فأمّا الثبات فقولك: ضربهو زيدّ، وعليهي مال، ولديهو رجل، جاءت الهاء مع ما بعدها ها هنا في المذكر كما جاءت وبعدها الألف في المؤنث، وذلك قولك: ضربها زيد
_________________
(١) همع الهوامع ١/ ٥٣. الدرر اللوامع ١/ ٢٩.
(٢) انظر الخزانة ٣/ ٥٢٩، إصلاح المنطق ٤١٩.
[ ٥ / ٦٠ ]
وعليها مال.
قال أبو سعيد: اختلف أصحابنا في الياء والواو المتصلتين بضربهو وعليهي، فبعض جعله من نفس الاسم
وبعضهم جعله زائدا ولا خلاف بينهم أن الألف في قولهم عليها وضربها هما جميعا الاسم، وقد اختلفوا في مذهب سيبويه في الواو والياء في ضربهو وعليهي، فقال أبو إسحاق الزجاج: أن مذهب سيبويه أن الواو والياء بمنزلة الألف وإنهما من الاسم كالألف، وذكر أن مذهبه أنهما ليسا من نفس الاسم. قال: والدليل على ذلك أن الواو والياء لا يوقف عليهما إذا قلت: ضربته ومررت به، ويوقف على الألف إذا قلت: ضربتها. وللقائل أن يقول: قد يجوز أن يحذف في الوقف ما هو من نفس الاسم في قولنا: هذا قاض، فلا يكون لأبي إسحاق في ذلك حجة.
وبعض أصحابنا يذهب إلى أن مذهب سيبويه أن الواو والياء ليستا من الاسم، وستقف على ذلك إذا انتهينا من هذا الباب إن شاء الله تعالى.
قال: فإذا كان قبل الهاء حرف لين فإن حذف الياء والواو في الوصل أحسن، لأن الهاء من مخرج الألف، والألف تشبه الياء، والواو تشبههما في المدّ وهي أختهما، فلما اجتمعت حروف متشابهة حذفوا، وذلك قولك: عليه مال ورأيت أباه قبل وهذا أبوه كما ترى، وأحسن القراءتين: (وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا) (١) و(إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ) (٢)، (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ) (٣) و(خُذُوهُ فَغُلُّوهُ) (٤)، والإتمام عربي، ولا تحذف الألف في مؤنث فيلتبس المؤنث بالمذكر ".
يعني أنك لو حذفت الألف لوجب أن تسكن الهاء في الوقف فيقع لبس بين المذكر والمؤنث في الوقف، فيصير ضربته للمؤنث والمذكر.
قال: " فإن لم يكن قبل هاء التوكيد حرف لين أثبتوا الواو والياء في الوصل وقد يحذف بعض العرب الحرف الذي بعد الهاء إذا كان ما قبل الهاء ساكنا "، لأنهم كرهوا حرفين ساكنين بينهما حرف خفي نحو الألف فكما كرهوا التقاء الساكنين في أين ونوها، كرهوا ألا يكون بينهما حرف قوي، وذلك قول بعضهم منه يا فتى، وأصابته جائحة، والإتمام أجود لأن هذا الساكن ليس بحرف لين، والهاء حرف متحرك ".
قال أبو سعيد: فصل سيبويه بين الهاء التي قبلها ياء ساكنة أو واو ساكنة أو ألف،
_________________
(١) سورة الإسراء الآية: ١٠٦.
(٢) سورة الأعراف الآية: ١٧٦.
(٣) سورة يوسف الآية: ٢٠.
(٤) سورة الحاقة الآية: ٣٠.
[ ٥ / ٦١ ]
فجعل الاختيار فيها أن تحرك ولا توصل بحرف، وجعل الهاء التي قبلها ساكن غير الياء والواو، والألف الاختيار
فيها أن توصل بالواو، واختار أن يقال عليه وألقى عصاه وخدوه بغير حرف، واختار منهو آيات، وأصابتهو جائحة، واختار أبو العباس حذف الصلة في منه وأصابته، ولم يفرق بين حرف اللين وغيره، وهذا هو الصحيح، لأن أكثر القراء والجمهور على: (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ) (١)، والعلة في هذا كالعلة في حروف اللين، وذلك أن الهاء حرف خفي، فلو وصلت بحرف ساكن وهي لخفائها كأنها ساكن فيصير كأنه ثلاثة سواكن.
قال سيبويه: " فإن كان الحرف الذي قبل الهاء متحركا فالإثبات ليس إلّا كما تثبت الألف في التأنيث، لأنه لم تأت علة مما ذكرنا فجرى على الأصل إلّا أن يضطرب شاعر فيحذف كما يحذف ألف معلّى، وكما حذف فقال:
وطرت بمنصلي في بعملات دوامي الأيد يخبطن السّريحا (٢)
وهذا أجدر أن يحذف في الشعر، لأنه قد يحذف في مواضع من الكلام وهي المواضع التي ذكرت لك في حروف اللين نحو عليه، والساكن، ولو أثبتوا كان أصلا وكلاما حسنا من كلامهم، فإذا حذفوها على هذه الحال كانت في الشعر في تلك المواضع أجدر أن تحذف إذ حذفت مما لا يحذف منه في الكلام على الحال، ولم يفعلوا هذا بذه هي ومن هي ونحوهما، وفرق بينهما لأن هاء الإضمار أكثر استعمالا " في الكلام والهاء التي هي هاء الإضمار الياء التي بعدها أيضا مع هذا أضعف لأنها ليست بحرف من نفس الكلمة ولا بمنزلته وليست الياء في هي وحدها باسم كياء غلامي ".
قال أبو سعيد: يريد أن الهاء التي قبلها حركة لا بد من أن توصل، وحذف الوصل منها إنما يجوز في الشعر كما جاز حذف ألف معلّى حين قيل في الشعر معلّ، وحذف الياء من الأيد، وحذّف صلة الهاء أجدر لأنها قد تحذف في الكلام من: عليه ومنه، ولا تحذف من: هي وهو لأن الياء والواو مع الهاء التي قبلهما هما الاسم، ولأن الواو والياء في هو وهي يوقف عليهما وليس ذلك في ضربته ولا مررت به وكذلك ضعّف الوصل فقال:
الهاء هي هاء الإضمار، الياء التي بعدها مع هذا أضعف لأنها ليست بحرف من نفس
_________________
(١) سورة آل عمران الآية: ٧.
(٢) قائل البيت مضرس بن ربعي الفقعسي الأسدي، انظر شرح شواهد المغني ٢/ ٥٩٨.
[ ٥ / ٦٢ ]
الكلمة، وهذا مما يدل على أن الهاء وحدها عند سيبويه الاسم، وقوله: " وليست الياء في هي وحدها باسم "، ويدل أيضا أن الياء مع الهاء اسم، وقد استدلّ بعض أصحابنا أيضا " على أن الهاء وحدها الاسم.
يقول سيبويه: " هذا الإضمار واعلم أنك لا تستبين الواو التي بعد الهاء ولا الياء في الوقف ولكنهما محذوفتان
لأنهم لمّا كان من كلامهم أن يحذفوا في الوقف ما لا يذهب في الوصل على حال نحو يا غلامي وضربني إلا أن يحذف هي، ليس من أصل كلامهم كالتقاء الساكنين ألزموا الحذف هذا الحرف الذي قد يحذف في الوصل، ولو ترك كان حسنا وكان على أصل كلامهم، فلم يكن فيه في الوقف إلا الحذف حيث كان في الوصل أضعف ".
قال أبو سعيد: يريد أن الوقف على الهاء غير موصولة بحرف، لأنهم قد يحذفون في الوقف ما يثبتونه في الوصل، والصلة في الهاء ضعيفة لأنها ليست من الكلمة ولأنها يختار حذفها في الوصل إذا كان قبلها ساكن، فاختير حذفها في الوقف.
ومعنى قول سيبويه: " ولو ترك كان حسنا " وكان على أصل كلامهم معناه عندي لو ترك وصل الهاء في الوقف والوصل كان حسنا إذ لم تكن الواو من نفس الكلمة.
وبعض أصحابنا ذهب إلى أنه لو لم تحذف في الوقف الياء والواو من الهاء لجاز لبيان الهاء، لأنهم يلحقون للبيان ولكنهم لزموا الحذف، خاصة في الوقف ليدلّوا على أنهما ليسا من نفس الحروف، والذي قلته أولا هي الوجه، لأن سيبويه إنما ذكر ما يقوي حذفه في الوقف ويحسنه فإنما يحتاج إلى تقوية الإثبات.
قال سيبويه: " وإذا كانت الواو والياء بعد الميم التي هي علامة الإضمار كنت بالخيار إن شئت حذفت وإن شئت أثبت، فإن حذفت أسكنت الميم، والإثبات " عليكمو مال " و" أنتمو ذاهبون " و" لديهمي مال " قال: " فأثبتوا كما تثبت الألف في التثنية إذا قلت عليكما وأنتما ولديهما، وأما الحذف والإسكان، فقولهم: عليكم مال وأنتم ذاهبون ولديهم مال، لما كثر استعمالهم هذا في الكلام واجتمعت الضمتان مع الواو والكسرتان مع الياء والكسرات مع الياء نحو بهمي داء، والواو مع الضمتين والواو نحو أبوهمو ذاهب، والضمات مع الواو نحو رسلهمو بالبيّنات، حذفوا من الهاء في الباب الأول حيث اجتمع فيه ما ذكرت إذ
[ ٥ / ٦٣ ]
صارت الهاء بين حرفي لين وفيها مع أنها بين حرفّي لين أنها خفيّة بين ساكنين، ففيها أيضا مثل ما في أصابته، وأسكنوا الميم لأنهم لمّا حذفوا الياء والواو كرهوا أن يدعوا بعد الميم شيئا منهما إذ كانتا تحذفان استثقالا فصارت الضمة بعدها نحو الواو.
قال أبو سعيد: يريد أنه إذا جمع الهاء زيد عليها ميم وواو إذا كانت الهاء مضمومة، كقولك: همو، وكذلك لو جمع ما فيه الكاف والتاء كقولك: عليكمو أنتمو وان كانت الهاء مكسورة ففي الميم قولان منهم من يكسر ويصلها بياء فيقول: عليهمي، ومنهم من يكسر الهاء ويضم الميم ويصلها بواو فيقول: عليهمو، فوصل الميم هو الأصل كما يصلونها بالألف في التثنية عليهما وعليكما وقد يجوز أن تحذف الوصل وتسكّن الميم فأمّا حذفها فعلى ما ذكره،
واحتج به، وتسكن الميم عنده لئلا يبقوا لما حذفوه من الياء والواو أثرا، واحتج غيره بأنه حذف الواو كراهة للواو في آخر الكلمة وحذفوا الضمة من الميم لأنه لا يقع فيه ليس بعد استثقالهم لها، وذلك أن الواحد لا ميم فيه والاثنين فيهما ميم موصولة بألف لا تسقط، فإذا وجدت الميم في الجمع ولم تتصل بألف علم أنه جمع، وأغنت الميم عن الضمة والواو.
قال سيبويه: " ولو فعلوا ذلك لاجتمعت في كلامهم أربع متحركات ليس معهن ساكن نحو رسلكمو وهم يكرهون هذا، ألا ترى أنه ليس في كلامهم اسم على أربعة أحرف متحرك كله، وسترى بيان ذلك في غير هذا الموضع إن شاء الله ".
قال أبو سعيد: يريد أن قولهم رسلكمو يثقل فاختير لأجل ذلك تسكين الميم وحذف الواو بعدها، وقد أنكر من كلام سيبويه " لاجتمعت في كلامهم أربع متحركات "، لأنا وإن أسكنا الميم في رسلكم ففيه أربع متحركات متوالية وإذا حركنا الميم ففيه خمس متحركات وهي رسلكمو، وهذا على أحد وجهين: إما أن يكون سها في عده الحروف وأما أن يكون على ما قال بعض أصحابنا لاجتمعت أربع متحركات من قبل تحريك الميم، فإذا حركناها زاد على أربع متحركات، فيكون زائدا على نهاية الثقل المستعمل في الشعر الموجود في كلمة واحدة، كقولنا: علبط وما أشبه ذلك.
قال سيبويه: " فأما الهاء فحركت في الباب لأنه لا يلتقي ساكنان، وإذا وقفت لم يكن إلا الحذف ولزومه إذ كنت تحذف في الوصل كما فعلت في الأول ".
قال أبو سعيد: يعني أن الهاء تسكن كما سكنت الميم في، أبوهم ورسلهم وما أشبه ذلك، لأن الميم لا يكون ما قبلها إلا مضموما، فإذا سكناه لم يلتق ساكنان، والهاء قد
[ ٥ / ٦٤ ]
يكون ما قبلها ساكنا، كقولنا: ألقى عصاه وعليه وما أشبه ذلك، فلو سكناها اجتمع ساكنان.
قال: " فإذا قلت أريد أن أعطيه حقه فنصبت الياء فليس إلا البيان والإثبات، لأنها لما تحركت خرجت من أن تكون حرف لين ".
قال أبو سعيد: يعني أن الياء إذا تحركت وانفتحت واتصل بها هاء الضمير وصلت بالواو ولم يكن سبيلها كسبيل الهاء الساكنة، وكذلك الواو إذا انفتحت.
كقولك: أريد أن أغزوهو يافتى لأنها لما تحركت صارت كسائر الحروف المتحركة: وإنما كنا نحذف وصل الهاء لأجل الساكن الذي قبلها على ما تقدم من ذكر ذلك، وفرّق بين الهاء والميم لأن الميم لا تكون أبدا إلا وقبلها حرف
مضموم، كقولك:
ضربهم ورأيتهم أو مكسور كقولك: مررت بهم، والهاء قد يسكن ما قبلها ويتحرك كقولك: اضربه وعليه وما أشبه ذلك.
قال: " فالهاء تصرف والميم يلزمها أبدا ما يستثقلون فلذلك جاز إسكانها للبدل الذي يلزمها ألا تراهم قالوا في كبد كبد، وفي عضد عضد، ولا يقولون ذلك في جمل، ولا يحذفون الساكن في سفرجل، لأنه ليس فيه شيء من هذا ".
قال أبو سعيد: يريد أن المستقبل قد يجوز أن يخفف، وكان تسكينهم الميم لضمّتها ولزوم الضمة قبلها كتسكين كبد وعضد، وليس في جمل ما يستثقلون، لأن الميم مفتوحة.
وقوله: " ولا يحذفون الساكن في سفرجل لأنه ليس فيه شيء من هذا ".
قال أبو سعيد: يريد أن الحذف إنما يقع استثقالا أو لداع يدعو إليه، وليس كل ما أراد مريد حذفه كان له ذلك، فلا يجوز له حذف شيء من سفرجل، لأنه لا شيء فيه من نظائر ما يحذف.
قال: " واعلم أن من أسكن هذا الميمات في الوصل لا يكسرها إذا كانت بعدها ألف وصل، ولكن يضمها لأنها في الأصل متحركة بعدها واو، كما أنها في الاثنين متحركة بعدها ألف ".
وإنما أسكنت الميم تخفيفا فإذا اضطر إلى التحريك حركها بما كان لها في الأصل كقولك: كنتم اليوم وفعلتم الخير. ألا ترى أن شاعرا لو اضطر إلى تحريك الدال الأولى من: رادّ لقال رادد لأنه الأصل، ولو اضطر إلى تحريك " رادّ يرادّ " لقال " رادد " فيرده إلى
[ ٥ / ٦٥ ]
أصل حركته، وفي عليهم إذا سكنت الميم وجهان: إن شئت ضممت الهاء فقلت عليهم، وان شئت كسرت فقلت عليهم. فأمّا من ضم الهاء فهو يضم الميم إذا لقيها ساكن فيقول: عليهم المال، وأما من كسر فهم على مذهبين: إذا لقيها ساكن منهم من يكسر الميم، فيقول: عليهم المال والذي يقول هذا الأصل عنده عليهمي فيردّ الميم إلى كسرتها في الأصل، ومنهم من يضمّ الميم مع كسرة الهاء فيقول عليهم المال، وهذا الأصل عنده عليهمو، ثم تسكن الميم لّما ذكرنا من علة إسكانها ثم يحركها في الأصل إذا لقيها الساكن.
قال سيبويه: " لو كان أصل الميم السكون لم يقل ما لا يحصى من العرب كنتمو فاعلين " فاحتج لضم الميم إذا لقيها ساكن بشيئين أحدهما أنه يضمها بالضمة التي كانت فيها، فيردها إلى أصلها، كما قالوا: مذ اليوم فضممت الذال، لأن الأصل منذ، ثم تخفف فتسكن الذال فيقال مذ، فإذا لقيها ساكن قلت: مذ اليوم فحركتها بالحركة التي كانت لها، والوجه الثاني أنه لما كانت هذه الميم بعدها واو في التقدير ثم اضطر إلى تحريكها، " جعلوا حركتها من الواو التي
بعدها في الأصل كما قلت اخشوا القوم حيث كانت علامة إضمار ".
قال: " والتفسير الأول أجود، ألا ترى أنه لا يقول كنتم اليوم من يقول اخشوا الرجل ".
قال أبو سعيد: يريد أنّا لو كنا نضم الميم من أجل الواو بعدها في التقدير لكان يلزمنا إذا كسرنا الواو في اخشوا الرجل أن نكسر الميم لأنهما قد حذف مهما، ويجوز أن يفرق بينهما لأن الميم قد حذف الواو بعدها والواو في اخشوا لم يحذف بعدها واو، وإنما حذف قبلها ضمة وألف، لأنه كان الأصل اخشوا فحذفت الضمة وقلبت الياء ألفا " وحذفت الألف لاجتماع الساكنين: واو الجمع والألف التي قبلها وكان الأصل اخشا وبعد قلب الألف، فلما حذفت صار اخشوا.