قال أبو سعيد﵀-: اعلم أن سيبويه سبق إلى حصر أبنية كلام العرب ولم يحاول ذلك أحد قبله، ولا في عصره، وأظن ذلك أجمعون، وبعد تناوله، ولأن الحاصر يحتاج إلى الإحاطة بكلامها والتخيل له كله.
وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج على ممارسة شديدة وتصفح طويل أن الذي فات سيبويه من كلام العرب ثلاثة أبنية وهي هندلع اسم بقلة ودرداقس وهو طرف العظم الناتئ فوق القفا قال الأصمعي، واظنهار رومية وأنشد أبو زيد:
بالسيف هامته عن الدارداقيس فبمن زال عن قصد السبيل ترايلت
ومثله خزارنق وهو ثياب ديباج وأصله بالفارسية وشمنصير، وهو اسم موضع قال الهذلي:
لعلك هالك أما غلام تبوأ من شمنصير مقاما
ثم ذكر أبو بكر محمد بن السري المعروف بابن السراج أسماء أنا أسوقها على ما
[ ٥ / ٣٨٠ ]
ذكره في موضعه من كتاب الأصول التي ذكرها أبو بكر بن السراج من الفائت، تلقامة، وتلعابة، وفرناس وفرانس، وتنوفي، ترجمان، شحم امهج عياهم، ترامز، تماضر، ينابعات، رحرح فعلين، ليث عفرين، ترعاية، الصنبر زيتون، كذبذب، هزنزان اسم رجل هديكر، ضرب من المشتيه، هندلع بقلة دردافس خرارنق.
قال أبو سعيد﵀-: أكثر ما ذكره أبو بكر غير داخل على سيبويه ولا مستدرك عليه فأنت أما تلقامه وتلعابة فقد ذكر سيبويه في باب المصادر تحملت تحمالا، وإذا أردنا الواحدة منه زدنا الهاء فقلنا: تحمالة ووزن تلقامة وتلعابة تفعالة له مثل تحمالة.
وقد ذكر فرناس في الأبنية وأما تنوفي فما رأيت أحدا ذكره وجاء في شعر امرئ القيس:
كأن دثارا احلقت بلبونة عقاب تنوفي لأعقاب الفواعل
وفي اللفظ خلاف وروى أبو عمرو وابن الأعرابي عقاب تنوف.
وروى أبو عبيدة ينوفي والأصمعي وأبو حاتم تنوفي وهي فيما قال أبو حاتم ثنية طيء مرتفعة وتصير على رواية أبي عبيدة بناء آخر، ويحتمل أن يكون ممدودا فيكون تنوفاء مثل جلولاء وبروكاء فقصره شاعره
ضرورة.
وأما ترجمان فقد رأيت من ذكر أنه ترجمان، والتاء أصلية فهو فعلان.
وقد ذكر سيبويه فعللان مثل عقربان ونحوه، وأما قوله: شحم أمهج رقيقي فوزن أمهج افعل.
وقد ذكر سيبويه أفعل في الأسماء دون الصفات والاستدراك عليه أن أمهج صفة فللمحتج عن سيبويه أن يقول: ربما وصفوا بالأسماء كما قالوا: مررت بنسوة أربع وأربع اسم وأمهج مأخوذ من المهجة وهي دم القلب فشبه الرقيق بدم القلب؛ لأنه أزق الدم، وأصفاه والمعروف المحفوظ أمهجان أن يقال لبن: أمهجان وماهج قال الراجز:
وعرضوا المجلس محضا ماهجا
وأما مهوان فقد ذكر سيبويه نظيره معلمان ومعسعر وهو مفعلل وأظن أبا بكر اعتقد أن الواو فيه زائدة وأنه مفوعل، لأن الواو يحكم عليها بالزيادة فيما جاوز ثلاثة أحرف وليس ذلك في كل شيء لأنه لا يحكم على واو ضوضاء وغوغاء بالزيادة لأن بناءه يمنع من ذلك، وكذلك مهوان، وأما عياهم فإن الذي ذكره هو صاحب كتاب العين، وأظنه قاسه على عيهم ووزنه فياعل، وهو السريع من الإبل وكثير مما في كتاب
[ ٥ / ٣٨١ ]
العين ينكر وليس المؤلف له الخليل وترامز يقال بعير ترامز صلب شديد قال الراجز:
إذا أردت السير في المفاوز فاعمل كل بازل ترامز
ومثله دلامز قال رؤبة:
دلامز على الدلمز
والتاء فيه أصلية مثل الدال وهو فعالل وجاء به أبو بكر على أن التاء زائدة من الرمز، وليس كذلك، وأما تماضر فاسم امرأة يقال: تماضر بنت الأصبع، وهي في الأصل فعل سميت به كما سمي بتغلب ويزيد دينابعات هي جمع ينابع.
وقد ذكر سيبويه بفاعل، وإن كان ينابعات ففي الفعل على يفاعل سمي به المكان، ثم جمع، وأما دحندح فذكر أبو بكر بن دريد أنه يقال رحندح موصول ورح رح بلا تنوين فدل دح دح على أنه صوت اعند وأنه ليس بكلمة واحدة، وأن النون فيه تنوين كقولنا بخ بخ وبخ بخ.
ومعناه فيما ذكر قد أقررت فاسكت، وقال محمد بن حبيب يقال: هو أهون علي من رحنه ح وهي دويبة صغيرة، وأما ليث عفر بن فأصله عفر، وهو مثل قلز وطمر، ثم لحقته علامة الجمع، كما قالوا اليرحين والفتكرين المدواهي ترعاية تفعالة جاء بها أبو بكر على أن تفعالة لم ترعاية تفعالة جاء بها أبو بكر على أن تفعالة لم يجئ صفة فيما
ذكره سيبويه لأنه قال بعد ذكر تفاعيل نحو: التجافيف والتماثيل ولا نعلمه جاء وصفا وترعاية وترعية في معنى واحد.
ويجوز أن يكونوا قلبوا الياء الساكنة في ترعية ألفا استثقالا كما قالوا في بيجل وييئس ياجل ويايس.
وقد ذكر سيبويه في مثل الصنبر وهو العلكد والهلقس، وإن كان أبو بكر أراد الصنبر بكسر الباء على ما جاء في شعر طرفة:
بجعان تعتري نادينا من سديف حين هاج الصنبر
فهذا يجوز أن يكون لما سكن الراء للوقف كسر كقولك: ضربته وقتلته واغزه وارعه في الوقف وذلك كسر لالتقاء الساكنين.
وأما هزيزان وغفرران فهما في بعض نسخ كتاب سيبويه، والهزبزان السيء الخلق قال الراجز:
لو قد منيت بهزبزان
[ ٥ / ٣٨٢ ]
وعفزران اسم رجل وأما هديكر فإن المحفوظ المعروف هيدكر يقال تهدكرت المرأة إذا ترجرجرت في مشيتها تهدكرا كما يقال تدحرجت ويقال للمرأة إذا مشت كذلك هيدكر قال المرار:
فهي بداء إذا ما أقبلت ضخمة الجسم رداح هيدكر
وأصلها هيدكور قال أبو بكر بن دريد يقال: رجل هيدكور من قولهم: يتهدكر على الناس أي يتنزى عليهم، والمعنى قريب من الأول والهيدكور رجل من العرب من كنده وخفف كما قيل في عرنتن عرنتن وفي علابط علبط.
وقد ذكر في كلام الزجاج بعض ما ذكره أبو بكر بن السراج، وقد خرج قوم في الفائت ما لا يكون استداركا عليه مما يضطر إليه شاعر أو يراه سيبويه على وزن ويراه غيره على غير ذلك الوزن أو رواه بعض العلماء وأنكره غيره أو شيئا يحتمل تأويلا غير الاستدراك فمن ذلك مفعل.
قال سيبويه: ليس في الكلام مفعل بغير الهاء.
وذكر بعض الكوفيين مكرم ومعون وأنشد قول الشاعر:
ليوم روع أو فعال مكرم
وقوله:
بثين الزمي لا أن لا إن لزمته على كثرة الواشين أي معون
وذكر أن مكرم ومعون جمع مكرمة ومعونة، وليس الأمر كذلك لأنه لا يعرف في الكلام مكرم ومعون جمع
مكرمة ومعونة، وإنما اضطر الشاعر فحذف الهاء كبعض ما يحذف في الضرورة ولعله شبهه بما يجوز بالهاء وطرحها موعد وموعدة بمعنى واحد ومنه قول رؤبة:
ما بال عيني كالشعيب العين
والذي عليه أهل المنظر والتحصيل من النحويين العين بكسر الياء، والذي يقول:
العين بفتح الياء يحمله على فيعل في الصحيح مثل حيدر وصيرف بل في النحويين من يقول في ميت وهين أصله فيعل كذا حكى سيبويه فلعل الذي فتح ممن يعتقد هذا الرأي ومنه جلندا قد ذكره سيبويه مقصورا وقد أجازوا فيه المد أنشدنا أبو بكر بن دريد:
وجلندا في عمان مقيما
[ ٥ / ٣٨٣ ]
وهذا وقد أنشد في مد المقصور نحو:
قلت أخت بني السعلاء
ومنه كسر اللام في طيلسان، وقد أنكره الأصمعي، وذكره الأخفش والمازني ومحمد بن يزيد على تصريف مسائل النحو عليه بالرواية العنعيفة لا على تحقيق الرواية فيه ومنه نقل في الأسماء لم يذكر سيبويه، ويجوز أن يكون أصله فعل سمي به كاسمي ضرب من الطير بتنوط لأنها تعلق عشها ومعنى تنوط: تعلق ودئل من الدالان ضرب من المشي فيكون قد سمي من هذا، ومن ذلك ما يجيء في الشعر من زيادة حرف المد كقولهم في انظر انظور وفي ينبع ينباع قال الشاعر:
من حيث ما سلكوا أدنوفأ فطور.
وقول عنترة:
ينباع من ذي فري غضوب جسرة زيافة مثل الفنيق المكرم
ومثله مما جاء في الشعر قرنفول في قرنفل قال الشاعر (١):
فهو كقولهم دراهم دراهيم وفي صيارف صياريف ومثله في الزيادة من جنس ما قبله من قول الشعراء في حدب وقطن حدب وقطن ومنه فعولي مقصور أنشدنا أبو بكر بن دريد عن أبي عثمان الأستاذ للمرار:
فأصبحت مهموما كأن مطيتي بخبت مسولي أو تؤجرة ظالم
وأصله عندي مسؤولا مثل دبوقد وجلولاء وقصره للضرورة، ومما رآه سيبويه على وزن، ورآه غيره على غير ذلك فيها قال سيبويه، وهو فعلا لأنهم قد يمدونه فيقولون ضهياء كحمراء فيعلم أن الهمزة زائدة للتأنيث وأن الياء
لام الفعل فإذا قصر جعلت الياء لام الفعل أيضا والهمزة زائدة فصار فعلاء.
_________________
(١) سقط بالأصل، وهو: أنشد في لسان العرب بيتين أحدهما: وابأبي ثغرك ذاك المغسول كأن في أنيابه القرنفول والآخر: خود أناة كاملهاه وعطبول كأن في أنيابها القرنفول فلعل الشارح أورد أحدهما وسقط في النسخة.
[ ٥ / ٣٨٤ ]
أما أبو إسحاق الزجاج فقال: هو فعيل مأخوذ من قوله ﷿ على قراءة من همز يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ [التوبة: ٣٠] أي: يشابهون الضهباء التي لا تحيض ولا ينبت لها ثدي كأنها تشابه الرجل في ذلك.
وقد حكي وليس يثبت ضهيد، وهو فعيل، والذي عليه أهل العلم إنه مصنوع، ومن ذلك ويستعور قال سيبويه هو فعلول مثل عظم [] (١) والياء والتاء أصليتان.
وقال أحمد بن يحيى ثعلب وأبو بكر بن دريد هو يفتعول وليس ذلك شيء.
وقال سيبويه في مثل شحشح ورقرق وما أشبه ذلك فعلل.
وقال صاحب كتاب العين وهو قول الزجاج وهو فعفل ومما جاء في شعر العرب أشياء للتوهم منها أنها من غير كلام العرب، وإذا لم تكن من كلامها فلا استدراك على سيبويه فيها منها السليطيط وهو فعيليل ومعناه من:
المسلط قال أمية:
إن الأنام رعايا الله كلهم هو السليطيط فوق الأرض مستطر
والسليطيط في البيت القاهر ومستطر قادر وخرنباش نبت طيب الريح قال الشاعر:
اتتنا رياح الغور من نحو أرضها بريح خرنباش الصرائم والحقل
والماجشون ثياب منصبغة قال أمية بن أبي عائذ الهذلي:
ويخفي بفتحاء مغبرة تخال القتام بها الماجشونا
والماطرون اسم موضع بناحية الشام واطئها.
رومية قال الشاعر:
طال ليلي وبت كالمحزون واعترتني الهموم بالماطرون
وقد ذكر ثقات من أهل اللغة حروفا لم يذكر سيبويه مثالها دزبذبان وكذبذب وكذبذب مخففا ومشددا وذلك كله الكذاب قال الشاعر:
فإذا سمعت بأنني قد بعتها بوصال غانية فقل كذبذب
وصعفوق وهو فعلول قال العجاج:
من آل صعفوق واتباع أخر
_________________
(١) كشط بالأصل.
[ ٥ / ٣٨٥ ]
وهم فيها ذكر حول باليمامة، وذكر الفراء ناقة، بها خزعال أي طلع.
وقال سيبويه: لم يجيء فعلال في غير المضاعف وفي شعر أمية بن أبي عائد:
مطاريح بالوعث من الحشور هاجرن رماحة زيزفونا
زيزفون فيما ذكر فيفعول من الزفن والزيزفون السريعة والزفن ضرب من الحركة والرماحة القوس وفعللان قرعبلانة اسم دابة.