" وهذه الحروف غير مهموسات وهي حروف مد ولين، ومخارجها متسعة لهواء الصوت وليس شيء من الحروف أوسع مخارج منها ولا أمد للصوت، فإذا وقفت عندها لم تضمها بشفة ولا لسان ولا حلق كضم غيرها فيهوي الصوت، إذا وجد متسعا حتى ينقطع آخره في موضع الهمزة وإذا تفطنت وجدت ذلك، وهو قولك:
ظلموا ورموا وعمى وحبلى، وزعم الخليل أن بعضهم يقول: رأيت رجلأ فيهمز، وهذه حبلأ وتقديرهما رجلع وحبلع، فهمز لقرب الألف من الهمزة حيث علم أنه يصير إلى موضع الهمزة فأراد أن يجعلها همزة واحدة، وكان أخف عليهم، وسمعناهم يقولون: هو يضربها فيهمز كل ألف في الوقف كما يستخفون في الإدغام، فإذا وصلت لم يكن هذا لأن أخذك في ابتداء صوت آخر يمنع الصوت أن يبلغ تلك الغاية ".
قال أبو سعيد: أراد أن يفصل بين ما كان آخره حرف من حروف المد واللين وبين ما قبله من سائر الحروف في حكم الوقف، ويبين أنه ليس في حروف المد إشمام ولا روم الحركة ولا تشديد، لأن امتدادها أغنى عن ذلك،
وذلك لأنها لما اتسع مخرجها امتد الصوت فيها، ولذلك قال الخليل: إن الألف المثبتة في الخط في قولهم كفروا وظلموا وما
[ ٥ / ٤٨ ]
أشبه ذلك من أجل أن منقطع صوت الواو عند مخرج الألف، وقال الأخفش: إنما اثبتوا الألف لأن يفصل بين واو العطف وواو الجمع، وقال غيرهما: إنما زادوا الألف ليفصلوا بين ما اتصل به ضمير مفعول وبين ما لم يتصل به كقولك في ضمير المنصوب ظلموهم وظلموكم يكتب بغير ألف، وإذا قلت ظلموا هم فجعلت هم توكيدا للواو، كقولك:
قاموا هم، أثبت الألف وكذلك حمل قوله ﷿: وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (١)، أن " هم " في موضع مفعول، لأن الخط في المصحف بغير ألف، ولهذا موضع يشرح فيه إن شاء الله.
وأما من جعل مكان الألف همزة فلأن الهمزة إذا كان قبلها متحرك فهي أبين من الألف. ومعنى قول سيبويه: " همزة واحدة " يريد أنهم لم يشددوا الهمزة كما قالوا في جعفر جعفر في الوقف، وكان ذلك أخف عليهم من أن يتكلفوا للوقف إحدى العلامات التي تقدم ذكرها، وشبهوا ذلك بالإدغام، لأن الإدغام يقع فيه تغيير الحرف الأول من أجل الحرف الثاني، فتغير علما أنهم يصيرون إلى موضعه، وكذلك غير الألف إلى الهمزة حيث علموا أنهم يصيرون إلى موضع الهمزة، وكان في الهمزة تبيان أتم من تبيان الألف، فإذا وصل بشيء استغنوا عن التغيير وصيروه ألفا.