وذلك قولك: صقت وصبقت والصملق وذلك أنها من أقصى اللسان فلم تنحدر انحدار الكاف إلى الفم، وتصعدت إلى ما فوقها من الحنك الأعلى والدليل على ذلك أنك لو جافيت بين فكيك وفي نسخة أبي بكر مبران بين منكبك فبالغت، ثم قلت: تق لوجدت ذلك لانحل بالقاف ولو فعلت بالكاف وما بعدها من حروف اللسان أخل بهن ذلك فهذا آية لك على أن معتمدها على الحنك الأعلى؛ فلما كانت كذلك أبدلوا من مكان السين أشبه الحروف بالقا فليكون العمل من وجه واحد وهي الصاد؛ لأنك ترفع لسانك إلى الحنك الأعلى للإطباق فشبه بإبدالهم الطاء في مصطبر والدال من مزدجر ولم يبالوا ما بين السين والقاف من الحواجز وذلك لأنها قلبتها على بعد المخرجين فكما لم يبالوا بعد المخرجين لم يبالوا ما بينهما من الحروف إذ كانت تقوي عليها والمخرجان متفاوتان هذا كلام واضح مفهوم.
وأقصى اللسان يريد به أقصى الفم، قال: ومثل ذلك قولهم: جلباب وفي نسخة أبي بكر جلبلاب لم يبالوا ما بينهما وجعلوها بمنزلة عالم، وإنما فعلوا هذا لأن الألف قد تمال في غير الكسر في صار وغرقى وحبالى ونحوها، وكذلك القاف لما قويت على البعد لم يبالوا الحاجز يريد أن القاف قد قويت على قلب السين صادا، وإن كان بينهما حاجز كما أن الكسرة التي هي أحد الأسباب الموجبة لإمالة الألف قد يكون بينها وبين الألف الممالة حاجز كقولهم جلباب، وبين الكسرة والجيم والألف الممالة لام جلباب وباؤه
[ ٥ / ٤٥٥ ]
وسائر ما ذكره بين.
قال: والعين والخاء بمنزلة القاف من الفم وقربهما من الفم كقرب القاف من الحلق وذلك قولهم صالغ في سالغ وصلخ في سلخ وهذا كلام ظاهر.
قال: وإذا قلت: زقا أو زنوا لم يغيرها؛ لأنها حرف مجهور لا يتصعد وإنما تصعدت الصاد من بالسين وهي مهموسة مثلها؛ فلم يبلغوا هذا إذ كان الأعراب الأجود الأكثر في كلامهم ترك السين على حالها، وإنما يقولها من العرب بنو العنبر يريد أن الزاي وهي من مخرج السين إذا كان بعدها قاف لم تقلب صادا كما قلبت السين؛ لأن السين والصاد مهموستان فقلب السين صادا على اتفاقهما في المخرج واتفاقهما في الهمس والرخاوة أقوى من قلب الزاي صادا وهما مختلفان في الهمس والجهر.
وقوله: لأنها حرف مجهور لا يتصعد يريد أنها لا تجعل مطبقة مثل الصاد في الاستعلاء لاختلافهما في الجهر والهمس وإنما تصعدت الصاد من السين أي انقلبت منها والصاد مستعلية فكان السين قد استعلت بهذا الانقلاب ولم يبلغ من تنافر الزاي والقاف أن يقلبوها صادا على بعد ما بين الصاد والزاي في الجهر والهمس وترك القلب في السين هو الأعراب الأكثر وإنما يقلبها بنو العنبر الذين ذكرتهم.
قال: وقالوا: ضاطع في ساطع لأنهم في التصعد مثل القاف وهي أولى بهذا لبعد المخرجين يريد أن الطاء في الاستعلاء مثل القاف؛ فكان قلب السين في ساطع أولى من قلبها مع القاف لأن السين أقرب إلى الطاء منها إلى القاف.
قال: ولا يكون هذا في التاء إذا قلت نتق ولا في الثاء من ثقب فيخرجها إلى الطاء لأنها ليست كالطاء في الجهر والعشو في الفم والسين كالصاد في الهمس والصفير والرخاوة؛ فإنما يخرج من الحرف إلى مثله في كل شيء إلا الإطباق؛ فإن قيل: هل يجوز في ذقطها أن تجعل الذال ظاء؛ لأنهما مجهورتان ومثلان في الرخاوة فإنه لا يكون لأنها لا تقرب من القاف قرب الصاد، ولأن القلب أيضا في السين ليس بالأكثر؛ لأن السين قد ضارعوا بها حرفا من مخرجها بما هو غير مقارب لمخرجها ولا حيزها وإنما بينه وبين القاف مخرج واحد.
وكذلك قربوا من هذا المخرج ما يتصعد إلى القاف؛ فأما التاء والثاء؛ فلا يكون في موضعهما هذا، ولا يكون فيهما مع هذا ما يكون في السين من البدل قبل الدال في التسدير إذا قلت التزدير.
ألا ترى أنك لو قلت: التثدير لم تجعل الثاء ذالا لأن الظاء لا تقع وهنا ولأن
[ ٥ / ٤٥٦ ]
الثاء كذا.
وفي نسخة أبي بكر مبكران ولأن الثاء لم يضارعوا من مخرجها بما هو غير مقارب لمخرجها كما فعلوا ذلك بالسين.
قال أبو سعيد﵀-: اعلم أن سيبويه فرق بين قلب السين صادا مع القاف وبين قلب التاء طاء والثاء ظاء مع
القاف بأشياء منها أن ما بين السين والصاد من الموافقة أكثر مما بين التاء والطاء والثاء والظاء؛ لأن السين كالصاد في الهمس والصفير والرخاوة وإنما يخرج من السين إلى صاد؛ لأنها مثلها في كل شيء الإطباق ثم أبطل سيبويه قلب التاء في نتو طاء وقلب الثاء ظاء بأن قال: قلب السين صادا قبل القاف ليس بالمختار ولا بالكثير في كلامهم، وإنما يتكلم به بنو العنبر مع القرب من القاف وبما بين الصاد والسين من المشابهة والموافقات وإذا كان قلب السين صادا ليس بالمختار مع ما بينهما كان ما دونه باطلا غير جائز.
ومما فصل بيه بين السين وبين التاء والثاء أن السين قد ضارعوا بها حرفا يعني الزاي من من مخرجها يعني: من مخرج السين: لأن الزاي من مخرج السين بما هو غير مقارب لمخرجها يعني بين الشين، والجيم هما من مخرج واحد وبين القاف ومخرج واحد هو مخرج الكاف.
وقوله: فقربوا من هذا المخرج ما يتصعد إلى القاف معناه قربوا من مخرج الزاي السين بأن قلبوا السين صاد لتصعد إلى القاف؛ فلما كان في مخرج السين الزاي، وهو مضارع بالجيم والشين القريبتين من القاف، ولم يكن من مخرج الثاء والتاء هو في يصارع مما يقرب من القاف كان ذلك مما يقوي حكم السين في قلبها صادا مع القاف، ومما يفصل بين السين وبين التاء خاصة أن السين يجوز أن يبدل منها حرف من مخرجها وهو الزاي ولا يجوز أن يبدل من التاء حرف من مخرجه وذلك قولهم في التسدير التزدير ولا يجعل مكان الثاء في قولك: التثدير التذدير لجعل مكان التاء وهي نظيرة السين في مخرجها يعني الذال وهي من الثاء بمحل الزاي من السين.
قال أبو سعيد﵀-: الذي في الكتاب التصدير ولا أعرف له معنى في اللغة ولو جعل مكانه التذدير وهو كثرة اللحم على الرجل كان أحب إلي؛ لأن له معنى مفهوما، ثم قوى الظاء الذي هو حرف الإطباق من مخرجه لا يقع قبل الداء، وحرف الإطباق من مخرج السين وهو الصاد يقع قبل الدال في قولك: تصدير وتصدم، وتصدح، وغير ذلك.
[ ٥ / ٤٥٧ ]
وباقي الباب مفهوم.