وقد بينا أمرهما إذا كانا في كلمة لا يفترقان، وإنما بينتهما في الانفصال؛ فأحسن ما يكون الإدغام في الحرفين المتحركين اللذين هما سواء إذا كانا منفصلين أن تتوالى خمسة أحرف تحرك بهما فصاعدا.
ألا ترى أن بنات الخمسة وما كان عدته خمسة لا تتوالى حروفها متحركة استثقالا
[ ٥ / ٣٩٦ ]
للحركات مع هذه العدة فلا بد من ساكن، وقد تتوالى الأربعة متحركة في مثل علبط ولا يكون ذلك في غير المحذوف.
قال أبو سعيد﵀-: اعلم أن سيبويه ذكر فيما مضى من الكتاب إدغام الحرف في نظيره إذا كانا من كلمة واحدة نحو مد يمد ورد يرد وأحمر يحمر فأصله ردد يردد واحمرر يحمرر وإنما يذكر في هذا الموضع إدغام الحرفين من جنس واحد في كلمتين، أما إدغام الحرفين من جنس واحد في كلمة واحدة فهو واجب لا يجوز إظهاره إلا في ضرورة الشاعر كقولك: ردد يردد وضنن يضنن واحمرر يحمرر.
وقد أنشد سيبويه قول قعنب ابن أم صاحب:
مهلا أعاذل قد جربت من خلقي أني أجود لأقوام وإن ضنوا
وأما إدغام الحرف في نظيره من كلمتين فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون الأول ساكنا والثاني متحركا وليسا من حروف المد واللين فإن الحروف المد في ذلك حكما يفرد ذكره في كلمة أو كلمتين، والضرب الآخر أن يكونا متحركين فإن كان الأول ساكنا فالإدغام واجب ضرورة كقولك لم يرح حاتم ولم يقل لبر شيئا، وقد دار فيها وإن كانا في كلمتين متحركين؛ فالإدغام غير واجب في الكلام ولا في الشعر، وأنت مخير فيه إن شئت أدغمت وإن شئت لم تدغم.
فابتدأ سيبويه فقال: فأحسن ما يكون الإدغام في الحرفين المتحركين اللذين هما سواء إذا كانا منفصلين أن تتوالى خمسة أحرف متحركة بهما فصاعدا وتوالي خمسة أحرف قولك: جعل لك وذهب بمالك وسرق قميصك؛ فإن شئت أدغمت اللام من جعل في اللام من لك والباء من ذهب في الباء التي من بمالك والقاف من سرق في قاف قميصك فاستحسن سيبويه في مثل ذلك الإدغام لتوالي خمسة أحرف متحركة.
ثم قال: ألا ترى أن بنات الخمسة وما كان عدته خمسة لا تتوالى حروفها متحركة استثقالا للحركات مع هذه العدة يريد أنه لا يوجد في الكلام كلمة أصلها خمسة أحرف تتوالى حروفها متحركة ولا كلمة على خمسة أحرف، وفيها زائد وزائدان توجد حروفها متحركة كلها فعلم بعدم ذلك في الكلام أن توالي خمس متحركات أهل من أن يكون فيها ساكن؛ فلذلك كان الإدغام حسنا، وعلى قياس ما قال: لو توالت ست متحركات، وأكثر فالإدغام أحسن كقولك برع عمر وذهب بابك.
قال: وقد تتوالى الأربعة متحركة في مثل علبط، ولا يكون ذلك في غير المحذوف
[ ٥ / ٣٩٧ ]
يريد أن أصل علبط علابط، وأن أربع متحركات متواليات ليست بأصل ليقوى بذلك حسن الإدغام فيما توالت فيه خمس متحركات، ويدلك على حسن الإدغام أنه لا يتوالى في تأليف الشعر خمسة أحرف متحركة، وذلك نحو فعل لك وهذا بين لأن أكثر ما يتوالى في الشعر أربع متحركات وهي فعلتن ويقال لها في ألقاب العروض المخبول. وذلك معروف في العروض.
قال: والبيان في جميع هذا عربي جيد حجازي، ولم يكن هذا بمنزلة مر واحمرّ ونحو ذلك لأن الحرف المنفصل لا يلزمه أن يكون بعده الذي هو مثله يريد أن البيان فيما كان من كلمتين جيد حجازي.
وقد ذكرناه ولم يكن بمنزلة مرّ واحمرّ في لزوم الإدغام والفرق بين ما كان من كلمتين وكلمة أن الكلمة الواحدة
لا يوقف فيها على الحرف الأول من الحرفين المثلين ولا يفارق أحدهما الآخر في وقف ولا وصل فإذا كانا من كلمتين فيجوز أن يوقف على أحدهما، ثم يبتدئ الآخر، ولا يلزم الحرف الأول أن يأتي بعده مثفله ألا ترى أنك إذا قلت: جعل لك خيرا جاز فيه جعل خيرا لك.
وإذا قلت: ذهب بثيابه اليوم جاز ذهب اليوم بثيابه فليس يلزم الحرف الأول أن يليه مثله قال: فإن كان قبل الحرف المتحرك الذي وقع بعده حرف مثله حرف متحرك ليس إلا وكان بعد الذي هو مثله حرف ساكن حسن الإدغام، وذلك مثل يددا أود يعني قبل الحرف المدغم متحرك وبعد الحرف المدغم فيه ساكن ومثله بيدد أود لأنه قصد واعتدال وقوع المتحرك بين ساكنين.
قال سيبويه: وإذا التقى الحرفان المثلان وقبل الحرف الأول حرف لين؛ فإن الإدغام حسن لأن حرف المد بمنزلة متحرك في الإدغام ألا تراهم في غير الانفصال قالوا: راد ورود وذلك قولك إنّ المالك لك وهم يظلموني وهما يظلماني وأنت تظلميني والبيان هاهنا يزداد حسنا لسكون ما قبله.
قال أبو سعيد: اعلم أن اجتماع الساكنين في الوقف مستقيم كقولك: زيد وعمرو، وبكر إذا وقفت عليه، وفي الدرج غير ممكن، وإذا كان قبل الأول من الساكنين حرف من حروف المد واللين، وكان الثاني مدغما في مثله جاز كقولك دابة وضال، وما أشبهه، وذلك أن زمان الحرف الممدود أطول من زمان غيره.
كما أن زمان الحرف المتحرك أطول من زمان الحرف الساكن؛ ف صار الممدود بزيادته وطوله كالمتحرك ومما يدل على ذلك أنا لو أردنا أن نطول الحرف إلى أي زمان
[ ٥ / ٣٩٨ ]
شئنا لم يمكن ذلك إلا في حروف المد واللين، وهي الألف والواو والياء الساكنتان والمدغم في مثله ينحي بالحرفين نحو الحرف الواحد؛ فاجتمع في ذلك مد الحرف الذي كالحركة وكون الحرفين كالحرف الواحد وفي الثاني منهما حركة فحسن لذلك اجتماع الساكنين وجعل يظلموني ويظلماني وتظلميني بمنزلة المنفصل لأنا وإن كنا لا نقف على النون الأولى دون الثانية فإن الأولى قد كان ينطق بها وليس معها نون أخرى.
وقد يدخل عليها النصب والجزم فيقال: لن تظلموني ولن تظلماني، ولن تظلميني فتسقط النون الأولى فهو بمنزلة المنفصل.
قال: ومما يدلك على أن حرف المد بمنزلة متحرك أنهم إذا حذفوا في بعض القوافي لم يجز أن يكون مكان المحذوف الآخر في لين ومد كأنه يعوض ذلك لأنه حرف ممطول.
قال أبو سعيد﵀-: إذا حذف من الجزء الأخير من البيت حرف متحرك أو وزنه متحرك لزم الردف عوضا
من المحذوف ولم يحسن أن لا يكون مردفا والردف ألف أو وواو أو ياء قبل حرف الروي وذلك في الضرب الثالث من الطويل كقول الشاعر:
فإن تسلوني بالنساء فإنني بصير بادواء النساء طبيب
لو قال شاعر: بصير بادواء النساء وطب لم يحسن وإن كان وزنه وزن طبيب وذلك أن طبيب فعلون، وهو الجزء الثامن من الضرب الثالث وأصله مفاعيلن، فحذفت اللام والنون فبقي مفاعي فنقل إلى فعلون ولزمه الردف عوضا وهذا يتسقصي في العروض، ولا يتسع لاستقصائه هذا الموضع.
قال: وإذا كان قبل الحرف المتحرك الذي بعده مثله حرف ساكن لم يجز أن يسكن ولكن إن شئت أخفيت وكان بزنة المتحرك من قبل أن التضعيف لا يلزم في المنفصل كما يلزم في مدق ونحوه مما التضعيف فيه غير منفصل يريد أن الحرفين المثلين من كلمتين إذا كان قبل الأول منهما حرف ساكن من غير حروف المد لم يدغم؛ لأنه لو أدغم كان إدغامه على أحد وجهين أما أن يدغم ويترك الحرف الساكن الذي قبله على سكون فيجتمع ساكنان.
وأما أن تلقي حركة الحرف الأول المدغم على الساكن الذي قبله فيغير بناؤه كقولنا في شهر رمضان: شهرمضان، وفي كنز زيد كنزيد، ويجوز مثل هذا في كلمة واحدة نحو: مدق ومرد والأصل فيه مدقق ومردد وألقوا حركة القاف على الدال.
[ ٥ / ٣٩٩ ]
وأدغموا.
وكذلك ألقوا حركة الدال الأولى من مردد على الراء، وإنما حسن في كلمة واحدة ولم يجز في كلمتين؛ لأن الإدغام في كلمتين غير واجب وإن كان الحرف الذي قبل المدغم متحركا فلذلك لم يغير بنية الكلمة الأولى، والإدغام في كلمة واحدة، وأجب كما يجب الإعلال.
وقال في تمثيل ما ذكره وذلك قولك: ابن نوح، واسم موسى، فلو أنهم كانوا يحركون لحذفوا الألف لأنهم قد استغنوا عنه؛ كما قالوا: قتلوا وخطف، فلم يقو هذا على تغيير البناء، كما لم يقو على لا يجوز البيان فيما ذكرت لك.
قال أبو سعيد﵀-: يريد لو أدغمنا نون ابن نوح؛ فألقينا حركته على الباء لوجب أن نقول بنوح وأسقطنا ألف الوصل لتحرك الباء كما قلنا في أسل لما خففنا الهمزة وألقينا حركتها على السين، وكذلك يلزم في اسم موسى أن نقول سموسى وذلك غير جائز لانفصاله كما قد ذكرناه.
وليس ذلك بمنزلة قتلوا وخطف؛ لأن قتلوا وخطف من كلمة واحدة وأصله اقتتلوا؛ فأدغم التاء في التاء، وأما القاف فيجوز فتحها وكسرها فمن فتحها ألقى فتحة التاء عليها، ومن كسرها فلاجتماع الساكنين، وكذلك تفتح
الخاء في خطف وتكسر فإن قال قائل: فقد أصلتم أن المثلين إذا كانا في كلمة وجب الإدغام نحو: رد يرد وفي كلمتين أنت مخير في الإدغام فلم أجزتم في اقتتلوا الإدغام والإظهار والتاءان في كلمة واحدة فالجواب أن التاءين في اقتتلوا ونحوها لما وقعنا وسطا قويتا لأن الأوساط أقوى من الأطراف.
وقد مضى ذلك في التصريف؛ فلما كان الإعلال في الأطراف لازم كان الإدغام فيها ألزم، ولما كانت الأوساط أبعد من الإعلال كان الإدغام فيها أبعد؛ فحسن إظهار الحرفين في الوسط فصار الوسط كالمنفصلين.
وأما قوله: فلم يقو هذا على تغيير البناء لم يقو على أن لا يجوز البيان فيما ذكرت لك كذا؛ فإن معناه أن المثلين إذا كانا متحركين من كلمتين وكان الحرف الذي قبل الأول منهما ساكنا لم يقو الإدغام على تحريك الساكن تحرك المثل الأول، وتغيير الكلمة كما لم يقو على أن لا يجوز إظهارهما غير مدغمتين يريد أن ابن نوح لا يجري مجرى مدقق؛ فنقول: بنوح كما قلت مدق كما أن جعل لك لا يجري مجرى احمرر فيلزم فيه جعل لك كما يلزم أحمر ذلك لما قد تقدم من الفرق بين المثلين إذا كانا من كلمتين وبينهما إذا كانا
[ ٥ / ٤٠٠ ]
من كلمة.
قال: ومما يدلك على أنه يخفى ويكون بمنزلة المتحرك قوله يعني غيلان بن حريث:
إني بما قد كلفتني عشيرتي من الذب عن عرضها لحقيق
الشاهد فيه إخفاء الياء مع الميم في بما ولو أدغم انكسر البيت لأن الياء في أني ساكنة وتسكن الباء في بما فيجتمع ساكنان.
وقال أيضا:
وامتاح مني حلبات الهاجم شاو مدل سابق اللهامم
الشاهد: إخفاء الميم الأولى، ولو أدغم؛ فقال: اللهام لانكسر البيت وقال غيلان:
وغير سفع مثل يحامم
أخفى الميم الأولى في يحامم، حكى سيبويه في ذلك كله الإخفاء.
قال: ولو قال: إني بما قد كلفتني فأدغم الباء في الميم لجاز لأن قبله حرف مد يعني يجوز ذلك في الكلام.
وأما الشعر فلا يجوز ذلك فيه لاجتماع الساكنين ولا يجوز في اللهامم الإسكان في الكلام لا لهمم ملحق بربرج فلا يجوز فيه غير الإظهار، وإلا ذهب الإلحاق، ومثله قرادد وهمم لا يدغم فيكره أن يجيء جمعه على جمع ما واحد مدغم يريد أنه كره أن يجيء جمع قردد، ولهمم مدغما فيكون كجمع معد ومدق لأنك تقول: معاد ومداق؛ لأن معدا
ومدقا غير ملحقتين وليس جواز الإدغام في أني بما كإدغام قردد وقرادد لأن قرددا ملحق.
قال: ولكنك إن شئت قلت قرادد فأخفيت كما تقول: متعفف يعني أن متعففا وبابه متفعل ومتفعل لا يقع فيه إدغام بغير لفظ بنيته.
قال: فأما قراءة بعضهم: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا فليس على لغة من قال: نعم فأسكن العين، ولكنه على لغة من قال: نعم فحرك العين، وهي لغة هذيل، وكسر النون كما قالوا:
لعب يريد أن الذي يقول: نعم لا يدغم ميمها في مم كما لم يدغم اسم موسى وابن نوح لأن العين قبل الميم ساكنة وإنما تدغم على لغة من قال: نعم، وفيما كان على فعل، والثاني منه حرف من حروف الحلق أربع لغات فعل نحو نعم: ولعب وفعل نحو: نعم ولعب وفعل نحو: نعم ولعب قال.
[ ٥ / ٤٠١ ]
وأما قوله ﷿: فَلا تَتَناجَوْا فإن شئت أدغمت التاء الأولى؛ لأن قبلها حرف مد، وهو الألف التي في فلا.
وزعموا أن أهل مكة لا يبينون التاءين.
قال أبو سعيد﵀-: يريد أنهم يقولون ولا تناجوا وأنا أذكر ذلك مستقصيا في باب أفردته لإدغام القراء إن شاء الله.
قال: وتقول: هذا ثوب بكر فالبيان في هذا حسن منه في الألف؛ لأن حركة ما قبل واو ثوب ليست منه فتكون بمنزلة الألف، وكذلك جيب بكر ألا ترى أنك تقول:
اخشووا قدا وأخشى ياسرا فتجريه مجرى غير الواو والياء.
قال أبو سعيد: اعلم أن الياء والواو إذا كانتا ساكنتين وانفتح ما قبلهما ففيهما مد دون المد الذي تكون فيهما إذا انضم ما قبل الواو، وانكسر ما قبل الياء وذلك أن الألف التي هي أوسع حروف المد واللين مخرجا وأبلغهما مدى لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا والفتحة من الألف؛ فإذا كان قبل الواو والساكنة ضمة وقبل الياء كسرة فهما على منهاج الألف فلذلك يستحسن الإدغام في قولك: هذا كوب بكر، وجيب بكر، كما يستحسن المال لك، ولم يكن ثوب بكر وجيب بكر كذلك.
واحتج سيبويه بأن المفتوح ما قبله من الواوات والياءات ليس كالمضموم ما قبله من الواوات والمكسور ما قبله من الياءات بأنك تقول: اخشووا وقد فتدغم واخشوا في واو وقد وكذلك تدغم ياء أخشى ياسرا وذلك لنقصان المد من أجل الفتحة.
قال الله تعالى: تَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ بإدغام الواو من تولوا في واو واستغنى الله المفتحة.
وقال الله تعالى: قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ فلم تدغم الواو من قالوا في واو اقبلوا وعلى هذا تقول: وأكرمي ياسرا؛ فلا تدغم.
قال سيبويه: ولا يجوز في القوافي المحذوفة وذلك أن كل شعر حذفت من أتم بنائه حرفا متحركا أو وزنه حرف متحرك؛ فلابد من حرف الردف وأنشد:
وما كل ذي لبّ بمؤتيك نصحه وما كل موت نصحه بلبيب
لم يجز سيبويه في الضرب الثالث من الطويل، وما جرى مجراه مما يلزمه الردف على ظاهر هذا الكلام أن يكون ردفه واوا مفتوحا ما قبلها، أو ياء مفتوحا ما قبلها.
وقد ذكرنا لزوم الردف لهذا النحو فيما مضى ثم قال: وإن شئت أدغمت؛ لأن
[ ٥ / ٤٠٢ ]
الواو التي في ثوب والياء التي في جيب مدا ولينا وإن لم يبلغا الألف كما قالوا ذلك في غير المنفصل نحو أصيم فياء التحقير لا تحرك لأنها نظيرة الألف في مفاعل ومفاعيل؛ لأن التحقير عليها يجري إذا جاوز الثلاثة فيما كانوا يصلون إلى إسكان حرفين في الوقف من سواهما احتمل هذا في الكلام لما فيها من المد.
قال أبو سعيد: يعني أن ثوب بكر وجيب بكر إن لم يستحين فيه الإدغام لما ذكرنا فإن إدغامه جائز لأن مدا والمدات تتفاضل فأتمها مدا الألف ثم الواو والساكنة المضموم ما قبلها والياء الساكنة المكسور ما قبلها، ثم الواو والياء الساكنتان المفتوح ما قبلها واستدل على المد الذي فيه بتصغير أصم على اصيم والياء أصيم ساكنة لأنها في موضع ألف الجمع في أصام ومداق ودواب ولو صغرت مدقا ودابة لقلب مديق ودويبة.
وتجري أحكام المصغر في ذوات الأربعة كأحكام الجمع غير أن مديقا وأصيم واجبان وثوب بكر وجيب بكر غير مستحسن؛ لأن هذا منفصل ولست بمضطر إلى إدغامه وأصيم كلمة واحدة، وصارت الياء فيه نظيرة الألف في أصام ومداق ووجوب أصيم ومديق طريق إلى جواز إدغام ثوب بكر وجيب بكر، وإن لم يكن مستحسنا.
قال: وتقول هذا دلو وقد وظبي ياسر فتجري الواوين والياءين هاهنا مجرى الميمين في قولك اسم موسى يعني، ولا تدغم دلو وقد وظبي ياسر؛ لأنك إذا أدغمت بقيت اللام من دلو والياء من ظبي ساكنتين وبعدهما حرف ساكن وليسا من حروف المد واللين أو تلقي عليهما حركة ما بعدهما فتغير الياء، وقد ذكرنا فساد ذلك.
وقال سيبويه: وإذا قلت مررت بولي يزيد وعدو وليد فإن شئت أخفيت وإن شئت بنيت ولا تدغم؛ لأنك حين أدغمت الواو في عدو والياء في ولي فرفعت لسانك رفعة واحدة ذهب المد وصارتا بمنزلة ما يدغم من غير المعتل؛ فصارت الواو الأولى في عدو بمنزلة اللام في دلو والياء الأولى في ولي بمنزلة الياء في ظبي.
والدليل على ذلك أنه يجوز في القوافي ليا مع ظبيا ودوا مع غزوا.
قال أبو سعيد: يريد أنه لا تدغم الثانية المتحركة من ولي في ياء يزيد لأنا إذا أدغمناها سكناها بطل إدغام الياء الأولى الساكنة من ولي فيها.
وإذا لم ندغمها فظهرت وهي ياء ساكنة قبلها كسرة صار فيها مد وقد كان المد بطل بإدغام، وقد تقدم أنا لا ندغم في المنفصلين إذا كان الإدغام يوجب تغيير بنية الكلمة، وكذلك القول في عدو وليد.
وأما قوله يجوز في القوافي ليا مع ظبيا فلأن المد قد ذهب من ليا فصارت الياء
[ ٥ / ٤٠٣ ]
الأولى لما ذهب المد فيها بمنزلة الياء في ظبيا.
وعندي أن قائلا: لو قال أن ذلك لا يجوز لأن فيه مدا أما لم يكن بعيدا، والدليل على ذلك أنا رأينا القوافي المبنية على الياء المشددة لا يأتي فيها غير الياء المشددة كقول العجاج:
بكيت والمختزن البكي وإنما أتي الصبي الصبي
إلى آخر القصيدة قد لزم فيها الياء المشددة، وقال أبو الأسود الدؤلي:
يقولون الأرذلون بنو قشير طوال الدهر لا تنسى عليّا
فقلت لهم، وكيف يكون تركي من الأعمال ما يقضي عليّا
أحب محمدا حبا شديدا وعباسا وحمزة والوصيّا
بنو عم النبي وأقربوه أحب الناس كلهم إليّا
فإن يك حبهم رشدا أصبه ولست بمخطئ إن كان غيّا
إلى آخر القصيدة.
وقد ذكر سيبويه في فصل بعد هذا أن الياء المدغمة فيها لين وذلك قوله في الجيم لا تدغم في الياء وفي الميم لا تدغم في الواو؛ لأنك تدخل اللين فيما لا يكون فيه لين نحو:
اخرج ياسرا لم يجز ادغام الجيم من إخراج في الياء من ياسر فيقال: أخر ياسرا لأنك تدخل الجيم لينا إذا أدغمته في ياسرا وإنما يصير الجيم الياء المدغمة؛ فعلم أن الياء، وإن أدغمت فيه لين.
قال سيبويه: وإذا كانت الواو قبلها ضمة والياء قبلها كسرة؛ فإنها لا تدغم إذا كان بعدها مثلها سواء، وذلك قولك: ظلموا واقد والظمي ياسرا ويعلو واقد ويقضي ياسر.
وإنما تركوا المد على حاله في الانفصال كما قالوا قوول حيث لم تلزم الواو واردوا أن يكون على مثال فأول؛
فكذلك هذه لما لم تكن الواو لازمة لها أرادوا أن يكون ظلموا على زنة ظلما واقد وقضى ياسرا ولم تقو هذه الواو عليها كما لم يقو المنفصلان على تحريم الساكن في قولك اسم موسى.
وإذا قلت: وأنت تأمر أتخشى ياسرا واخشوا واقد أدغمت لأنهما ليسا في المد كالألف، وإنما هو كقولك أحمد داود واذهب بناء فهذا لا تصل فيه إلا إلى الإدغام.
قال أبو سعيد﵀- الواو إذا انضم ما قبلها وسكنت فقد تكامل مدها
[ ٥ / ٤٠٤ ]
باجتماع الضمة والواو وكذلك الياء إذا سكنت وانكسر ما قبلها فقد تكامل مدها باجتماع الكسرة والياء كاجتماع الفتحة التي قبل الألف والألف فقد حصلت المدة في الواو المضموم ما قبلها والياء المكسور ما قبلها في كلمة.
فإذا لقيها مثلها من كلمة أخرى لم تدغم لئلا يبطل المد الذي قد لزم فيما لا يلزم فيه الإدغام وللمد مزية وقوة لا يجوز إبطالها مما قد وجبت فيه، وإنما وجب المد في الواو الأولى من الكلمة الأولى لأنه يجوز السكوت عليها، ويجوز أن لا يلقاها كلمة أولها واو.
وكذلك الياء المكسورة ما قبلها وهي ساكنة إذا كان آخر الكلمة قد وجب فيه المد فلا يبطل بالياء التي تلقاها من كلمة أخرى في اظلمي ياسرا والعلة فيها وفي الواو واحدة ولو كانت الواوان أو الياءان على السبيل الذي ذكرناه في كلمة واحدة أدغمت إحداهما في الأخرى.
أما الواو فقولك مغزو وزنه مفعول وعدو وزنه فعول، وأما الياءان فقولك: حمى وعصى ووزنهما فعيل وإنما وجب الإدغام في كلمة واحدة؛ لأن مدة الواو الأولى والياء الأولى لم تثبت في لفظ الكلمة فقط؛ فلم يكن إدغامها يزيل عنها شيئا قد وجب لها.
ومعنى قوله: وإنما تركوا المد على حاله في الانفعال كما قالوا قوول حيث لم تلزم الواو، وأرادوا أن يكون على مثال قاول يريد أنهم تركوا المد على حاله في ظلموا واقدا واظلمي ياسرا في المنفصلين كما مدوا في قوول وإن كانت الواوان في كلمة لأن قوول من قاول وقد ثبت المد فيه قبل قوول فإذا قالوا قوول لم يبطلوا ذلك فحملوا قوول على بعض أحوال الكلمة وحملوا يقضي ياسرا على قضى ياسرا.
لأن الياء في يقضي هي الألف في قضى ياسرا كما أن الواو الأولى في قوول هي الألف في قاول، وكذلك الواو في ظلموا تجري مجرى الألف في ظلما وواقعة موقعها وتالية لها في ترتيب الحروف الاثنين والجماعة.
وقوله: ولم تقو هذه عليها كما لم يقو المنفصلان على تحريك الساكن في قولك اسم موسى يعني به أن الواو الثانية في قوول لم تقو على الأولى؛ فتدغم الأولى فيها للعلة التي ذكرنا.
وإذا قلت: أخشى ياسرا واخشوا وقد أدغمت ذلك لنقصان المد من أجل مخالفة ما قبل الواو والياء لهما وإذا وقع بعد الساكن مثله من الحروف لم يمكن اللفظ به إلا مدغما فقولك: اخشى ياسرا واخشوا، وقد كقولك أحمد داود واذهب بنا إلا أن يكون بينهما مد على ما ذكرنا وسكتة.
[ ٥ / ٤٠٥ ]
وقد ذكرنا ذلك في قوله: تَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ [التغابن: ٦].
قال سيبويه: وأما الهمزتان فليس فيهما إدغام كقولك: قرأ أبوك وأقرئ أباك؛ لأنهما لا يجوز تحقيقهما فتصير كأنك إنما أدغمت ما يجوز فيه البيان وكذلك قالت العرب وهو قول الخليل ويونس.
وزعموا أن ابن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين وناس معه وهي رديئة فقد يجوز فيه الإدغام في قول هؤلاء.
قال أبو سعيد﵀- قد ذكرنا في تفسير باب الهمز ما يجب في التقاء الهمزتين من تلاشي أحدهما وتحقيقها ما يغني عن إعادته في هذا الموضع، ومعنى لينت أحداهما فقد خرجت عن جنس الهمز فلا يجوز إدغامها في الأخرى؛ لأنه لا يدغم الشيء فيما ليس من جنسه، وذكر عن قوم تحقيق الهمزتين وأنه يجوز الإدغام في قول هؤلاء وذلك أنه إذا حقق الهمزتين وجمع بينهما فقد صيرهما كحرفين يلتقيان دالين أو ميمين، وما أشبه ذلك.
فإذا اجتمعت الهمزتان وكانت الأولى ساكنة وحققهما محقق فبالضرورة تدغم الأولى في الثانية، وتوهم بعض القراء أن سيبويه أنكر ادغام الهمزة وليس الأمر على ما توهمه، وإنما أنكره على مذهب من خفف الهمزة، وهو المختار عندنا.
وقد بين ذلك بقوله؛ فقد يجوز الإدغام في قول هؤلاء قال سيبويه: ومما أجرى مجرى المنفصلين قولهم: اقتتلوا ويقتتلون وأظهروا التاءين ولم يجعلوهما بمنزلة أحمر وأصله أحمرر.
قال: لأن التضعيف لازم لهذه الزيادة يعني أن تاء الفعل يزاد على لام الفعل مثلها في اللفظ كقولنا: احمر وابيض واسود فصارت بمنزلة العين واللام اللتين من موضع واحد نحو يرد وأشباهه.
ويقتتل يفتعل ولا يلزم أن يكون بعد تاء يفتعل مثلها ألا تراهم قالوا: يستمع ويرتحل ويغتسل وغير ذلك من حروف المعجم فلما كان الحرف الذي بعد تاء الأفعال غير لازم تاء أشبه المنفصلين.
وقد احتججنا له قبل هذا الموضع بغيرها.
قال: وقد أدغم بعض العرب فأسكن لما كان الحرفان في كلمة واحدة، وذلك قولهم يقتل وقتلوا.
قال أبو سعيد﵀-: أما الإدغام في قوله: يقتل وقتلوا؛ فأمره بيّن لأنه لا
[ ٥ / ٤٠٦ ]
يخلو من أن يكون حكمه حكم كلمة واحدة؛ فالإدغام في كلمة واحدة واجب نحو رد واحمر وحك كلمتين: فالإدغام في كلمتين جائز نحو: جعل لك ويد داود فأما لفظ الإدغام في ذلك في الفعل الماضي؛ فإنه يقال فيه قتل بفتح القاف، وقتل بكسرها فأما من قال: قتل بالفتح فإنه كان اقتتل فألقي فتحة التاء الأولى على القاف وانفتحت القاف فأسقط ألف الوصل وأدغمت التاء في التاء وأن من كسر فإنه لما سكن التاء اجتمع ساكنان التاء والقاف فكسرت لاجتماع الساكنين ثم أسقطت ألف الوصل لتحرك القاف، وأما المستقبل؛ فيقال: يقتل بفتح القاف ويقتل بفتح الياء وكسر القاف ويقتل بكسر الياء والقاف وذكر عن بعضهم وجه رابع وهو تسكين القاف مع الإدغام، ويجمع بين ساكنين، أما من قال يقتل بفتح الياء والقاف؛ فإنه ألقى فتحة الياء فإنه سكن التاء الأولى، وأدغم ولم يلحق فتحها على القاف واجتمع ساكنان القاف والتاء الأولى؛ فكسر القاف لاجتماع الساكنين وأن من كسر الياء مع كسر القاف فإنه اتبع الكسر كما قالوا: منخر وأصله منخر ومنتن، وأصله منتن.
وأما من سكن القاف مع الإدغام فإن وجه بمستضعف لأنه يجمع بين الساكنين وليس الأول منهما من حروف المد واللين وأكثر الناس ينكر ذلك.
قال سيبويه: وقد كسروا القاف في يقتل وقتل لأنهما ساكنان التقيا فشبه برد يا فتى يعني أن كسر دال رد يا فتى لاجتماع الساكنين.
وأنكر الفراء كسر القاف لاجتماع الساكنين وزعم أن كسرها طلبا للكسر الذي في اقتتل وحملا عليه.
وزعم أنه لو كسر لاجتماع الساكنين لجاز في يعفو ويرد يعض ويرد فرد بعض أصحابنا هذا عليه وفصلوا بين يقتل وبين يعض ويرد فقالوا: يقتل يفتعل وليس يلتبس به بناء آخر؛ فإذا قلنا يقتل فكسرنا لا يتوهم أنه غير يفتعل ومتى قلنا بعض ويرد توهم أنه يفعل؛ لأن في الكلام يفعل.
قال سيبويه: " لا يكون في هذا وأشباهه إلقاء الحركة على ما قبلها من الساكن ".
يعني لا يكون في باب يعض ويرد ويفر وما كان عينه ولامه من جنس واحد إلا تحويل الحركة على ما قبلها؛ لأن يعض ويرد ويفر أصله يعضض ويردد ويفرر.
وإنما ألقيت على فاء الفعل حركة عينه ولا يكون فيه غير ألقاء حركة العين على الفاء، ولا يجوز كسره لاجتماع الساكنين، وذلك لما ذكرناه من وقوع اللبس.
قال: وجاز في قاف يقتلون الفتح والكسر؛ لأنه يجوز في الكلام فيه الإظهار، والإخفاء
[ ٥ / ٤٠٧ ]
والإدغام، فكما جاز هذا فيه وتصرف دخله شيئان يعرضان في التقاء الساكنين يعني أن اقتتل وما أشبهه إنما
جاز فيه وجه إلقاء حركة التاء الأولى على القاف وكسرها لاجتماع الساكنين حين تصرف بإظهار الحرفين وتبيينه والإخفاء وهو إظهار الحرفين مع اختلاس.
وبالإدغام فيجوز هذه الوجوه عليها تصرفوا فيها بإلقاء الحركة والكسر لاجتماع الساكنين ولم يتصرفوا في باب يعض ويرد بالإظهار فلم يزيدوه على إلقاء الحركة.
قال: وتحذف ألف الوصل حيث حركت القاف يعني في قتل وقتل كما حذفت في رد يريد أنك لا تقول: اقتل فيبقى ألف الوصل مع تحريك القاف كما لا تقول ارد فيبقى ألف الوصل مع تحريك الراء والأصل اردد فلما ألقيت حركة الدال على الراء: أذهبت ألف الوصل وكذلك حذفت الألف في قل وكان الأصل أقول فألقيت حركة الواو على القاف وحذفت ألف الوصل وحذفت الواو لاجتماع الساكنين الواو واللام.
وقول سيبويه: لأنهما في كلمة واحدة لحقهما الإدغام يعني التاءين في اقتتل.
قال: وتصديق ذلك قراءة الحسن «إلّا من خطّف الخطفة» يريد أن قراءة الحسن شاهد لجواز الإدغام.
قال: " وحدثني الخليل بن أحمد وهارون القاري أن ناسا يقرؤون مُرْدِفِينَ يريدون مرتدفين، وهي قراءة لأهل مكة. وإنما ضموا الراء للضمة التي قبلها ".
قال أبو سعيد﵀-: هذا الإتباع مثل اتباع الدال ضمة الراء في قولك: رد ولم يرد ومثله جريا فتى ولم يجر قال ومثل ذهاب الألف ذهابها في سل عين حركت السين يعني ذهاب الألف في قتل وقتل ورد وقل في الأمر مثل ذهاب الألف في مثل وذهاب الألف في سل لأنه كان أسل فلما خففت الهمزة ألقيت حركتها على السين فتحركت السين وذهبت ألف الوصل كذهاب الألف في قتل ودد وقل.
قال سيبويه: " فإن قال قائل: فما بالهم قالوا الحمر فلم يحذفوا الألف حين حركوا اللام فلأن هذه الألف قد ضارعت الألف المقطوعة نحو ألف أحمر ألا ترى أنك إذا ابتدأت فتحت وإذا استفهمت ثبتّ؛ فلما كانت كذلك قويت كما قلت الجواد معبد وجاورت ".
وتقول: فالله فلا تقوى في [] (١) الاستفهام وفي نسخة [] (٢) تتقوى في مواضع
_________________
(١) كشط بالأصل.
(٢) كشط بالأصل.
[ ٥ / ٤٠٨ ]
[] (١) الإدغام كحسنه في قولهم جعل [] (٢) ولأنه مضارع حين كان الحرفان غير منفصلين نحو احمررت.
قال أبو سعيد﵀- لما ذكر سيبويه سقوط ألف الوصل لتحرك ما بعدها في قتل ورد وقل في الأمر وسل إذا لينت الهمزة عارض نفسه بقولهم: ألحمر إذا خففوا الهمزة من قولهم الأحمر على أخذ وجهي تخفيف الهمزة فيه وذلك أن من العرب من يقول لحمر ويحذف ألف الوصل لتحرك اللام ومنهم من يقول ألحمر يحرك اللام ولا يسقط ألف الوصل ينوي أن تكون اللام على سكونها.
وإن تحركت لأن الحركة للهمزة ومن ذلك قولهم: لم يقم القسم ولم يقم أبوك إذا ألقيت فتحة همزة أبوك على الميم تحرك الميم في يقم ولا ترد الواو الساقطة في يقوم لأن الحركة لا يعتد بها؛ لأنها حركة عارضة لاجتماع الساكنين ويسأل السائل فيقول لم جاز إثبات ألف الوصل في الحمر ولا يجوز في نسل؟
فيقال له: لأن السين في نية السكون وحركتها حركة الهمزة المحذوفة وقد فرق بينهما بثلاثة أشياء منها ما فرق به سيبويه بينهما وهو قوله: إن هذه الألف يعني ألف لام [] (٣) مضارع بالألف المقطوعة يعني ألف أحمر بانفتاحها [] (٤).
في قولك آلرجل وآلذكرين حرم أم الانثيين.
قال: فلما كانت كذلك قويت كما قلت الجوارحين جاورت أي ثباتها في الاستفهام وفتحها في الابتداء أوجبا لها قوة كما أن الجوار حين كان مصدر فعل لا يعتل وهو جاورت لم يعل.
ولو كان مصدر فعل معتل لانقلبت الواو ياء كقولك قام قياما وحال يحول حيالا وأصله قواما وأحوالا؛ لأن قام وحال معتلان.
وكذلك قويت هذه الألف لما كانت تثبت في الاستفهام دون سائر ألفات الوصل ثم قوي ذلك بقولهم أي ها الله.
فأما قوله: " أفا الله فإنه يهمز بعد الفاء ألف الوصل عوضا من واو القسم، وأما أي ها الله فإن ألف ها تثبته ولا تحذف لاجتماع الساكنين كان الهمزة من الله باقية وإن حذفت في اللفظ، كما أن اللام من قولنا الحمر كأنها ساكنة وإن حركت بإلقاء
_________________
(١) كشط بالأصل.
(٢) كشط بالأصل.
(٣) كشط بالأصل.
(٤) كشط بالأصل.
[ ٥ / ٤٠٩ ]
حركة ألف أحمر عليها ".
وقد مضى الكلام في أفاء الله وها الله في باب القسم مشروحا مستقصى، وكما يقوي ذلك ايضا مما لم يستشهد به سيبويه قولهم في النداء يا الله بقطع الألف وقد ذكر ذلك فيما تقدم، ومما يقوي هذه الألف أن الخليل جعل أن بمنزلة قد لان اختصاصها الاسم كاختصاص [] (١).
أنها ألف قطع، وأن سقوطها لكثرة الاستعمال.
وذكر أبو بكر مبرمان وجها ثانيا أظنه عن أبي إسحاق وهو أنه ليس كل فعل يلزمه ألف الوصل وكل لام معرفة يلزمها ذلك.
قال أبو سعيد﵀- ووقع لي وجه ثالث وهو أن هذه السين قد تتحرك في تصاريف الكلمة كقولنا سال وهو سائل واللام لا تزول عن السكون بحال فحق الألف أن لا تفارقها للزوم السكون إذا كانت الألف إنما دخلت من أجل سكون ما بعدها والسكون لازم في الحكم.
ووجه آخر أيضا أن هذه الألف تسقط في المستقبل إذا قلت يسل فلما كانت هذه الألف قبل السين عارضة غير لازمة لم تكن قوتها كقوة الألف مع اللام التي لا تفارقها.
وقد حكى بعض النحويين أسل على نحو الحمر، ويفسد ما حكاه أنه ليس أحد يقول اقتلوا ولا يرد قال: وأما رد داود فبمنزلة اسم موسى يعني لو أدغمنا الدال الثانية من رد في دال داود لوجب إن تحرك الدال وتغير كما لو أدغمنا الميم لوجب تحريك [] (٢) فساد ذلك.