" أما كل همزة قبلها حرف ساكن فإنه يلزمها في الجر والرفع والنصب ما يلزم الفرع في هذه المواضع التي ذكرت لك من الإشمام وروم الحركة ومن إجراء الساكن، وذلك قولهم: هذا الخبء والخبء والخبء ".
قال أبو سعيد: يريد أن من حقق الهمزة في الوقف جرت عليها الوجوه التي تجري على قولنا البكر والفلس وزيد وعمرو وما أشبه ذلك إذا وقفت عليه ويكون منزلته منزلة العين، وكذلك شبهه بالفرع، لأن الهمزة تشبه بالعين.
قال: " واعلم أن ناسا من العرب كثيرا يلقون على الساكن الذي قبل الهمزة حركة الهمزة، سمعنا ذلك من تميم وأسد يريدون بذلك بيان الهمزة وهو أبين لها إذا وليت صوتا والساكن لا ترفع لسانك عنه بصوت لو رفعت بصوت حركته، فلما كانت الهمزة أبعد الحروف وأخفاها حركوا ما قبلها، وذلك قولهم هو الوثؤ ومن
_________________
(١) سورة المطففين الآية ٣.
[ ٥ / ٤٩ ]
الوثيء ورأيت الوثأ وهو البطؤ ومن البطيء ورأيت البطأ وهو الردؤ وتقديرها الردع ومن الرديء وتقديرها الردع.
قال أبو سعيد: فهؤلاء من العرب خالفوا بين ما كان آخره همزة قبلها ساكن وما كان آخره غير همزة، فألقوا الحركات في الهمز على الساكن قبلها ضمة كانت أو فتحة أو كسرة، وسووا بين ما كان أوله مفتوحا أو مضموما أو مكسورا ولم يفعلوا ذلك في غير الهمز على ما تقدم ذكره، وإنما فرقوا بين الهمزة وغيرها لأنها تخفى جدا إذا كان قبلها ساكن، فدعاهم ذلك إلى تحريك ما قبلها بأكثر ما يدعو إلى تحريك ما قبل غيرها واستجازوا الردؤ والبطيء وإن لم يكن في الكلام فعل ولا في الأسماء فعل، لأن هذا ليس ببناء للكلمة، وإذا وصل تغير.
قال: " وأما ناس من بني تميم فيقولون هو الرديء كرهوا الضم بعد الكسرة لأنه ليس في الكلام فعل، فتنكبوا هذا اللفظ لاستنكار هذا في كلامهم، وقالوا: رأيت الرديء، ففعلوا هذا في النصب كما فعلوه في الرفع أرادوا أن يسووا بينهما، وقالوا من البطؤ لأنه ليس في الأسماء فعل، وقالوا: رأيت البطؤ، أرادوا أن يسووا بينهما إذ قالوا من الرديء وهو البطوء إلا يتبعونه الأول وأرادوا أن يسووا بينهن إذ أجرين مجرى واحدا واتبعوه الأول كما قالوا ردّ وفرّ ".
قال أبو سعيد: الذين اتبعوا في الهمز فجعلوا الحرف الثاني تابعا لما قبله آجري مجرى غير الهمزة كما قالوا: هذا عدل وشبل، وقالوا في البسر ورأيت العلم ورأيت الجحر وقد مر ذلك قبل هذا الباب.
ومعنى قول سيبويه: " أرادوا أن يسووا بينهن "، يعني بين الحرف الأول والثاني إذا جرى مجرى واحدا في أن الحرفيين ليسا بحرفي إعراب ولا حركتاهما إعرابا، فاتبعوا الثاني الأول كما اتبعوا ضمة الدال في رد ضمة الفاء وكسرة الراء في فر كسرة الفاء فكسرة الراء في فر تكون لوجهين، تكون لالتقاء الساكنين وللاتباع، وقد ذكرت ذلك.
قال: " ومن العرب من يقول هذا الوثؤ فيجعلها واوا حرصا على البيان، ويقول:
من الوثي فيجعلها ياء، ويسكن ما قبل الياء والواو، ويقول في المنصوب رأيت الوثا فتفتح الثاء، لأنه إذا قلب من المضموم واوا، ومن المكسور ياء أمكن أن يكون ما قبلهما ساكنا، وإذا قلب من المنصوب ألفا لم يمكن أن يكون ما قبلها ساكنا، وإذا قلب من المنصوب ألفا لم يمكن أن يكون ما قبلها ساكنا، فيصير الوثا بمنزلة القفا
[ ٥ / ٥٠ ]
قال: " وأما من لم يقل من البطيء، ولا هو الردؤ فأنه ينبغي لمن اتقى ما اتقوا أن يلزم الواو والياء ".
قال أبو سعيد: يعني أنه ينبغي لهم أن يقولوا من البطي أو من البطو وهو الردو أو الردي، أما أن يقلب الهمزة على حركة نفسها أو على حركة الحرف الأول.
قال: " فإذا كان الحرف الذي قبل الهمزة متحركا لزم الهمزة ما يلزم النطع من الإشمام وإجراء الجزم وروم الحركة، وكذلك يلزمها هذه الأشياء إذا حركت الساكن قبلها الذي ذكرت لك، وذلك قولك هو الخطأ ولم نسمعهم ضاعفوا ".
يعني أنهم لا يشددون الهمز كما شددوا آخر خالد وجعفر، لأنهم لا يضاعفون الهمزة، فكرهوا فيه ما لم يكرهوه في جعفر إذا كانت الهمزة الواحدة مستثقلة فكيف إذا تضاعفت وهم يلينونها استثقالا لها، وهذه الوجوه التي ذكر في الخطأ مثلها في الوثؤ والردؤ، ولأنا إذا حركنا الساكن الأوسط وبعدها همزة جرى مجرى الخطأ في اللفظ فجرت عليها فيها وجوه أحكام الوقف في الخطأ.
قال: " ومن العرب من يقول: هو الكلو حرصا على البيان كما قالوا الوثو ويقول من الكلي يجعلها ياء كما قالوا الوثي، ويقول: رأيت الكلا ورأيت الحبا يجعلها ألفا كما جعلها في الجر ياء وفي الرفع واوا كما قالوا: الوثا، وحرك الثاء لأن الألف لابد لها من حرف قبلها مفتوح، وهذا وقف الذين يحققون الهمز ".
قال أبو سعيد: يريد أن هذه الوجوه التي ذكر من الوقف على الهمزة التي قبلها ساكن والهمزة التي تحرك على تحقيق الهمز في الوقف وعلى الإبدال على ما ذكرناه يفعله من يحقق الهمز في الوصل ثم يختلفون في الوقف على ما ذكرناه.
" وأما من يلين الهمز من أهل الحجاز " إذا وصل " فقولهم هذا الحبا " ورأيت الحبا ومررت بالحبا، لأنها همزة ساكنة وقبلها فتحة، فإنما هي كألف رأس إذا خففت ولا تشم، لأنها كألف مثنى ولو كان ما قبلها مضموما لزمها الواو نحو اكمو، ولو كان مكسورا لزمت الياء نحو أهني وتقديرها أهنع ".
يريد إذا وقفت على مذهب من لا يحقق الهمز قلت أكموا وأهيى بواو محضة وياء محضة، ولم يكن فيها على مذهب أهل الحجاز، ومن لا يحقق إشمام ولا روم ولا غير ذلك من الوجوه التي تخالف الوقف على حروف المد واللين، وإذا كانت الهمزة قبلها ساكن وهي طرف ووقفت عليها على مذهب من يخفف الهمز ألقيت حركتها في التقدير على
[ ٥ / ٥١ ]
الحرف الذي قبلها وحذفتها البتة فيصير ما قبلها إذا وصل متحركا غير مهموز، كقولك:
هذا الوث يا هذا، وهذا الخب ومررت بالوث والخب ورأيت الوث والخب وكذلك تقول: هذا دف في دفء، ورأيت
دفا ومررت بدف فإذا وقفت على هذا المذهب جرى على آخره الإشمام وإجراء الجزم وروم الحركة والتضعيف.
تقول: هذا الوث والوث والوث والوث، وإنما صار فيه أربعة أوجه لأنه تحرك الحرف الذي قبل الموقوف عليه فصار بمنزلة خالد إذا وقفت عليه، ومعنى الردء المعين من قول جل وعز: فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي (١)، والحبا وزير الملك وخاصته الذين يجلسون معه، يقال: هؤلاء أحباء الملك وأقاربه، والكلو الذي ذكر إنما هو الكلأ من العشب.