العربَ: منا، ومني، ومنو؟ في الواحدِ، والاثنين، والجميع؟ وهل ذلك للاجتزاء بعلامةِ الإعرابِ في الدلالةِ على الحكايةِ؛ إذ كانت (من) تصلحُ للواحدِ، والأثنين، والجميعِ على صيغةٍ واحدةٍ كما جاء في التنزيل: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، وفي موضعٍ آخر: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢]، فمرةً تُحملُ على اللفظ، ومرةً على المعنى، ومن ثنى وجمع؛ كان مذهبُه أحسنَ؛ لأنه أدلُّ وأشكلُ على أن الاستفهام
[ ٧٣٠ ]
عن النكرةِ المذكورةِ؟
وما قياسُ أيٍّ على هذا المذهبِ في تركِ علامةِ التثنيةِ والجمعِ؟ ولمَ استوتْ حالُ: أيٍّ ومن، فيه؟ وهل العلةُ في ذلك واحدةٌ، وهي الاجتزاءُ بعلامةِ الإعرابِ في الدليل على الحكايةِ؟ .
وما وجهُ مذهبِ يونسَ في قوله: منةٌ يا فتى، ومنةً، ومنةٍ؟ . وهل ذلك لأنه قاسهُ على أيٍّ؟ ولم استبعدَ هذا سيبويه، ولم يُجزه إلا في الضرورةِ؟ .
وما الشاهدُ في قول الشاعرِ:
(/٨٢ ب أتوا ناري فقُلتُ منونَ أنتُم فقالوا الجنُّ قُلتُ عمُوا ظلاما؟)
[ ٧٣١ ]
وما وجهُ ما حكاه يونسُ عن بعض العربِ: ضربَ منٌ منًا؟ ولمَ أنكَرَ هذا سيبويهِ، وقال: لا يستعملُه أكثرُ العربِ؟ .
وهل يلزمُ من قالَ هذا ألا يُجيزَ: منُو، ومنا، ومني، ولكن يجعلُهُ كأيٍّ في الوقفِ؟
وما الاستفهامُ إذا قال: رأيتُ امرأةً ورجلًا؟ ولمَ جاز: من ومنا، فإن قال: رأيتُ رجلًا وامرأةً؛ قُلتَ: من ومنه؟ .
[ ٧٣٢ ]
الجوابُ عن البابِ الأولِ:
الذي يجوزُ في [أيٍّ] التي يُستفهمُ بها عن نكرةٍ مذكورةٍ إعرابُها بإعرابِ تلك النكرةِ؛ للإيذانِ بأن الاستفهامَ عنها، لا عن ما يُشاركها في اسمها.
ولا تجوزُ الحكايةُ إلا عن النكرةِ المذكورةِ، لاستحالةِ الحكاية لما لم يُذكر، مع الحاجةِ إلى الإيذانِ بأن المُستفهمَ عنه هو هذا المذكورُ، دون ما يشاركُه في اسمه.
والاستفهامُ بأيٍّ لمن قال: رأيتُ رجلًا، أن تقولَ: أيًا؟، وفي التثنيةِ إذا قال: رأيتُ رجُلينِ؛ قُلتَ: أيينِ؟، وفي الجمعِ إذا قال: رأيتُ رجالًا؛ قلتَ: أيِّينَ؟ .
وإن ألحقتَ: يا فتى؛ فهي على حالها في طريقةِ الحكايةِ؛ لأنها مُعربةٌ يجبُ فيها من البيانِ ما لا يجبُ في المبنى.
والاستفهامُ لمن قال: رأيتُ امرأةً، بأيٍّ أن تقولَ: أيةً يا فتى؟، وفي التثنيةِ لمن قال: رأيتُ امرأتين، قُلت: أيَّتين يا فتى؟ وفي الجمع لمن قال: رأيتُ نِسوةً؛ قُلتَ: أيَّاتٍ يا فتى؟ .
فهذا كُلُّهُ على الحكايةِ لما ذُكرَ.
[ ٧٣٣ ]
ولو استُؤنف الاستفهامُ لم يجُز ذلك؛ لأن (أيًا) موحدةٌ في غير هذا الموضعِ، فلو قال: أيُّ القومِ جاء؟، فقال الجيبُ: إخوتُك، بالجمعِ؛ لكان جوابًا صحيحًا، وإن كنت (أيُّ) موحدةً؛ لأنها تجري مجرى (من) في الإبهامِ وتضمُّنِ حرف الاستفهامِ، وإن كانت بما تقتضي من التفصيل أقل إبهامًا مِن: مَن؛ وذلك أنَّ الإبهامَ يتعاظمُ، فأشدُّ الإبهامِ إبهامُ الحرفِ، ثُمّ الاسمِ الناقصِ الذي لا /٨٣ أيقومُ بنفسهِ دونَ صلتهِ من غير اقتضاءِ تفصيلٍ في معناه كالذي، ومن الموصولةِ، ثُمّ ما اقتضى تفصيلًا في معناه، مع أنه موصولٌ، وهو أيٍّ، ففيها إبهامٌ إلا أنه أقلُّ مما في من؛ لما بيَّنا.
والاستفهامُ بأيٍّ إذا قلتَ: رأيتُ عبدَ اللهِ، أو قال: مررتُ بعبد الله، أن تقولَ: أيٌّ عبدُ اللهِ؟، فتستأنفُ الاستفهامَ؛ لاستغناء المعرفةِ عن الحكايةِ، مع أن أيًا مُعربةٌ تقتضي الاستئنافَ وبناءَ خبرها عليها على طريقةِ سائر الأخبارِ فيما الثاني فيه هو الأولُ.
وعلى ذلك تقولُ: مَن عبدُ اللهِ؟، ولا يجوزُ: منا؛ لأنَّ هذه العلامةَ تدلُّ على النكرةِ.
[ ٧٣٤ ]
الجوابُ عن الباب الثاني:
الذي يجوزُ في الاستفهامِ بمن عن نكرةٍ مذكورةٍ إلحاقُ علامةٍ تُؤذنُ بأنَّ الاستفهامَ عن النكرةِ المذكورةِ خاصةً، لا عن ما شاركها في اسمها، فإذا ذكرَ مرفوعًا؛ كانت علامتهُ الواوَ، وفي المنصوبِ الألفُ، وفي المجرورِ الياءُ؛ ليُؤذنَ ذلك بالحكايةِ التي تدلُّ على أن الاستفهامَ عن النكرةِ المذكورةِ.
وكانت حروفُ المد واللينِ أولى من حركاتِ الإعرابِ؛ لئلا يُوهمَ أنه لـ (من) بحقِّ الإعرابِ، وإنما تلحقُ العلامةُ؛ للإيذانِ بالحكايةِ على ما بينا، لا على حقِّ الإعرابِ.
والاستفهامُ بمن إذا قال القائلُ: رأيتُ رجلينِ، أن تقولَ: منينِ؟، وفي أتاني رجُلانِ: منان؟، وفي رأيتُ رجالًا: منينَ؟، وفي رأيتُ امرأةً: منه؟، وفي رأيتُ امرأتينِ: منتينِ؟ بسُكونِ النونِ؛ لئلا يخالفَ الأصولَ في إثباتِ العلامةِ في الوصل، مع الدليلِ على أنه للتأنيثِ من جهةِ أن المذكرَ: منينِ؟، والمؤنثَ: منتينِ؟ كما تدُلُّ (بنتٌ) على أنه للمؤنثِ باختصاصه به؛ إذ المذكرُ: ابنٌ، فجمع البيانَ عن التأنيثِ والسلامةَ من مُخالفةِ الأصُولِ بأن بُنيَ بُنيَةَ ما هو من نفسِ الكلمةِ، على
[ ٧٣٥ ]
قياسِ: بنتٍ، وأختٍ.
والاستفهامُ إذا قال: رأيتُ/ ٨٣ ب نساءً، أن تقولَ: مناتٍ؟، فإن قال: أتاني رجلٌ؛ قُلتَ: منُوْ؟، وإن قال: رأيت رجلًا؛ قُلتَ: منا؟، وإن قال: مررتُ برجُلٍ؛ قُلتَ: مني؟ .
فإن وصلتَ أسقطتَ العلامات، فقلتَ: من يا فتي؟؛ لما بيَّنا قبلُ.
وتقولُ: أيَّهٌ يا فتى؟، فلا تُسقطُ العلامةَ كما تُسقطُها من: منه؟ إذا قُلتَ: من يا فتي؟، لأنَّ أيًا معربٌ يستحقُّ البيانَ في الوصلِ والوقفِ على قياسِ المُعرباتِ، وليس كذلك: من.
وبعضُ العربِ يقولُ: منا، ومني، ومنُو؟ في الواحد، والاثنينِ، والجمعِ؛ لأن الزيادةَ التي لحقتْ إنما هي للإيذانِ بأنَّ الاستفهامَ عن النكرةِ المذكورةِ، فإذا وافقتها في وجهِ الإعرابِ، دلَّتْ على ذلك، واستُغني عن زيادةٍ أخرى، وأُجريت (من) في التثنيةِ والجمعِ على قياسِ ما تُجرى عليه في سائر الكلام.
[ ٧٣٦ ]
ومن ألحقَ علامةَ التَّثنيةِ والجمعِ فمذهبُه أحسنُ؛ لأنَّها أدَلُّ على الحكايةِ بتمامِ الموافقةِ في الوجهينِ: من الإعرابِ، وعلامة التثنيةِ والجمعِ، وهي -مع ذلك- أشَدًّ مشاكلةً لما قُصدَ به الحكايةُ، فكان ذلك أحسنَ؛ لهذه العلةِ، والمذهبُ الأولُ حسنٌ أيضًا؛ لما بيَّنا قبلُ.
وقياسُ (أيٍّ) في المذهبِ الأول التسويةُ بينهما وبين (من) في إسقاطِ علامةِ التثنيةِ والجمعِ؛ لأن المُوافقةَ في الإعرابِ تكفي في الدليلِ على الحكايةِ، فالعلةُ فيهما واحدة؛ إذ كان إنَّما هو مبنيٌّ على أقلِّ ما يكون الدليلُ على الحكايةِ، فعلى هذه العلةِ لا بُدَّ من إسقاطِ علامة الجمعِ والتثنيةِ.
ووجه مذهبِ يونُس في قوله: منةٌ يا فتى؟ ومنةً؟ ومنةٍ؟ في الوَصلِ؛ قياسُه على أيٍّ.
وسيبويهِ يستبعدُ هذا القياسَ؛ لما بيَّنا قبلُ من إعرابِ: أيٍّ، وبناءِ: من، ولكن يجوزُ في الضرورةِ كما قال الشاعرُ:
(أتَوا نَاري فقُلتُ منون أنتم فقالوا الجنُّ قُلتُ عموا ظلاما.)
فهذا في الضرورةِ، ولو كان في الكلام /٨٤ ألوجَبَ: من أنتم؟ .
وحكى يونُسُ أنَّه سمعَ بعض العربِ يقولُ: ضرب منٌ منًا؟، كأنَّه قالَ: ضربَ رجلٌ رجلًا، فاستفهَمَه على هذه الجهةِ من طلبَ الحكايةَ، فقال: ضربَ،
[ ٧٣٧ ]
حاكيًا لكلامه، ثُمَّ أعرب (من) على حكايةِ النكرةِ.
وأنكرَ سيبويه هذا المذهبَ، وقال: لا يستعملُه أكثرُ العربِ، وهو ضعيفٌ في القياسِ على ما بيَّنا قبلُ.
ويلزمُ من أعربَ (من) في مثل هذا ألا يُجيزَ: منُو؟ ولا منا؟، ولا مني؟، ولكن يجعلُه كأيٍّ في الوقفِ والوصلِ.
والاستفهامُ إذا قال القائل: رأيتُ امرأةً ورجلًا، أن تقولَ: من ومنَا؟، فإن قال: رأيتُ رجلًا وامرأةً: قُلتَ: من ومنه؛ لأن الأوَّل موصولٌ، والثانيَ موقوفٌ عليه.
[ ٧٣٨ ]