وذلك قولك حالت حيالا وقمت قياما وإنما قلبوها حيث كانت معتلة في الفعل
_________________
(١) انظر الأمالي ٢/ ١٢٦، تاج العروس ٢٨/ ٣٥٢، تهذيب اللغة ٤/ ١٧٨.
[ ٥ / ٢٦٤ ]
فأرادوا أن تعتل إذا كانت قبلها كسرة وبعدها حرف يشبه الياء، فلما كان ذلك فيها مع الاعتلال لم يقروها وكان العمل من وجه واحد أخف عليهم وجسروا على ذلك الاعتلال.
اعلم أن كون الألف بعد الواو يوجب لها من الإعلال ما يوجبه سقوطها ولا يجب الإعلال بكون الألف بعد الواو فقط حتى ينضم إلى ذلك كسر ما قبل الواو وبكون الواو في مصدر قد اعتل فعله أو في جمع قد سكنت الواو في واحده، فباجتماع هذه الأسباب يجب قلب الواو ياء وإعلالها وذلك قولك في المصدر الذي اعتل فعله قام قياما وحال حيالا، وفي الجمع الذي سكنت الواو في واحده حوض وحياض وسوط وسياط وثوب وثياب، فإذا صح الفعل أو تحركت الواو في الواحد لم يعتل وصحت الواو ولم تنقلب ياء كقولك قاوم قواما وجاءوا في جمع طويل طوال
وربما قيل طيال تشبيها بحياض وأنشد المبرد في ذلك:
تبين لي أنّ القماءة ذلّة وأنّ أشدّ الرّجال طيالها (١)
وإذا كان ذلك في الواحد ولم يكن مصدرا لم يعتل كقولك خوان وإذا لم يكن في الجمع ألف بعد الواو لم تعتل الواو وإن كان ما قبلهما مكسورا وكانت الواو في الواحد ساكنة كقولك كوز وكوزة وعود وعودة وزوج وزوجة والفرق بين حياض وسياط وبين عودة وزوجة أن هذه الألف هي تشبه الياء لمشاركتها إياها في المد واللين وانقلابها في أحوال، فهذه الألف وإن لم تكن في الياء فكأنها جزء من الياء بالشبه فإذا انضم إلى هذا الكسرة واعتلال الفعل أو سكون الواو وصارت الواو بما قبلها من الكسرة وما بعدها من الألف مع علة الأصل وسكونه بمنزلة واو معها ياء ساكنة فقلبت كما قلبت في سيد وميت ومن وجه آخر لما كانت الفتحة في الواو ليست بمحضة لها بل قد يجوز أن يقال أن الألف جلبتها؛ لأنها لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا أشبهت هذه الواو الساكنة التي قبلها كسرة في الهاء تنقلب ياء ومعنى قوله " وكان العمل من وجه واحد أخف ".
يعني: صار الخروج من كسرة إلى ياء بعدها ألف تشاكل الياء أخف عليهم من الخروج عن كسرة إلى الواو وكان الذي جسرهم ذلك الاعتلال الذي ذكرناه.
قال: " مثل ذلك سوط وسياط وثوب وثياب " يعني: مثل المصدر الذي ذكره وهو
_________________
(١) انظر تاج العروس ٢٩/ ٣٨٦، المحكم ٩/ ٢٣٥، اللباب في علوم الكتاب ١٦/ ٣٤.
[ ٥ / ٢٦٥ ]
حيال وقيام، الجمع الذي في واحدة واو ساكنة ميتة شبهوها بواو يقول " لأنها ساكنة مثلها " يعني أنهم شبهوا واو " حوض " بواو " يقول: لسكونها، فلما أعلوا مصدر هذا أعلوا جمع هذا.
قال: " ألا ترى أن ذلك دعاهم إلى أنهم لا يستثقلونها في فعلات إذ كان ما أصله التحريك يسكن وصارت الكسرة بمنزلة ياء قبلها وعملت فيها الألف لشبهها بالياء كما عملت ياء يوجل في ييجل قوله لم يستثقلوها في فعلات ".
يعني: أنهم في جمع جوزة ودولة يقولون جوزات ودولات فيسكنونها وهم يحركون غيرها من الحروف الصحيحة كقولهم ثمرة وثمرات وضربة وضربات وإنما لم يحركوها، لأنها من حروف العلة، وقد سكن في مثل هذا الجمع الحروف الصحيحة كقول الشاعر:
فتستريح النفس من زفراتها (١)
فإذا كان ما ليس فيه علة قد يسكن، كان حرف العلة أولى بذلك وبعض النحويين يقول العلة في تسكينهم الواو
والياء في فعلات كجوزات وبيضات أنهم لو حركوها فقالوا جوزات وبيضات كما قالوا ثمرات وضربات ألزمهم قلب الواو والياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها كما قالوا دار وناب ونار وقوم من هذيل يفتحونها فيقولون جوزات وبيضات ولا يقلبونها ألفا إذا كانت الحركة عارضة في الجمع وليست بلازمة إذ قد يسكن الحرف الصحيح في هذا الجمع.
وقوله: " وصارت الكسرة بمنزلة ياء قبلها " يعني: الكسرة في قيام ورياض بمنزلة الياء في ميوت وهو أصل ميت قلبت الواو ياء من أجل الياء فصارت الكسرة في قيام كالياء في بيوت.
وقوله: " وعملت فيها الألف لشبهها بالياء كما عملت ياء يوجل في ييجل " يعني اجتماع الياء والألف في قيام وأصله قوام وحياض وأصله حواض كاجتماع الياء والواو في يوجل؛ لأنه قد جعل الألف كالياء لشبهها بها وتقدم الواو وتأخرها في القلب واحد ألا ترى أنك تقول لويته ليا وأصله لويا الواو قبل الياء وتقول في تصغير صعو صعي وأصله صعيو والياء قبل الواو، فلما كان كذلك كان تقدم الواو على الألف في قوام وحواض كتأخرها في يوجل.
_________________
(١) تاريخ دمشق ١٧/ ٢٧٦، تفسير الثعالبي ٨/ ٢٧٦، الخصائص ١/ ٣١٦.
[ ٥ / ٢٦٦ ]
قال: " وأما ما قد قلب في الواحد فإنه لا يثبت في الجمع إذا كان قبله الكسر؛ لأنهم قد يكرهون الواو بعد الكسرة حتى يقلبوها فيما قد تثبت في واحدة، فلما كان ذلك من كلامهم ألزموا البدل ما قلب في الواحد وذلك قولهم ديمة وديم وحيلة وحيل وقامة وقيم وتارة وتير ودار وديار " يعني: أن ما قلب من الواحد فإنه لا يثبت في الجمع إذا كان قبله الكسر، لأنهم قد يكرهون الواو بعد الكسرة حتى يقلبوها فيما تثبت في واحده، فلما كان ذلك من كلامهم ألزموا البدل ما قلب في الواحد وذلك قولهم " ديمة وديم " و" حيلة وحيل " و" قامة وقيم " و" تارة وتير " و" دار وديار " يعني أن ما قلب من الواحد أولى بالإعلال مما سكنت الواو فيه ولم تقلب فصار ما قلبت واوه في الواحد تقلب في الجميع وإن لم يكن بعدها ألف كقولهم ديمة وديم والأصل من ذوات الواو، لأنه من دام يدوم وكذلك قامة وقيم، لأنها من القوام وإذا كانت الواو ساكنة في الواحد لم تقلب في الجمع ياء بانكسار ما قبلها حتى ينضم إلى ذلك أن يكون بعدها ألف كما ذكرناه، وقد بينا أن ما كان واحده على فعل وعين الفعل منه واو ساكنة، ثم جمعت على فعلة صحت الواو كعود وعودة وزوج وزوجة وكوز وكوزة وربما شذ قالوا ثور وثورة وثيرة.
قال سيبويه: " شبهوا ثيرة بديم " كأنهم شبهوا الواو الساكنة في ثور والواو المنقلبة ياء في ديمة وفيه عندي وجه
آخر وهو أنهم قالوا ثيرة على فعلة كما قالوا غلمة وصبية وقنية وقالوا ثيران قال الأعشى:
تراعي ثيرة رتعا (١)
فلما كان ثيرة وثيران في معنى واحد، وقد أوجبت الضرورة قلبها في ثيرة وثيران لسكونها وانكسار ما قبلها حملوا بعض الجمع على بعض، كما حملوا الجمع على الواحد في ديمة وديم وثيرة ليس بمطرد.
قال: " وإذا جمعت قيل قلت أقوال؛ لأنه ليس قبلها ما يستثقل معه من كسرة أو ياء أراد أن يبين أن قيل وأقوال ليس بمنزلة ديمة وديم ".
وذلك أنه قال ديم في الجمع حملا على الواحد ولم يحمل أقوال على قيل، لأن ديم قبل الياء كسرة فحمل على الواحد الكسرة التي قبلها وليس كذلك أقوال لبطلان الكسرة
_________________
(١) ديوان الأعشى ١١٧، جمهرة اللغة ١/ ٤٢٤، تاج العروس ٢١/ ٦٠.
[ ٥ / ٢٦٧ ]
التي في قيل فأشبهت ميزان.
قال: " ولو جمعت الحياكة والخيانة كما قلت رسالة ورسائل لقلت حوائك وخوائن " يعني: أنك لا تقول حيائك ولا خيائن وإن كان واحده مكسورا وليس ذلك بمنزلة ديمة وديم لأن حيائك قد انفتحت فيه الحاء فردت الواو إلى أصلها وفي ديم قد انكسرت الدال التي قبل الواو فتركت ياء كما كانت إذا كانت العلة التي من أجلها قلبت في الواحد ياء انكسار ما قبلها، والكسر موجود في الجمع وكانت الواو بعد الفتحة أخف عليهم وبعدها الألف ألا ترى أنك تقول عاود فتقلبها واوا كما قلت ميزان وموازين يعني أنك تقول عيد، ثم تقول منه عاود الألف التي قبل الواو وتقول موازين في جمع ميزان للفتحة التي قبلها.
قال: " فلا يكون أسوأ حالا في الرد إلى الأصل من الساكن " يعني: حيث قلت " قيل " و" أقوال " وليس " ميزان " و" موازين " بأبعد من ردّ " قيل " إلى " أقوال ".
قال: " ومما أجري مجرى حالت حيالا ونام نياما اجتزت اجتيازا وانقدت انقيادا قلبت الواو ياء حيث كانت بين كسرة وألف ولم يحذفوا كما حذفوا في الإقالة والاستعاذة، لأن ما قبل هذا المعتل لم يكن ساكنا في الأصل حرك بحركة ما بعده فيفعل ذلك بمصدره، ولكن ما قبله بمنزلة قاف " قام " ونون " نام " و" قاد " يجري مجراهما والحرف الذي قبل المعتل فيما ذكرت لك ساكن الأصل ومصدره كذلك فأجري مجراه ".
يعني: كأن مصدر انفعل وافتعل يلحقه من الاعتلال ما لحق " قيام " و" حيال " وذلك أن " انقاد " وهو الفعل وأخت
أواخرها وهو " قاد " و" نار " بمنزلة " قام " و" حال " فيقال " انقياد واختيار " كما يقال " قيام وحيال " قال فأما اسم اختار واختير فمعتل كما اعتل اسم " قال " و" قيل " فاسم اختار مختار وأصله مختور فكتب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وكذلك اسم اختير أيضا مختار وأصله مختور فقلبتها ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فيصير اللفظ بهما واحدا.
قال: " فأما الفعال من جاورت فتقول فيه بالأصل وذلك الجوار والحوار ومثل شيء كل شيء قد صح فعله، وقد بينا ذلك فيما مضى، وأما الفعول في نحو قلت مصدرا ومن نحو سوط جمعا فليس قبل الواو فيه كسرة فتقلبها كما تقلبها ساكنة فهم
[ ٥ / ٢٦٨ ]
يدعونها على الأصل كما يدعون أدؤر أو يهمزون كما يهمزونه والوجهان مطردان " يعني: أن لا تعتل ولا تقلب الواو فيه ياء وإن كان فعله معتلا أو كان جمعا واحده ساكن الواو لأن الذي كان يوجب الإعلال في ذلك الكسرة مع سائر ما ذكرناه والكسرة مفقودة في فعول فأما فعول مصدرا فغار غؤورا وسار سؤورا إذا علا على الشيء فأما فعول جمعا فحول وحؤول وخوور خؤور والخور الغامض من البحر كالنهر فيه والفعول بهذه المنزلة لا يعتل وهو أولى بالصحة من فعول أو مثله بسبب الفتحة في أوله.
قال: " ولم يسكنوا فيحذفوا فيصيرا بمنزلة ما لا زيادة فيه نحو فعل وفعل لما ذكر سيبويه فعول وفعول وأنهما لا يعتلان قال عقيب ذلك ولم يسكنوا ".
يعني: لم يعلوا الواو فيهما فيسكنوها؛ لأنهم لو أسكنوها اجتمعت واوان ساكنتان إحداهما عين الفعل والأخرى واو فعول وفعول وإذا اجتمع ساكنان فلا بد من حذف أحدهما فإذ حذفنا إحدى الواوين بعد التسكين يبقى فعل وفعل ومثل ذلك لو أعللنا الواو في غؤور وقؤول سكناها فإذا حذفنا إحداهما بقي عور وقول فيلتبس بناء ما فيه زيادة وما لا زيادة فيه.
قال: " ولكنها تقلب ياء في فعل وذلك قولهم صيّم في صوّم وقيّم في قوّم وقيّل في قوّل ونيّم في نوّم ".
يعني: ولكن الواو تقلب ياء في فعل؛ لأنه قد ذكر أنها لا تقلب في فعول، وإنما قلبت الواو في صيمّ وقيلّ تشبيها بعتي وعصي وذلك أن عتى وعصى يجب القلب فيهما وفيما جرى مجراهما، الأصل فيهما عتو وعصو ووقعت طرفا في جمع فقلبت ياء استثقالا لواو مشددة طرفا في جمع إن كان الجمع أثقل من الواحد وصوّم وقوّل قد قربت واوهما من الطرف فشبهت بواو عتو إذ كانت مشددة مثلها فإذا بعدت من الطرف لم يجز فيها هذا القلب، كقولهم صوّام وزوّار لا يجوز فيه صيّام وزيّار، لأن الألف قد صارت بين الواو وبين الطرف، وزعم بعضهم أنه قد جاء
مثل ذلك وهو صيّابة تقول في صيّابة قومه أي في كثرتهم وفي أهل الشدة منهم وزعم أن الأصل فيه صوّابه، لأنه من صاب يصوب.
قال: " وقد قالوا مشوب ومشيب وحور وحير وهذا النحو فشبهوه بفعل " يعني:
شبهوه بصيّم في قلب الواو ياء، وقد ذكرنا قصة مشوب.
قال: " وأما طويل وطوال فبمنزلة جاور وجوار " يعني أنه لا يعتل جمع طويل
[ ٥ / ٢٦٩ ]
لتحرك الواو في واحده كما لا يعتل مصدر جاور لصحة فعله وقد مضى هذا.
قال " وأما فعلان فيجري على الأصل وفعلى نحو جولان وحيدان وصوري وصيدي ".
جعلوه بالزيادة حين لحقته بمنزلة ما لا زيادة فيه مما لم يجئ على بناء الفعل نحو الحول والغير واللومة جعل سيبويه فعلان وفعلى إذا كانت عين الفعل واوا أو ياء بمنزلة ما لا يعتل وهو كلام العرب الشائع الكثير، وذلك أنهم جعلوه بهذه الزيادة خارجا عن وزن الفعل ولا حقا بما لا يعمل ولا يشبه الفعل بحول وغير ولم تكن الألف والنون في " جولان " وألفا التأنيث في " حيى وصورى " بمنزلة هاء التأنيث؛ لأن ألف التأنيث والألف والنون قد يجمع الاسم عليهما فيعتد بهما في جمعه كقولك في جمع " حبلى " " حبالى " وفي جمع سرحان سراحين وليس ذلك في هاء التأنيث وأيضا فإن هاء التأنيث تدخل على بناء التذكير فلا تغيره وألف التأنيث تدخل فتغيره كقولك سكران وسكرى وأحمر وحمرا وكذلك الألف والنون؛ لأنهما بمنزلة ما قد بني الاسم عليه.
ثم قوي سيبويه ذلك بأن قال: " لما رأينا فعلان إذا كانت لام الفعل منه واوا أو ياء لا تعتل نحو النزوان وغزوان ونفيان ولام الفعل أولى بالإعلال من عينه وجب أن لا تعتل العين في هذا البناء إذا لم تعتل اللام التي هي أولى بالإعلال منها فإن قال قائل:
ولم لا تعل لام الفعل في مثل نزوان ونفيان قيل له لو أعللناها سكناها فاجتمع ساكنان ألف فعلان واللام المعتلة ووجب إسقاط أحدهما فإذا أسقط بقي نزان ونفان فيشبه فعال وبعض العرب يعل فعلان الذي عينه واوا وياء فيقول داران وحادان وهامان ودالان وأصل حادان حيدان من حاد يحيد وهامان هيمان من هام يهيم وداران من داريد ورودالان من دال يدول من الدولة، وهذا شاذ قليل وكان أبو العباس المبرد يقول القياس إعلال جولان وحيدان، لأن الألف والنون عنده بمنزلة هاء التأنيث وجولان وحيدان عنده شاذ خارج عن القياس قال وفعلاء بمنزلة ذلك قالوا قوباء وخيلاء ".
يعني: أن هذا يصح ولا يعتل لأن صدره فعل يشبه وزن الفعل كنوم ونوّم وكذلك فعلاء نحو السيراء أو الهاء
كأول قيم وسير ودول وقام المقر على فعلاء بسبب الياء، كما قالوا بيوت وعيون بمعنى عيون وبيوت وكما قالوا في التصغير يبيت وعيينة في معنى بييت
[ ٥ / ٢٧٠ ]
فكسروا استثقالا للضمة مع الياء والذي قاله ليس ببعيد لأنا لم نر اسما على فعلاء إلا ما كان عين الفعل منه ياء.