اعلم أن الزيادة في الثلاثي قد تقع في موضع عين الفعل، وإن لم يكن ذلك الحرف من حروف الزيادة؛ كقولنا قوم سرّق إحدى الراءين في سرق قد زيدت على الراء التي في الأصل؛ لأن الأصل راء واحدة إذا كانت من السرقة والراء عين الفعل وليست من حروف الزيادة.
زادت العرب في الثلاثي من موضع عين الفعل في أربعة أمثلة وهي فعّل وفعل وفعل؛ فإما فعّل فذكره سيبويه اسما وصفة، فالاسم حمّر وهو جمع حمّرة وهي طائر، والعلف ثمر الطلح واحدته علافة والصفة فيما ذكره سيبويه الزمج، والمعروف أن الزمج اسم؛ لأنه الطائر الجارح المعروف.
[ ٥ / ١٧٠ ]
وكذلك أبو عمر الجرمي الزمج وفسرها هذا التفسير، غير أنه لم يذكر هل هو اسم أو صفة والزمج والزماج الخفيف الرجلين فيما ذكره، وفيما فسره ثعلب من الأبنية عن سيبويه الزمح بالحاء اللئيم، وهذا صفة وهو أشبه بما قاله سيبويه.
قال أبو بكر بن دريد الزمج الضعيف والزمل وهو الضعيف والجبّأ وهو الجبان قال الشاعر:
فما أنا من ريب المنون بجبّأ ولا أنا من سيب الإله بيائس (١)
وأما فعل فالاسم قنب وهو معروف، والبنف وهو يابس الغدير، والقنع مثله وقد قال بعد هذا سيبويه في باب فعل ما تجعله زائدة من حروف الزوائد والأمرة والأمعة صفتان؛ فظاهر هذا يوهم المناقضة لأنه قال في الباب الأول أنه اسم، وفي الباب الثاني أنه صفة، وكلا القولين صحيح، أما جعله اسما فلأن الأمر والأمرة من ولد الفنان، وأما جعله إياه صفة فلأنه يقال رجل لآمر إذا كان يأتمر لكل من أمره بشيء قال امرؤ القيس:
ولست بذي رثية أمرا إذا قيد مستكرها أصحبا (٢)
والصفة ذنب وهو القصير، ويقال دنم في هذا المعنى ودنبة ودنمة والأمّعة الذي لا رأي له، ويتبع كل إنسان على رأيه وهواه؛ فإن قال قائل لم جعلتم أمعة فعّلة وجعلتم الهمزة أصلية وهلا جعلتموها زائدة، وقلتم إنها أفعلة؛ قيل له ليس في النعوت أفعلة وأمعة نعت؛ فإن قال ففي الأسماء أفعلة نحو أونرة فهلا جعلتم أمرة أفعله؛ قيل له لو جعلناه أفعله كنا قد جعلنا فاء الفعل وعينه ميمين، وليس في الأسماء ما عينه وفاؤه من جنس واحد إلا أحرفا يسيرة نحو أول وكوكب؛ فعدلنا به إلى الباب الأكثر وهو فعل نحو قنب وفلق والهيج وهو الفحل الهائج مأخوذ من الهبيح والجاز من حب الحبوب يكون بالشام، ورجل جاز وامرأة جازة إذا كانا بخيلين، وقال أبو حاتم الجاز القصير، وقال ثعلب في تفسير الأبنية جاز، وهو شجر قصار والمعروف على هذه الحروف الجلوز وهو البيذق والبيذق فارسي، وإما فعل فهو تبع معناه الظل يقال تبع وتبع قال الشاعر:
_________________
(١) انظر المخصص ٥/ ١١، تاج العروس ٣/ ٨٣.
(٢) انظر أساس البلاغة ١/ ٣٤٨، انظر تهذيب اللغة ١٥/ ٢٠٩.
[ ٥ / ١٧١ ]
يرد المياه حضيره ونفيضه ورد القطاة إذا أسمال التبع (١)
وأما ما زيد على لامه من الثلاثي حرف من جنس اللام فهو على ضربين منه؛ فتدغم وهو ما سكن الأول من حرفيه في نفس البنية، ومنه غير مدغم وهو ما تحرك الأول من حرفيه، فإما الذي ليس بمدغم فهو أربعة أمثلة فعلل وفعلل وفعلل وفعلل ملحقات بالأصول بجعفر وبرثن وزبرج وفعلل وفعلل وفعلل على قول الأخفش ومن تبعه ملحق بجحذب ونحوه، وعلى قول غيره ليس في الأصول فعلل فلم تجعل فعلل بزيادة إحدى لاميه ملحقا فإما فعلل نحو قردد ومهدد و" قردد " الأرض المستوية ومهدد اسم امرأة فإن قال قائل لم لا تجعلون مهدد مفعل والميم زائدة إذا كانت الميم تقع زائدة في أول الاسم كثيرا، قيل له لو كان مهدد مفعل لكان مهد مثل مرد ومفر؛ لأن مفعل إذا كان عينه ولامه من جنس واحد أدغمت العين في اللام كقولنا مكر ومجر، وإنما أظهروا في قردد ومهدد الدالين، ولم يدغموا لأنهم ألحقوهما بجعفر؛ فجاءوا بهما على لفظ جعفر ولم يدغموا الدال للفظ لأنه كان تسكن الدال الأولى التي هي بإزاء الفعل من جعفر وهي متحركة فتخالف لفظ الملحق به، وإما فعلل فهو سردد اسم موضع ملحق ببرثن، وإحدى داليه زائدة وشربب وهو اسم شجر واسم موضع أيضا، ودعبب وله معنيان الدعبب عنب الثعب والدعبب الدعابة، وفي الصفة قعدد وهو أقرب القبيلة نسبا إلى جده، والقعدد أيضا الضعيف الذي يقعد عن المكارم قال الشاعر:
هرنبي يحك قفا مقرف لئيم ما تره قعدد
والدخلل المداخل للرجل المستبطن لأمره، وإما فعلل فهو قولهم رمدد وملحق بزبرج قالوا رماد رمدد إذا كان أتى عليه الدهر وحال عن حاله، وإما فعلل فهو عندد يقال " ما لي عنك عندد " أي بد في معناه، وليس من لفظه " ما لي عنك معلندد " أي بد فإن قال قائل فهلا جعلتم النون فيه زائدة وجعلتموه فنعل مثل جندب، قيل له جندب ليس فيه من الزوائد غير النون، وعندد أعيد آخره وكرر، ومن حكم المكرر أن يكون زائدا إلا أن يقوم الدليل على أنه أصل، وذلك لما سنبينه إن شاء الله، وعنبب والصفة فيه قعدد ودخلل وفيهما لغتان قعدد وقعدد ودخلل. ودخلل وإما المدغم من هذا فعلى سبعة أمثلة فعّل وفعّل وفعّل وفعّل وفعّل وفعّل أما فعّل نشرته وهي اسم بلد قال الشاعر:
_________________
(١) انظر إصلاح المنطق ١/ ٣٥٥، الأصمعيات ١/ ١٠٣، جمهرة اللغة ٢/ ١٠٨٩.
[ ٥ / ١٧٢ ]
وإلا فإنا بالشربة واللّوى معترامات الرباع ونبسر
ومعده وهو موضع رجل الفارس من الدابة إذا ركب قال الشاعر:
فا ما زال سرج من معد وأجدر بالحوادث إن نكرنا
فإن قال قائل فما تنكرون أن يكون معد مفعل؛ قيل له علمنا أن الميم فيه زائدة بالاشتقاق، وذلك بقولهم تمعدد الرجل تشبه بمعد في خشونة العيش والتضمر والشدة قال الشاعر:
ربّيته حتى إذا تمعددا وصار نهدا كالحصان أجردا (١)
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
والهبي الصبي الصغير فإن قال قائل ما أنكرتم أن يكون تمعدد تمفعل، كما قالوا تمدرع إذا لبس المدرعة، وتمسكن إذا تعاطي المسكنة، وأصلها من السكون قيل له هذا، وإن كان قد جاء فليس بالوجه إنما هو شاذ قليل، والوجه الجيد تدرع وتسكن، وإذا رجعنا إلى تأمل معناه كان كالدليل على أن الميم أصلية، وذلك أنا إذا جعلنا الميم أصلية فهي من معد الرجل يمعد إذا عدا قال الشاعر:
رحّال بين حربا فمعدا لا يحسبان الله إلا رقدا
والمعد هو الموضع الذي تقع عليه رجل الفارس إذا ركض الدابة وبعثه على العدو فهو شبيه بمعنى معد، وإذا جعلنا الميم زائدة فهو من عد يعد ولا معنى للعد ها هنا والجربة وهي العانة من الحمير فيما ذكره أبو بكر بن دريد قال الراجز:
ليس بنا فقرا إلى التّسكن جربة لحرالا
والجربة الجماعة من النبات والجربة الجماعة الأشداء إذا اجتمعوا، وإما فعل فالاسم خدب والصفة خدب وهو الضخم الشديد، وهجف وهو الجافي الأخرق، وهتف وهو العظيم وإما فعل فالجبن والفلح وهو الصنف يقال الناس فلجان أي صنفان، والرجف وهو جمع رجفة وهو الغيم والظلمة، والصفة تمد وصمل وهما الشديدان والعتل اللفظ الغليظ، وإما فعل فهو جبر قال الشاعر:
فعودة نفقا جبر ليس به من أهل عريب
_________________
(١) أساس البلاغة ١/ ٥٩٩، تاج العروس ٩/ ١٨٠، جمهرة اللغة ٢/ ٦٥٥.
[ ٥ / ١٧٣ ]
والفلز خبث الفضة والحمر معظم المطر، والطمر الفرس الوثاب في جريه يقال طمر إذا وثب، وإنما يراد به سرعته والهبر المنقطع من قولك هبرت اللحم أهبره إذا قطعته ومنه سيف هبا إذا كان قطاعا والحنق السريع يقال
إنه لحنق العنق وهو الإسراع، وإما فعل فحكاها سيبويه بالهاء وهي تئفة يقال جئتك على تئفة ذاك، وعلى تفئة ذاك، وعلى إفان ذاك إذا كان بالقرب من وقته، وإما فعلة فدرجة ومعناها الدرجة والمرقاة، والجمع درج، وإما فعل فاستعمل بالهاء منه ثلاثة وهي الحاجة قال ابن مقبل:
يا حراست فلتات العباد عبت فلست منها على عين ولا أثر
فإن قال قائل أخبرونا عن هذه الأشياء المكررة من عينات الفعل ولاماته التي جعلتموها زوائد ما الدليل على زيادتها، وهلا جعلتموها أصلية؛ قيل له الدليل على زيادتها أنا اعتبرنا هاهنا ما له اشتقاق فرأيناه زائدا؛ فحملنا ما لا اشتقاق له في الزيادة على ما له اشتقاق فأما ما له اشتقاق في الأسماء فإنا رأينا الجمع يجيء كثيرا في فعل كقولك نادر وندر وسارق وسرق وغاز وغزى، ولو رأينا هذه الحروف المشددة أصلها التخفيف لأنها من ندر وسرق وغزا فعلمنا أن أحد الحرفين قد زيد فيه ونرى الفعل أيضا كذلك لأنا نقول حرّك وسبّح ودبّح وهو من التحريك والتسبيح والتدبيح براء وقاف وباء واحدة، ورأينا هذا الاشتقاق أيضا فيما كرر لامه في الأسماء والأفعال موجودا، فإما الأسماء فإنا رأينا فيها قعدد أو اشتقاقه من القعود بدال واحدة لأن الضعيف سمي بذلك لقعوده عن المساعي، ويقال القعدد في النسب هذا أقعد من هذا بدال واحدة؛ فعلمنا أن إحدى الدالين زائدة، وكذلك داخلل إحدى لاميه زائدة؛ لأنه من الدخول والسؤدة إحدى داليه زائدة؛ لأنه من ساد يسود وإحدى الدالين من رمدد زائدة؛ لأن أصله مشتق من الرماد، وكذلك حيّف لأنه يقال حيف بالتخفيف، وكذلك إحدى الجيمين في فلجّ لأنه نصف مكيال فوقه ولهذا سمي الفالج فالجا لذهاب نصف الإنسان فيه، ويقال الناس فلجان أي نصفان صنفان، وفي الفعل احمرّ واشهبّ بتشديد اللام وأصله من الحمرة والشهبة؛ فصار الباب كله إذا تكرر العين من الفعل أو اللام أن يجعل زائد إذا تم ثلاثة أحرف أصول سوى الحرف المكرر فإذا كان الحرف المكرر لو جعلناه زائدا لم نثبت للاسم أو الفعل ثلاثة أحرف جعلناه أصليا ضرورة إذا كان أقل الأسماء والأفعال على ثلاثة أحرف، وذلك قولنا رد وقل وكر وجد لأنا لو جعلنا أحد الحرفين زائدا بقي من الاسم والفعل حرفان والاسم والفعل أقل ما يكون عليه ثلاثة أحرف.
[ ٥ / ١٧٤ ]