فأصل حروف العربية تسعة وعشرون حرفا: الهمزة والألف والهاء والعين والحاء والغين والخاء والقاف والكاف والجيم والشين والطاء والدال والتاء والفاء والباء والميم والياء والواو والضاد واللام والراء والنون والظاء والذال والثاء والصاد والزاي والسين وترتيبها في كتاب أبي بكر مبرمان الهمزة والألف والهاء والعين والحاء والغين والخاء والقاف والكاف والضاد والجيم والشين والياء واللام والراء والنون والطاء والدال والتاء والصاد والزاي والسين والظاء والذال والثاء والفاء والباء والميم والواو.
وتكون خمسة وثلاثين حرفا بحروف هي فروع وأصلها من التسعة والعشرين وهي كثيرة تستحسن ويؤخذ بها في قراءة القرآن والأشعار، وهو النون الخفيفة والهمزة التي بين بين وألف الترخيم يعني ألف الإمالة والشين التي كالجيم والصاد التي كالزاي وألف التفخيم يعني بلغة، وهي الألف التي نحي بها نحو الواو في لغة أهل
الحجاز نحو: الزكوة والصلوة، وهي اثنان وأربعون حرفا بحروف غير مستحسنة ولا كثيرة في لغة من ترتضى عربيته ولا تستحسن في قراءة قرآن ولا إنشاد شعر وهي الكاف التي بين الجيم والكاف والجيم التي كالكاف والجيم التي كالشين والطاء التي كالتاء والصاد والضعيفة والصاد التي كالسين والظاء التي كالثاء والباء التي كالفاء، وهذه التي تمت بها اثنين وأربعين جيدها ورديئها أصلها التسعة والعشرون ولا تبين إلا بالمشافهة إلا أن الضاد الضعيفة مكلف من الجانب الأيمن وإن شئت تكلفتها من الجانب الأيسر وهي أخف؛ لأنها من حافة اللسان، وإنما تخالط مخرج غيرها بعد خروجها مستطيلة حتى تخالط حروف اللسان فسهل
[ ٥ / ٣٨٦ ]
تحويلها إلى الأيسر لأنها تصير في حافة اللسان في الأيسر إلى مثل ذلك ما كانت في الأيمن، ثم يتسل من الأيسر حتى تتصل بحروف اللسان كما كانت كذلك في الأيمن.
قال أبو سعيد﵀-: أما التسعة والعشرون حرفا فهي معروفة لا تحتاج إلى تفسير، وأما النون الخفيفة؛ فإنه يريد النون الساكنة التي مخرجها من الخيشوم نحو: النون في منك وعنك ومن زيد ورأيت في كتاب أبي بكر مبرمان في الحاشية الرواية الخفيفة، وقد يجب أن تكون الخفية لأن التفسير يدل عليه وإنما تكون هذه النون من الخيشوم مع خمسة عشر حرفا من حروف الفم، وهي القاف والكاف والجيم والشين والضاد والزاي والسين والطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء والفاء وهي متى كانت ساكنة وبعدها حرف من هذه الحروف مخرجها من الخيشوم لا علاج على الفم في إخراجها وكذلك يتبينها السامع ولو نطق بها ناطق وبعدها حرف من هذه الحروف وسد أنفه لبان اختلالها.
قال أبو سعيد﵀-: ولو تكلف متكلف إخراجها من الفم مع هذه الخمسة عشر حرفا لا يمكن بعلاج وهذا يتبين بالمحنة، وإذا كانت النون ساكنة وبعدها حروف الحلق وهي ستة كانت مخرجها من الفم من موضع الراء واللام، وكانت بينة غير خفية، وتدغم النون الساكنة في خمسة أحرف وهي الراء واللام والميم والواو والياء ويجمعها ويرمل.
فإذا أدغمت في حرف من هذه الحروف صارت من جنس ذلك الحرف وذلك قولك: من رحمك ومن لجأ إليك، ومن معك، ومن وراءك ومن يكون معك، وتنقلب ميما مع الباء كقولك في عنبر وشنباء عمير وشمباء ولو تكلف المتكلم إخراجها من الفم وبعد هاء لأمكن على مشتقه وبعلاج.
وإنما تخرج من الخيشوم وهي ساكنة وبعدها الباء فتنقلب ميما لأن الباء لازمة لموضعها ولا تخطي لها عنه ولا مدار لصوتها في غيره فكرهوا تكلف إخراجها من الفم لما ذكرته لك وتباعد ما بين الخيشوم وبين فرج الباء من
الشفتين ولم يكن بينهما مشابهة تجمعهما فطلبوا حرفا يتوسط بينهما بملابسة بينه وبين كل واحد منهما وهو الميم، وذلك أن الميم من مخرج الباء تدغم الباء فيه؛ فهذه ملابسة الميم للباء وفي الميم غنة في الخيشوم فهذه ملابسة الميم للنون التي من الخيشوم.
فإن قال قائل: فهلا كانت الباء كالحروف الخمسة عشر التي تخفي النون الساكنة قبلها أو كحروف الحلق التي تتبين قبلها النون؛ فالجواب أن النون الخفية إنما تخرج من حروف الأنف الذي ينجذب إلى داخل الفم لا من المنخر فلذلك خفيت مع حروف الفم
[ ٥ / ٣٨٧ ]
لأنهن يخالطنها وتتبين عند حروف الحلق لبعدهن عن الخرق الذي تخرج منه الغنة وحروف الشفتين تنطبق عليهن الشفتان فتنحصر الغنة وقد أطبق على الباء فتصير بمنزلة غنة ليس بعدها حرف.
والنون الساكنة إذا لم يكن بعدها حرف كانت من الفم وبطلت الغنة كقولك: عن ومن ونحو ذلك، مما يوقف عليه من النونان فكانت الميم أسهل عليهم لما فيها من الغنة ولأنها من مخرج الباء من بيانها.
فإن قال قائل: لم لا يوقف على النون الخفية قيل له أصل خروج النون مخلوط بشيء من الغنة من الأنف، ثم يلحقها في الوقف لانتهاء إلى موضعها من الفم البيان باستقرارها في موضعها من الفم.
وإذا كان بعدها حرف من الخمسة عشر أغني عن ذلك كما أن القاف إذا وقف عليها كانت بعدها صويت هي القلقلة، وإذا وصلت بطلت، وأما الهمة التي بين بين سيبويه عدها حرفا واحدا وينبغي عندي في التحقيق أن بعد ثلاثة أحرف وذلك أن همزة بين بين هي الهمزة التي تجعل بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها.
فإذا كانت الهمزة مكسورة فجعلتها بين بين فهي بين الهمزة والياء. وإذا كانت مضمومة فجعلت بين بين فهي بين الهمزة والواو وإذا كانت مفتوحة فهي بين الهمزة والواو وإذا كانت مفتوحة فهي بين الهمزة والألف ولما كانت الياء غير الواو ووجب أن يكون الحرف الذي بين الهمزة والياء غير الحرف الذي بين الهمزة والواو.
وكذلك الذي بين الهمزة والألف، وقد مر الكلام في همزة بين بين في باب الهمز وألف الترخيم يعني الإمالة وسماها ألف الترخيم لأن الترخيم تليين الصوت ونقصان الجهر فيه قال ذو الرمة:
لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
وقد مر باب الإمالة وأحكامها.
وأما الشين التي كالجيم كقولك في اشدق اجدق؛ لأن الدال حرف مجهور شديد والجيم مجهور شديد والشين حرف مهموس رخو فهو ضد الدال بالهمس والرخاوية فقربوها من لفظ الجيم؛ لأن الجيم قريبة من مخرجها،
وهي موافقة للدال في الشدة والجهر، وكذلك الصاد كالزاء في مصدر والتصدير ويصدف ونحوه، وسيأتي ذلك فيما بعد إن شاء الله.
[ ٥ / ٣٨٨ ]
وقد قرئ زاي الصراط المستقيم بإشمام الزاي للصاد وهي في قراءة حمزة.
وروي عن أبي عمرو أربع قراءات منها الصراط بين الصاد والزاي.
روى عربان بن أبي سفيان أنه سمع أبا عمرو يقرأ الصراط بين الصاد والزاي، وأما ألف التفخيم فهي عند الإمالة؛ لأن الإمالة ينحى بالألف فيها نحو الياء، وهذه ينحى بها نحو الواو، وزعموا أن كتبهم الصلوة والزكوة ونحو ذلك مما كتب بالواو على هذه اللغة وأما السبعة الأحرف التي هي تتمة الاثنين والأربعين حرفا فأولها الكاف التي بين الجيم والكاف.
وقد أخبرنا أبو بكر بن دريد أنها لغة في اليمن يقولون في جمل كما وهي كثيرة في عوام أهل بغداد يقول بعضهم كمل وركل في جمل ورجل وهي عند أهل المعرفة منهم معيبة مرذولة والجيم التي كالكاف هي كذلك وهما جميعا شيء واحد إلا أن أصل أحدهما الجيم والأصل الآخر الكاف، ثم يقلبونه إلى هذا الحرف الذي بينهما، والدليل على أنهما شيء واحد أنك إذا عددت ما بعد الخمسة والثلاثين فهو سبعة بعدهما واحد وثمانية بعدهما اثنان والجيم كالشين ويكثر ذلك في الجيم إذا سكنت وبعدهما دال أو تاء نحو:
اجتمعوا والأجدر يقولون فيه اشتمعوا والأشدر فيقربون الجيم من الشين؛ لأنهما من مخرج واحد والشين أسلس وألين وأفشى فإذا كانت الجيم مع بعض الحروف المقاربة لها ولا سيما إذا كانت ساكنة صعب إخراجها لشدة الجيم، ومال الطبع بالنطق إلى الأسهل.
وذكر سيبويه الشين التي كالجيم في تتمة الخمسة والثلاثين حرفا وذلك عنده من الكثير المستحسن وذكر الجيم كالشين في التتمة الاثنين والأربعين حرفا وذلك عنده مما لا يستحسن والفرق بينهما أن الشين التي كالجيم في نحو: الأشدق إنما قربت فيه الشين من الجيم بسبب الدال لما بين الجيم والدال من الموافقة في الشدة والجهر كراهة لجمع الشين والدال لما بينهما من التباين.
وإذا كانت الجيم قبل الدال في الأجدر وقبل التاء في اجتمعوا فليس بين الجيم والدال وبين الجيم والتاء من التنافر والتباعد ما بين الشين والدال؛ فكذلك حسن الشين التي كالجيم وضعف الجيم التي كالشين.
وأما الطاء التي كالتاء فإنها تسمع من عجم أهل المشرق كثيرا لأن الطاء في أصل لغتهم معدومة فإذا احتاجوا إلى النطق بشيء فيه طاء تكلفوا ما ليس في لغتهم فضعف نطقهم بها والضاد الضعيفة من لغة قوم ليس في أصل
حروفهم ضاد.
فإذا احتاجوا إلى التكلم بها من العربية اعتاصت عليهم فربما أخرجوها ظاء وذلك
[ ٥ / ٣٨٩ ]
أنهم يخرجونها من طرف اللسان وأطراف الثنايا، وربما تكلفوا إخراجها من مخرج الضاد فلم تتأت لهم فخرجت من بين الضاد والظاء ورأيت في كتاب أبي بكر مبرمان في الحاشية الضاد الضعيفة يقولون في إثر واضروله يقربون الثاء من الضاد التي كالسين فيما ذكروه كأنها كانت في الأصل صادا فقربها بعض من تكلم لها من السين لأن السين والصاد من مخرج واحد والظاء التي كالتاء والباء التي كالفاء هي كثيرة في لغة الفرس وغيرهم من العجم وهي على لفظين أحدهما لفظ الباء أغلب عليه من الفاء والآخر لفظ الفاء أغلب عليه من الباء.
وقد جعلا حرفين من حروفهم سوى الباء والفاء المخلصين.
قال أبو سعيد﵀-: وأظن الذين تكلموا بهذه الأحرف المسترذلة من العرب خالطوا العجم؛ فأخذوا من لغتهم.
قال سيبويه: إلا أن الصاد الضعيفة تتكلف من الجانب الأيمن وإن شئت تكلفتها من الجانب الأيسر وهي أخف؛ لأنها من حافة اللسان وإنما تخالط مخرج غيرها بعد خروجها فتستطيل حتى تخالط حروف اللسان فسهل تحويلها إلى الأيسر؛ لأنها تصير في حافة اللسان في الأيسر إلى مثل ما كانت في الأيمن، ثم تنسل من الأيسر حتى تتصل بحروف اللسان كما كانت في الأيمن، وإنما قال: هي أخف؛ لأن الجانب الأيمن قد اعتاد الضاد الصحيحة، وإخراج الضعيفة من موضع قد اعتاد الصحيحة أصعب من إخراجها من موضع لم يعتد الصحيحة.
قال أبو سعيد﵀-: وتجيء على قياس ما عدّ سيبويه الحروف أكثر من اثنين وأربعين حرفا لأنه ذكر بعد تفصيل الاثنين وأربعين حرفا الشين التي كالزاي والجيم التي كالزاي في باب قبيل آخر الكتاب ويدخل في هذا اللام المقحمة التي في اسم الله ﷿ في لغة أهل الحجاز، ومن يليهم من العرب ومن يليهم ناحية العراق إلى الكوفة وبغداد ورأينا من يتكلم بالقاف بين القاف والكاف فيأتي بمثل لفظ الكاف التي بين الجيم والكاف والجيم التي كالكاف.
قال سيبويه: وحروف العربية ستة عشر مخرجا:
فللحلق منها ثلاثة أقصاها مخرجا الهمزة والهاء والألف.
ومن وسط الحلق: مخرج العين والحاء.
وأدنى مخارج الحلق إلى اللسان: الغين والخاء.
ومن أقصى اللسان ومما فوقه من الحنك الأعلى: مخرج القاف.
[ ٥ / ٣٩٠ ]
ومن أسفل من موضع القاف: من اللسان قليلا.
ومما يليه من الحنك الأعلى: مخرج الكاف.
ومن وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك الأعلى: مخرج الجيم والشين والياء.
ومن أول حافة اللسان وما يليه من الأضراس: مخرج الصاد.
ومن حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرف اللسان بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى مما فويق الضاحك والناس والرباعية والثنية مخرج اللام.
ومن طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا: مخرج النون ومن مخرج النون غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلا لانحرافه إلى مخرج اللام مخرج الراء.
ومن بين طرف اللسان وأصول الثنايا: مخرج الطاء والدال والتاء.
ومن بين طرف اللسان وفويق الثنايا: مخرج الصاد والزاي والسين.
ومما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا: مخرج الظاء والثاء، والذال.
ومن باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العلي: مخرج الفاء.
ومما بين الشفتين مخرج الباء والميم والواو.
ومن الخياشيم مخرج النون الخفيفة.
وذكر الليث بن المظفر في كتاب العين عن الخليل أن الحروف تسعة وعشرون حرفا خمسة وعشرون صحاح لها أجواف وأربعة جوف؛ فقال: الواو أجوف ومثله الياء والألف اللينة والهمزة جوفاء؛ لأنها تخرج من الجوف فلا تقع في مدرجة من مدارج الحلق ولا مدارج اللهاة ولا مدارج اللسان وهي في الهواء.
قال: وكان الخليل يقول كثيرا: الألف اللينة والواو والياء هوائية أي أنها في الهواء.
وأقصى الحروف كلها: العين وأرفع منها الحاء، ولولا بحة في الحاء لأشبهت الهاء لقرب مخرج الهاء من مخرج الحاء.
فهذه الثلاثة الأحرف في حيز واحد بعضها أرفع من بعض، ثم الخاء والغين وهما في حيز واحد وهما لهويتان والكاف أرفع من القاف، ثم الجيم واحد وهما لهويتان.
والكاف أرفع من القاف، ثم الجيم والشين والضاد، وهي في حيز واحد بعضها أرفع من بعض، ثم الصاد والسين
والزاي، وهي في حيز واحد بعضها أرفع من بعض، ثم الطاء والدال والتاء في حيز واحد بعضها أرفع من بعض، ثم الواو واللام والنون في حيز واحد بعضها أرفع من بعض، ثم الفاء والباء والميم في حيز واحد بعضها أرفع من بعض.
ثم الواو والياء والألف ثلاثة في الهواء لم يكن لها حيز تنسب إليه.
[ ٥ / ٣٩١ ]
قال الليث، قال الخليل: فالعين والحاء والهاء والغين والخاء حلقية؛ لأن مبدأها من الحلق والقاف والكاف لهويتان لأن مبدأهما من اللهاة والجيم والشين والضاد شجرية والشجر مفرج الفم؛ لأن مبدأهما من شجر الفم، والصاد والسين والزاي أسلية لأن مبدأها من أسلة اللسان، وهي مستدق طرف اللسان، والطاء والدال والتاء نطعية؛ لأن مبدأها من نطع الفك الأعلى والظاء والذال والثاء لثوية، لأن مبدأها من اللثة والراء واللام والنون ذلقية والواحد أذلق وذلق وذلق، كل شديد تحديد طرفه كذلق اللسان، ومبدأها من ذلق اللسان والفاء والباء والميم شفهية.
وقال: مرة شفوية أي مبدأها من الشفة والباء، والواو والألف والهمزة هوائية في حيز واحد؛ لأنها في الهواء لا يتعلق بها شيء.
وقال الفراء: اعلم بأن الألف والهمزة والعين والحاء أخوات وذلك لتقاربهن في المخرج من أقصى الحلق إذا امتحنت ذلك وجدته والذي يتلوهن في القرب منهن، والبعد من غيرهن الغين والخاء؛ فلذلك بينت العرب النون عند الحاء، وأخواتها فلم يكن إلا التبين وبينوها مرة وأخفوها عند الخاء والغين فلقربهما من أخواتهما بينوها ولارتفاعهما عن درجاتهن لم يبينوا فهذا لأقصى المخارج، وأبعد الحروف من الحاء وأخواتها الهاء والميم والفاء، وذلك أن الفاء وأختيها من الشفتين مخارجهن فهي الغاية في البعد من الحاء وأخواتها والياء والواو أختان وإنما تآختا كل التآخي لأن مخرجهما من حروف الفم لا يلتقي بهما موضع من الفم كما يلتقي على غيره.
تجد ذلك إذا امتحنته واضح ذلك، وحسنه ما ذكره سيبويه وفصله.
وقد خالف الفراء سيبويه في موضعين:
أحدهما: أنه جعل الواو والياء مخرجهما واحد من حروف الفم.
والآخر: أنه جعل الفاء والباء والميم من بين الشفتين وذكر الألف التي هي الهمزة، ولم يذكر الألف في الحقيقة، وأظن الفراء أخذ ما ذكره في الواو والياء، والفاء من صاحب كتاب العين جعل الألف والواو والياء في الهواء، ولم يكن لها حيز تنسب إليه.
وجعل أيضا صاحب كتاب العين الفاء والباء والميم حيزا واحدا وسماهن الحروف الشفوية.
واختار المفصل بن سلمة في الواو والياء قول الفراء.
واحتج له بأن أحدهما يدغم في الآخر وينقلب إليه بالإدغام نحو لويته ليا وطويته طيا، وأما القلب فنحو موقن وموسر، والأصل ميقن وميسر؛ لأنه من اليقين واليسار.
[ ٥ / ٣٩٢ ]
والذي قاله غلط؛ لأن الحروف قد تتآخى باتفاقات بينها على غير جهة كونها في حيز واحد وغير التجاوز في المخرج لاشتراكهما في الغنة، وقد تقلب الهمزة واوا وياء وليست من مخرجهما كقولك في مؤمن وجؤنة وذئب وبئر مومن وبير وقد كفانا امتحان ذلك؛ فإنه كالمشاهد لأنك لو بدأت بحرف مفتوح ثم وصلت به واوا أو ياء أو ألفا، ثم وقفت تبين لك اختلاف مخارجها نحو قولك: لولا لا وهذا لا يحتاج إلى إقامة البراهين عليه.
وأما ما ذكره صاحب كتاب العين في المخارج فذكرت جملته ليوقف عليه وكرهت شرحه، والكلام عليه؛ لأن القصد في هذا الكتاب تفسير كلام سيبويه.
قال سيبويه: فأما المجهورة فالهمزة والألف والعين والغين والقاف والجيم والضاد واللام والنون والراء والطاء والدال والزاي والظاء والذال والباء والميم والواو؛ فذلك تسعة عشر حرفا.
فأما المهموسة فالهاء والحاء والخاء والكاف والسين والصاد والتاء والثاء والفاء فذلك عشرة أحرف.
فالمجهورة حرف أشبع الاعتماد في موضعه ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه، ويجري الصوت فهذه حال المجهورة في الحلق والفم؛ إلا أن النون والميم قد يعتمد لهما في الفم والخياشيم فتصير فيهما غنة، والدليل على ذلك أنك لو أمسكت بأنفك ثم تكلمت بهما لرأيت ذلك قد أخل بهما.
وأما المهموس فحرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى معه النفس؛ فأنت تعرف ذلك إذا اعتبرت ورددت الحرف مع جري النفس ولو أردت ذلك في المجهور لم تقدر عليه.
فإذا أردت اعتبار الحرف فأنت ترفع صوتك إن شئت بحروف المد وبما فيها منها، وإن شئت أخفيت.
قال أبو سعيد﵀- سمى سيبويه هذه الحروف مجهورة لما فيها من إشباع الاعتماد المانع من جري النفس معه عند الترديد لأن قوة الصوت باقية أخذه سيبويه من الجهر وسمي الحروف الأخر مهموسة، لأن الهمس الصوت الخفي فلضعف الاعتماد فيها وجري النفس مع ترديد الحرف تضعف.
وقد جعلت لحروف الهمس كلمتين وهما ستشحثك خصفه يجمعانها في الأصل ليسهل حفظهما لأن الناظر في النحو ليس يكثر الاعتياد لها.
[ ٥ / ٣٩٣ ]
وإنما الحاجة إلى ذكرها بسبب الإدغام، وهو آخر النحو، وإذا حفظت المهموسة فالباقي من الحروف مجهورة.
وقوله: إذا أردت اعتبار الحرف فإنك ترفع صوتك إن شئت بحروف المد، وبما فيها منها، وإن شئت أخفيت.
قال أبو سعيد: اعلم أن ترديد الحرف الذي يعرف به المجهور من المهموس لا يمكن إلا بتحريكه؛ لأن الساكن لا يمكن ترديده، ومعنى كلامه أن ترديد الحرف على الوصف الذي ذكر يعرف به المجهور من المهموس سواء رفعت صوتك أو أخفيت وحروف المد هي الألف والواو والياء وما فيها منها يعني الحركات.
ويحتمل أن يكون الضمير في قوله فيها لحروف المد، ويكون معنى فيها معها كأنه قال: وما معها من الحركات المأخوذة منها.
ومثال ذلك أنا نعتبر القاف فندخل عليها ألفا فنقول قافا قا أو واوا فنقول قوقو قو أو ياء فنقول في في في فنرفع صوتنا بالألف التي بعد القاف وبفتحة القاف أو بالواو والضمة، أو بالياء والكسرة ويحتمل أن يكون الضمير في قوله فيها للحروف المهموسة والمجهورة فيكون الترديد مرة بزيادة حرف المد على الحرف المردد، وزيادة حركة ومرة بزيادة حركة فقط، كأنا قلنا ق ق ق أو قلنا ق ق ق أو قلنا ق ق ق.
قال سيبويه: ومن الحروف الشديد وهو الذي يمنع الصوت أن يجري فيه وهو الهمزة والقاف والكاف والجيم والطاء، والدال والتاء والباء وذلك أنك لو قلت الحج ثم مددت صوتك لم يجر ذلك.
وقد قيدتها للحفظ بقولي أجدك قبطت، قال: ومنها الرخوة وهي الحاء والهاء والغين والخاء والشين والضاد والصاد والزاي والسين، والظاء، والذال والثاء والفاء.
قال أبو سعيد﵀-: الرخوة ضد الشديدة، والفرق بينهما أن الحرف الشديد إذا وقفت عليه انحصر الصوت، والرخو إذا وقفت عليه لم ينحصر الصوت تقول اق فتحد القاف منحصر أو تقول اش أو اخ فتجد جاريا.
ثم ذكر سيبويه ثمانية أحرف جعل بعضها بين الشديدة والرخوة، وجعل بعضها شديدا، وفيه شبيه الرخو، وأنا أحكي لفظه في كل حرف منها.
وقد قيدتها بقولي: لم يروعنا، وإنما جعلها كذلك؛ لأن الحرف الشديد هو الذي ينحصر الصوت في موضعه عند الوقف عليه، ولا ينحصر على ما ذكرناه وهذه الأحرف الثمانية لا يجري الصوت في مواضعها عند الوقف، ولكن يعرض لها إعراض توجب
[ ٥ / ٣٩٤ ]
خروج الصوت باتصاله بغير مواضعها وانسلاله على غير الشرط في الحرف الرخو.
وقد ابتدأ سيبويه في ذكر هذه الحروف فقال: فأما العين فبين الرخو والشديدة تصل إلى الترديد فيها لشببها الحاء؛
كأن صوتها ينسل عند الوقف إلى الحاء فليس لصوتها الانحصار التام، ولا جرى الرخو فجعله بينهما.
قال: ومنها المنحرف، وهو حرف شديد جرى فيه الصوت الانحراف المشبان مع الصوت، ولم يعترض على الصوت كاعتراض الحروف الشددية، وهو اللام إن شئت مددت فيها الصوت، وليست كالرخوة لأن طرف لا يتجافى عن موضعه، وليس يخرج الصوت من موضع اللام، ولكنه من ناحيتي مستدق اللسان فوثق ذلك وأنت إذا تأملت الذي قاله سيبويه وجدته كما قال، ولو سددت جانبي موضع اللام لانحصر الصوت ولم يجز ألبتة.
قال سيبويه: ومنها حرف شديد يجري معه الصوت؛ لأن ذلك الصوت غنة من الأنف وإنما تجري من أنفك واللسان لازم لموضع الحرف لأنك لو أمسكت بأنفك لم يجر معه الصوت، وهو النون والميم والذي قاله بين إذا تأملته، وكذلك الراء في ابتداء النطق به ينحصر الصوت في مكانه ولا يجري فإذا كررته انحرف إلى اللام فتجافي لجري الصوت.
قال: ومنها اللينة وهي الباء والواو، ولأن مخرجهما يتسع لهواء الصوت أشد من اتساع غيرهما كقولك وأي والواو وإن شئت أجريت الصوت ومددت ومنها الهاوي وهو حرف لين اتسع لهواء الصوت مخرجه استد من اتساع مخرج الياء والواو لأنك قد تضم شفتيك في الواو وترفع في الياء لسانك قبل الحنك وهي الألف وهذه الثلاثة أخفى الحروف لاتساع مخارجهن وأخفاهن وأوسعن مخرجا الألف.
ونسخة أبي بكر مبرمان ثم الياء والواو، وقال أبو سعيد﵀-: هذه الثلاثة الأحرف وهي الواو والياء والألف لاتساع مخارجها، وأن الحركات منها ولا يمد في الغناء وسائر الألحان حرف سواهن كل واحدة منهن لها صوت في غير موضع مخرجها من الفم فصارت مشبهة للرخوة بالصوت الذي يجري عند الوقف عليها وهو تشبه الشديد للزومها مواضعها وليس الصوت فيها مثله في الحروف الرخوة؛ لأن الرخوة إنما صوتها الجاري عند الوقف من موضعها.
قال أبو الحسن الأخفش: سألت سيبويه عن الفصل بين المهموس والمجهور؛ فقال المهموس إذا خففته ثم كررته أمكنك ذلك فيه وأما المجهور فلا يمكنك ذلك فيه ثم كرر
[ ٥ / ٣٩٥ ]
سيبويه التاء بلسانه، وأخفى فقال: ألا ترى كيف يمكن تكرار الطاء والدال وهما من مخرج التاء فلم يمكن وأحسبه ذكر ذلك عن الخليل قال سيبويه، وإنما فرق بين المجهور والمهموس أنك لا تصل إلى تبيين المجهور ولا أن يدخله الصوت الذي يخرج من الصدر فالمجهور كلها هكذا يخرج صوتهن من الصدر، ويجري في الحلق غير أن الجيم والنون تخرج أصواتهما من الصدر وتجري في الصدر والخيشوم فيصير ما جرى في الخيشوم غنة
يخالط ما جرى في الحلق، والدليل على ذلك أنك لو أمسكت بأنفك ثم تكلمت بهما رأيت ذلك قد أخل بهما.
وأما المهموسة فتخرج أصواتها من مخارجها، وذلك مما يزجي الصوت ولم يعتمد عليه فيها كاعتمادهم في المهموز فأخرج الصوت من الفم ضعيفا والدليل على ذلك أنك إذا أخفيت همست بهذه الحروف ولا تصل إلى ذلك في المجهور؛ فإذا قلت شخص فإن الذي أزجى هذه الحروف صوت الفم، ولكنك تتبع صوت الصدر هذه الحروف بعد ما يزجها صوت الفم ليبلغ ويفهم بالصوت فالصوت الذي من الصدر هاهنا نظير ذلك الصوت الذي ترفعه بعد ما يزجي صوت الصدر ألا ترى أنك ت قول قام فإن شئت أخفيت وإن شئت رفعت صوتك؛ فإذا رفعت صوتك فقد أحدثت صوتا آخر.
قال أبو إسحاق: معنى جهرت أعلنت وأظهرت وكشفت ومعنى همست أخفيت فليس في الطاقة حرف يمتنع من أن يجهر به، وفي الحروف ما لا ينطق به إلا مجهورا وهي التسعة عشر حرفا فمتى رمت أن تنطق بشيء منها لم يتهيأ لك أن تأتي به خفيا فرم ذلك في العين والقاف والطاء والداء؛ فإنه يمتنع ولا يسمع إلا مجهورا، ومنها ما يتهيأ لك أن تنطق به ومسمع عنك خفيا، وهي الأحرف العشرة فرم ذلك في التاء؛ فإنك تجده وذلك قولك ت ت ت فهذه تسمع منك خفية وإن شئت جهرت بها وأخواتها أيضا يجرين مجراها في أنه يتهيأ أن يسمعن خفيات وهن مع هذا يختلفن لما فيهن من الرخاوة والشدة والتاء أثبتهن في الهمس.